أَنْ تَكُونَ لِي عَيْنًا فِي المدِينَةِ". هذا يذكره صاحب كتاب الفتوح بن أعثم الكوفي، من قدامى المؤلفين، حوالي من ٣٠٠ هجرية، يذكر هذا الموضوع، وهذا أحد العلل والأسباب التي تذكر في عدم خروج محمد بن الحنفية مع الإمام (ع). فهذه فئة ثانية. الفئة الثالثة، قسم غير قليل من الناس، كانوا لا يرون أنفسهم معنيين بحركة الإمام الحسين (ع). فالبعض يسأل أين أصحاب رسول الله؟ أين التابعون؟ لماذا لا نجد فلانا وفلانا وفلانا في حركة الإمام الحسين (ع)؟ هناك سببان، أذكرهما سريعا. السبب الأول: أن فهم الإمامة لم يكن في ذلك الزمان كما هو عندكم الآن. أنت الآن بحمد الله عندك فهم للإمامة، ولحق الأئمة، عدد الأئمة، صفات الأئمة، واجبات الأئمة عليك. هذا واضح عندك، إلى حد أنك عندما تذكر اسمهم،
اسم آل رسول الله، ترفع صوتك بالصلاة عليهم. اللهم صل على محمد وآل محمد. يعني لست فقط تقبل بكلامهم وتطاوع آرائهم، لا. بل عندك ممارسات. وهذا يصدق عليه: "عَارِفًا بِحَقِّهِ". اللهم ثبتنا على ولايتهم. أنت تعرف حق الأئمة (ع)، وهذا الأمر لم يكن موجودا في ذلك الوقت. تريد مثاله؟ مثاله: الآن، لو أنت خرجت من هذه المنطقة التي تعيش فيها، وذهبت إلى منطقة ثانية، ثم صار حديث عن الإمام الصادق (ع)، هل يعرف الناس إمامته؟ كلا، في غير الدائرة الشيعية، ليسوا كذلك. أو صار حديث عن الإمام العسكري، أصلا قسم من المجتمعات الإسلامية لا يدرون من هو هذا الإمام العسكري وماذا عنده؟! لكنك أنت تفهم إمامته، وتعرف حقه، وتطيعه، وتقتدي به. وذاك الذي - رغم أنه الآن، في هذه الأزمنة،
حيث الثقافة انتشرت، والبيان قد وصل إلى كل مكان - مع ذلك هو وقسم كبير من الناس، من المسلمين، لا يعرفون الأئمة (ع)، ولا يعرفون الإمامة! فكيف بهذا في ذلك الزمان. يعرفون الإمام الحسين، هذا ابن رسول الله، ابن فاطمة الزهراء، رجل، جليل القدر، عظيم المنزلة. لكن أكثر من هذا، لا يعرفونه. لا يعرفون حقه عليهم، ومسؤوليتهم تجاهه؛ لذلك لما يخرج ويتحرك لا يرى نفسه معنيا بالقضية. هذا واحد. الأمر الآخر: أن الإمام الحسين (ع) لم يدعو الناس إلى الخروج معه. في المدينة، لا توجد عندنا إشارات واضحة إلى أن الإمام خطب خطبا مثلا، أو دعا الناس إلى الحركة معه، وإلى الخروج. في مكة، نعم، هذا الأمر موجود. موجود أكثر من خطاب، أكثر من كتاب كتب، ودعا فيه الناس إلى
الخروج معه، وإلى نصرته. أما في المدينة فليس عندنا هذا الشيء، فإذن سببان: سبب عقائدي، وسبب يمكن أن تقول عنه: سياسي أو تاريخي. هذه الفئات الثلاث كانت موجودة في زمان الإمام الحسين (ع). ونظرا لأن المدينة لم تكن البلد المناسب لإعلان الثورة، إذ تخنق الثورة فيها، قرر الإمام الحسين (ع) أن يخرج منها. فمن الممكن فيها أن يُغتال الإمام الحسين (ع) قبل أن يبدأ في حركته ونهضته. والإمام وإن كان غير خائف على نفسه، لكنه حكيم، يريد أن يخطط لعمله. لا يريد أن يقول: ليحدث ما يحدث، قتلوني قتلوني. لا. يريد أن يصل إلى غاية، حتى يصبح لمقتله أثر، ولا يذهب دمه هدرا وضياعا. وكان من المحتمل أن يصنع الأمويون ذلك. فأولا: توصية مؤكدة من قبل يزيد إلى الوليد بن
عتبة أن ادع الناس عامة إلى البيعة، وخص ثلاثة نفر أو أربعة نفر، منهم: الحسين بن علي، وعبد اللاه بن الزبير، وعبد الله بن عمر. وفي رواية: عبد الرحمن بن بكر. وهناك خلاف: هل هو كان لا يزال موجودا أم اغتيل في زمان معاوية؟ وقال: إذا واحد من هؤلاء تردد، فلا تناقشه، واقطع عنقه. أوامر مشددة، قام بها أيضا فيما يرتبط بتعيين عمر بن سعيد بن الأشدق، فيما بعد. إذ عزل الوليد الذي كان هادئا نسبيا، وجعل محله هذا الرجل الشرس في نفس الفترة، وقال له: حاول اغتيال الحسين بن علي، حتى لو كان في مكة، حتى لو كان بجوار الكعبة. لذلك الأمر: أنه كان هناك احتمال بأن يذهب دم الحسين ضياعا، ولا ينتج نتيجة، لو كان باقيا في المدينة