ففي المدينة نسمعه يقول : ( أنا أريد الإصلاح ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ) وفي مكان آخر يقول : (هيهات منَّا الذلة) وفي مكان ثالث يقول : (هؤلاء قد عطلوا الحدود وأظهروا الفساد ...) حينما ننظر إلى هذه الأقوال مجتمعة تتكون لنا صورة متكاملة لمنطلقات الثورة عند الإمام الحسين عليه السلام.
ولابد أن نشير إلى نقطتين :
-النقطة الأولى : لماذا اختلفت كلمات الإمام الحسين عليه السلام ؟
فتارة يراه رجل من الأزد (١١) وهو خارج من مكة ، فيسأله الرجل : مالذي أخرجك من وطن جدك يابن رسول الله ؟ فرد عليه الإمام : (ياأبا هرة أو أبا هَرِم أن بني أمية شتموا عرضي فصبرت ، وأخذوا مالي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ... ) (١٢)
فنجد نوعًا من الإختلاف في كلام الإمام عن غيره من كلماته وردَّه على من سأله ، إلا أن النتيجة واحدة ... ويقول لِأحدهم : ( أن الله أمرني بأمرٍ وأنا ماضٍ إليه ) .. ولم يقل له : أنا خارج للإصلاح ولم يقل له أني عزيز ولا قال هيهات منَّا الذلة ، ولا قال : أريد أن آمر بالمعروف ... فاختلاف أجوبة الإمام على الأسئلة التي تُوجّه إليه مختلفة .. وذلك كل جواب يكون على حسب شخصية السائل ومدى استيعاب من يتحدث معه ..
-مثال لتقريب الفكرة : أنت لو كان لديك قضية من القضايا ، ويأتي إليك رجل حكيم ناضج ، فتتحدث معه عن المشكلة بكل انفتاح وبجميع تفاصيلها وبكل جهاتها . ولكن لو أتى إليك ابنه – مثلاً – شاب في مقتبل العمر ، لا قدرة له على استيعاب المشكلة ولا خبرة له .. فستحدثه عن المشكلة باقتضاب ، فتقول : عندنا مشكلة بسيطة وإن شاء الله تُفرج هذا اليوم .
اختلف جوابك من هذا إلى ذاك ! لماذا ؟ الإختلاف في الشخصيتين .
كذلك الإمام الحسين كان يراعي هذا الجانب ، فمرة يكون الشخص يتلقى مايقوله الإمام ويستوعبه ويكون موصلاً إلى غيره من الناس . بينما شخص آخر لا يمكن أن يستوعب مايُلقى عليه .
لذلك مثل هذا الرجل أبي هرة أو أبي هَرِم الأزدي سلَّم على الحسين وفارقه ، فلو كان هذا الرجل ممن يُرجى منه ، لسأل الإمام واستفسر أكثر عن التفاصيل ، ولسأل الإمام إذا كان يريد ناصرًا أم لا !
وكذلك كان الحال مع الفرزدق ابن غالب عندما واجهه الإمام الحسين وهو خارج من مكة قادم مع أمهِ للحج ، فسأل الإمام عن أهل العراق ، فقال الفرزدق : الرجال الكبار (أهل العراق) عَظُمت رشوتُهم وامتلت غرائزهم – أي جيوبهم – من الأموال ، وهؤلاء قسم منهم سيوفهم عليك وقلوبهم معك . فاسترجع الإمام وذكر الله سبحانه وتعالى .
ثم سأل الفرزدق الإمام الحسين عن بعض المسائل الشرعية ، ثم انصرف عنه . والسؤال هنا : هل كان الفرزدق معذورًا لوجود أمه معه ؟ أم أنه لم يبلغ المستوى النضجي النفسي والأخلاقي والعلمي المطلوب الذي يؤهله بأن يستشهد بين يدي أبي عبدالله الحسين عليه السلام؟!
تسجل للفرزدق بعض المواقف ومنها القصائد التي نظمها ، ولكنه في مثل الموقف المتقدم لم يكن مُوفقًا .. ولذلك أجابه الإمام إجابة تختلف عن الإجابات الأخرى .. لأن الإمام ناظرٌ إلى اختلاف المتلقي .
-وتبقى لدينا مسألة : أين رسائل أهل الكوفة من هذه المنطلقات ؟!
ذكرنا سابقًا ، أن بعض المؤلفين ترى أن الإمام الحسين اشتبه في تقدير الوضع السياسي والحياتي والإجتماعي ، فلما أرسلوا له هذه الرسائل انخدع بها ثم استجاب لهم وذهب ثم قُتِل .. وبناؤنا أن هذا الكلام لايمكن أن يصمد أمام الدليل .
إذن ، مادور رسائل أهل الكوفة ؟
من الواضح أن هناك عدد كبير من الرسائل قد وصلت إلى الإمام الحسين ، في الفترة مابين النصف من رمضان إلى قبل خروجه من مكة ، بعضهم عدَّ الرسائل بالآلاف وبعضهم عدَّها بالمئات ، وهذا كله عائد إلى الإختلاف بين الرسائل ، فمرة تُحسب كرسالة واحدة ، ومرة أخرى تُحسب بلحاظ المرسلين .