التوضيح : مرة ترسل أنت رسالة ويوقعها مجموعة من الأفراد .. زيد وعمر .. عشرة أشخاص أو مئة شخص .. ومرة أخرى ، نقول : هذه رسالة واحدة بالنظر إلى هذه الورقة . فمرة ننظر إلى الرسالة بعدد الأشخاص الموقعين عليها ، ومرة ننظر إلى الرسالة كورقة واحدة فتكون كأنها من شخص واحد .
وهذا الإختلاف هو عينه الموجود في الروايات التاريخية ، فيقال : أنه وصل إلى الإمام الحسين ماملأ خرجين من الرسائل ، وبالطبع خرجين لا يمكن أن تكون عشرة آلالاف رسالة .. وإنما قد يكون ناظر إلى أن هذه الرسائل موقعة من أشخاص متعددين ، فيعتبر كل من وقع على هذه الرسالة كأنما أرسل رسالة تدعو الحسين للمجيء .
إذن ، فموضوع رسائل أهل الكوفة هي آخر دوافع الإمام الحسين والتي لا يمكن أن تُقارن بدافعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا بدافعية رغبة الإمام الحسين (ع) في تغيير الوضع الفاسد الذي صنعته السلطة الأموية في الأمة ، ولا تقارن بمسؤوليته الدينية ، ولا تقارن برغبته في الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا تقارن – أيضًا – بجانب إباء الحسين وعزته وكرامته ، وإنما تأتي في ذيل هذه المنطلقات ، وهذا ( أولاً ).
ثانيًا : تأخر الرسائل الزمني يعني أنها لم تكن مؤثرة في أصل خروج الإمام الحسين وموقفه ، لأن موقف الإمام الحسين قد اتخذه من البداية ، وقال انه لا يبايع وأنه خارج وأعلن العصيان على يزيد ، وأنه سيواجه ماسيحصل له ..
فما هو دور الرسائل إذن ؟
كان دور رسائل أهل الكوفة ، في كونها وجّهت الإمام الحسين عليه السلام من مكة إلى جهة واضحة ، وذلك أنَّ الإمام الحسين (ع) لمّا علم أنَه سوف يتعرض إلى عملية الإغتيال على أثر إرسال عمر بن سعيد الأشدق (١٣) – وذكرنا سابقًا أن يزيد لمّا رأى أن الوليد بن عتبة متراخٍ في تنفيذ أوامره ، وهو (يزيد) كان يُريد تصعيد الأحداث عزله على الفور ، ونصّب الأشدق ، كان رجلاً شرسًا فاتكًا ، وكان من أوائل أعماله الإجرامية أنه أرسل فرقة لإغتيال الإمام الحسين في مكة ، ومع أنّ مكة كان لها والٍ ، إلا أنه من شراسة الأشدق أُنتخب لهذه المهمة ، وظل مطاردًا للإمام الحسين في مكة ، وأرسل من يقتل الإمام ، ومن هنا قرر الإمام الحسين الخروج من مكة كي لا تنتهك حرمة البيت بقتله ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لأن الإمام لن يستطيع تأدية رسالته بالشكل المطلوب مع وجود هؤلاء المرتزقة ومع امتناعه الديني عن القتال ، لذلك قال : (لئن أقتل خارجًا من مكة بشبر أحب إليَّ من أن أُقتل فيها ولئن أقتل خارجًا منها بشبرين أحب إليَّ من أن أقتل خارجًا منها بشبر)(١٤)
ولكن إلى أين يتجه الإمام الحسين ؟! بعضهم شاروا على الإمام بالذهاب إلى اليمن ، وبعضهم اقترح عليه بالذهاب إلى (جبال طي) . ومن جهة أخرى ماذا عن الكوفة ؟
الكوفة التي أعلنت عصيانًا مدنيًا عامًا ، حيث أن أعيان البلد رفضوا أن يأتمروا بأمر حاكمها وهو النعمان بن بشير ، ورفضوا طاعته ولم يصلوا معه ..
وكان النعمان بن بشير (١٥) يتجنب الدخول في مواجهات مع الناس من الأنصار ، حسب بعض المصادر . والرسائل التي وصلت إلى الإمام الحسين من الكوفة جعلته يُوجّه ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ، لكي يستطلع الأمر ، وجعلت الإمام يتحرك بإتجاه كربلاء بإتجاه العراق التي حدثت فيها واقعة كربلاء ، نعم واقعة كربلاء في علم الله مكتوبة وأن آجالهم وأوضاعهم معروفة ، وأن الإمام الحسين أخبر أنه يقتل في أرض يُقال لها كربلاء ، ولكننا نتحدث ضمن الإطار الآخر وهو الإطار الظاهري الذي تتحرك فيه قضية الإمام الحسين.
-ويبقى سؤال أخير ، نختم به الحديث :
هل كان من ضمن أهداف الإمام أن يُشكل حكومة إسلامية ودولة في مقابل دولة بني أمية ؟