المنورة. لذلك عزم على أن يخرج من المدينة، وأفضل مكان أمامه هو مكة المكرمة. باعتبار أننا مقبلون في تلك الفترة على موسم الحج، والناس يأتون من كل مكان، إلى الكعبة المشرفة، فهناك مجال لإخبارهم والحديث معهم والدعوة إياهم وإخبارهم بحركة الإمام الحسين (ع)، وهذا الذي حصل. فجاء الإمام الحسين (ع) إلى مكة، إذ خرج وسلك الطريق الأعظم، الذي يسمونه بهذا، أي ليس متخفيا. ومن هذا يتبين، ما معنى: (خَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا). فعبد الله بن الزبير، لما استدعاه الوليد حتى يبايع، منتصف الليل، أخفى نفسه وذهب خفية عبر الصحراء إلى مكة. أما الإمام الحسين (ع)، فبعد يومين من المقابلة بينه وبين الوليد، خرج سالكا الطريق الأعظم، الطريق الرئيسي، وعندها الناس، أي لم يكن سريا؛ لأنه خرج مع ظعائنه، وأهل بيته، ومواليه،
وقسم من بني هاشم. نعم، كانت تعتبر حركة ليست بطيئة؛ لأنهم قطعوا المسافة، حوالي ٤٠٠ كيلو، في خمس ليال وأربعة أيام، ومعنى ذلك أنها بحدود ٨٠ كيلو متر في اليوم، وهذا يعتبر سيرا سريعا نسبيا وليس سيرا هادئا. فالإمام الحسين (ع) بمجرد أن استدعاه الوليد بن عتبة كما تعلمون، عزم على أن يخرج بعد تلك المحاورة بينه وبين الوليد، وبينه وبين مروان بن الحكم. فالإمام الحسين - كما ذكرنا فيما سبق - أراد أن ينهي المقابلة بأهون ما يمكن، فدعاه الوليد إلى البيعة ليزيد، فقال: "مَا أَظُنُّكَ تَقْبَل بِبَيْعَتِي سِرًّا لَكِنْ نُصْبِحُ وَتُصْبِحُونَ وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرُونَ أَيُّنَا أَحَقُّ بِالخِلَافَةِ"، فالقضية تحتاج إلى نقاش على ضوء نهار. وليس بقضية سرية، وفي منتصف الليل، وخلسة وسرقة. وننظر: هل نحن لا بد أن نبايعكم،
أم أنتم لا بد أن تبايعونا، فهذه فيها كلام، وأراد أن ينهي الموضوع. الوليد بن عتبة أراد أيضا أن يتخلص من القضية حسب التعبير. لكن مروان بن الحكم، طريد رسول الله، الذي أصبح الآن في مدينة النبي آمرا ناهيا، قال له: "يَا أَمِيرُ أَوْثِقْهُ كِتَافًا"، كتف الحسين، "وَادْعُهُ إِلَى الْبَيْعَةِ وَإِلَّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ، فَإِنْ لَمْ تُرِدْ أَنْ تَفْعَلَ، فَمُرْنِي أَنَا حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَهُ". أنا أقتل الحسين. فالإمام الحسن غضب هنا. والغضب - كما قلنا – كالحزن، كالخوف، كالفرح، حالة وغريزة من الغرائز الطبيعية، لكن أين توجهها أنت؟ إذا توجهها بالشكل الصحيح، غضب لله، غضب على دعاة الشيطان، فنعم، هذا نعم الغضب. فغضب الإمام الحسين (ع)، وقال: "يَا بْنَ الزَّرْقَاء، أَأَنْتَ تَقْتُلَنِي؟ أَمْ هُوَ؟ كَذَبْتَ وَلَؤُمْتَ"، فلا أنت تقدر، ولا هو
يقدر أن يقتلني! ارتفع الصوت، فدخل بنو هاشم مقتحمين ديوان الأمير، يتقدمهم أبو الفضل العباس، ابن أمير المؤمنين (ع)، أبو النخوة والشهامة، الذي لا يتحمل أن يغضب الحسين، أن يؤذيه أحد بمقدار كلمة واحدة. قلت في بعض الأماكن: من حسن حظ أبي الفضل العباس أنه استشهد قبل الحسين، وإلا إذا كان بهذه النفسية، ويبقى إلى ما بعد الحسين، ويسمع استغاثة الحسين: "يَا قَوْم، وَقَدْ تَفَتَّتْ كَبِدِي مِنَ الظَّمَأِ وَحَقّ جَدِّي أَنَا عَطْشَان"، كيف يصبح حاله ذلك الوقت؟! لا يمكن أن يتحمل - بأبي وأمي - هذا الأمر. ولذلك اقتحم المكان، وخرج الحسين (ع) في معزة أهله، وفرسانه، مرفوع الرأس. وذهب بعد هذا لكي يودع جده المصطفى (ص). أنا وأنت أيضا، نذهب إلى أماكن؛ لنرتاح فيها، نلقي فيها بأحزاننا، نتوجه إلى
الله، ونفرغ أحزاننا بين يدي الله، نذهب إلى قبر رسول الله، وأيضا - إن شاء الله- نستطيع هذا الأمر: أن نذهب إلى قبر رسول الله (ص).جاء الحسين إلى قبر جده المصطفى، فألقى بنفسه على تراب القبر، يا ليت أنا وأنت تتاح لنا فرصة، ليس لنلقي بأنفسنا على تراب القبر، بل لنقترب من القبر ونناجي رسول الله. نادي: "يَا جَدُّ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا الحُسَينُ بْنُ فَاطِمَة، فَرْخُكَ وَبْنُ فَرْخَتِكَ، وَسِبْطُكَ الَّذِي خَلَّفْتَنِي فِي أُمَّتِكَ. فَاشْهَدْ عَلَيهِم يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّهُم ضَيَّعُونِي وَلَم يَحْفَظُوْا حَقِّي وَقَرَابَتِي مِنْكَ".