زينب بنت جحش وزيد بن حارثة

زينب بنت جحش وزيد بن حارثة
00:00 --:--

وفي موضوع زيد بن حارثة يبدو أنّ الأمر تطور إلى حدّ أن جاء زيد للنبي صلى الله عليه وآله يستقيله من ذاك الزواج، ويخبره أنّه لا يستطيع الاستمرار في تلك الحياة الزوجية؛ لأنّها تتعاظم عليّ، أي ترى نفسها أكبر مني، وهذا لا يريح الحياة الزوجية، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : اتقِ الله واصبر، وأمسك عليك زوجك: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ}([٦]).

{أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}، أبقِ زوجتك على عصمتك، وهذا هو الموقف الطبيعي في النصح والتوجيه الاجتماعي، بخلاف ما يفعله البعض من الرجال والنساء الذين لا يحسنون النصح والتوجيه، فقد يأتي رجل لشخص يقول له: (إنّ زوجتي فيها كذا وكذا من الأخطاء)، فيقول له: (طلقها عشرين طلقة)!!، وقد تأتي امرأة إلى أخرى، وتحدّثها عن زوجها، فتقول لها: (تطلقي منه)!!، وقد تذهب الزوجة إلى بيت أهلها، وتشتكي إليهم زوجها، فيُقال لها: (اطلبي منه الطلاق، واتركيه)!!

هذا التوجيه الداعي إلى هدم عشّ الزوجية توجيه خاطئ، والتوجيه الصحيح هو أن يقدّم الإنسان التوجيه التربوي الأخلاقي الصحيح الداعي إلى الحفاظ على الكيان الزوجي، بخلاف ما يريد الزوج المنفعل أو الزوجة المنفعلة أن يفعلاه من هدم للبناء الأسري، لا تشجعه على الطلاق والفراق وزيادة شرخ المشكلة.

لذلك قال النبي صلى الله عليه وآله لزيد تحمّل، {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}، حاول الاستمرار، حاول محاولات جديدة في رأب الصدع.

زواج الرسول الأكرم من زينب:

يقول القرآن الكريم: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}([٧]).

وهنا القرآن يقول: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ}، فما الذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وآله في نفسه؟!

بعض المفسّرين قالوا خطأ: إنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يحبّ زينب بنت جحش، وكان يخفي ذلك. وسوف يتضح أنّ هذا الرأي خطأ فادح.

الذي كان يخفيه النبي هو أنّ الله تعالى أخبره أنّه في آخر الأمر ستكون زينب زوجة من زوجاته.

فالنبي الآن عندما كان يوجّه زيدًا للاستمرار معها، من الطبيعي أن يخفي عنه ذلك؛ إذ لا يصحّ أن يقول له بأنّ زينب ستصبح زوجة لي، وليس من الطبيعي أن يقول له: (طلِّقها، وبعد ذلك سوف أخطبها أنا واتزوّجها)، فحتى الشخص العادي الذي لم يتقلد وسام النبوة لا يفعل ذلك، فكيف يفعله، بل كيف يفعله النبي محمد صلى الله عليه وآله ؟!

فالنبي صلى الله عليه وآله كان يأمره بالاستمرار في ربقة الحياة الزوجية، وإن كان يعلم بالعلم الإلهي أنّ زينب ستصبح زوجته في خاتمة المطاف، لكنّ وضيفته الطبيعية ضمن المقاييس الظاهرة هي الإخفاء، فكان يخفي عن زيد هذا الأمر.

لماذا كان النبي يخفي ذلك؟

هذا الإخفاء ملاحظة للموضوع الاجتماعي: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}.

قسم من الناس كان يتصوّر أنّ هذا فيه نوع من اللوم والعتاب للنبي صلى الله عليه وآله ، ولكنّ الحقيقة خلاف ذلك؛ فهذا مدح عظيم للنبي صلى الله عليه وآله ؛ لأنّ الإنسان العادي لو تزوّج زوجة من بعد أن تطلّقت من زوج آخر، فما دام فِعله ذاك في إطار الحلال فهو غير معاتَب، لكن.. مطلوب من الإنسان ـ أيضًا ـ أن يحمي شخصيته الاجتماعية.

البعض من الناس يتعامل مع الأشياء بمنطق الحلال والحرام فحسب، دون النظر إلى الأثر الاجتماعي، فما كان حلالًا يصنعه، وما كان حرامًا يجتنبه، والباقي ـ أي النظرة الاجتماعية ـ ليس عليه منه، فيدخل إلى المسجد ـ مثلًا ـ بفانيلا وشورت، ويقول: ذلك جائز شرعاً!!

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة