من فقهيات القضية الحسينية

من فقهيات القضية الحسينية
00:00 --:--

أما سائر المدارس، في ضمن الإطار العام لتوجه مدرسة الخلفاء، ليس عندهم هذا الرأي، واستدلالهم في الغالب هو: بخروج الحسين سلام الله عليه. فإذن هذه من القضايا الكبرى، التي فيها نفس خروج الحسين هو قضية فقهية، فهل يجوز الخروج على الحاكم الجائر المسلم أو لا يجوز؟ هذه من القضايا الكبرى التي تجيب عليها قضية خروج الإمام الحسين (ع).

فإن جاز الخروج، هل يجوز الخروج إلى حد القتل، والقتال، وحتى سبي النساء، كما حصل بالنسبة إلى الإمام الحسين (ع)، وهذا أيضا من جملة الإجابات. وفي مدرسة الامامية - كما قلت - باعتبار أن الحسين معصوم (ع)، فالإجابات واضحة.

عندنا قضايا أخرى فقهية تفصيلية، في أثناء هذه الحركة الحسينية، مثلا: ما ورد في قضية مسلم بن عقيل، عندما استدرج عبيد الله بن زياد إلى بيت هانئ بن عروة المرادي، وكان قد أنزل فيه شريك بن الأعور، وكان مريضا، وهو من شيعة أهل البيت (ع)، ومن شخصياتهم، فنزل عنده، وهو بصري، ولكن جاء إلى الكوفة، ونزل عنده، ومرض هناك. فزاره عبيد الله بن زياد. وهنا صار كلام: أنه هل يمكن اغتيال عبيد الله بن زياد في بيت هانئ بن عروة، وهو غافل أم لا؟ الأمر الذي لم يفعله مسلم بن عقيل، وقال: "الإِيمَانُ قَيْدُ الْفَتْكِ"، أو "قَيَّدَ الْفَتْكَ"، في حديث نقله عن النبي (ص). وهذا أيضا من المسائل: فهل يصح - مثلا - أن تستدرج عدوا ظالما فاسقا إلى مكان مأمن، ثم تفتك به؟ يجوز أو لا؟

من المسائل، قضايا تفصيلية، مثل الصلاة التي صلاها الإمام (ع) في يوم عاشوراء، هل هي صلاة المسايفة التي ينطبق عليها عنوان: صلاة الخوف. فعندما يلتحم الجيشان ويتقاتلان بحيث لا يكون هناك فترة فاصلة بينهما، وهذا يحدث أحيانا، اشتباك مستمر بين المتقاتلين، فلا هذا الطرف لديه فرصة، ولا ذاك الطرف، فهل يتركون الصلاة؟ لا يمكن. فيصلون صلاة الخوف. فهل صنع ذلك الإمام الحسين (ع)، أم أنه لا، قصر الصلاة، باعتبار أن الإمام الحسين يعلم أن لن يكون في كربلاء عشرة أيام، وبالتالي غاية الأمر: سيصلي قصرا مع اتخاذ الاحتياطات أن لا يرموا بالنبال. 

خروج الإمام الحسين من مكة، هل كان قد أحرم لعمرة التمتع، أم لا، وبالتالي كيف يمكن أن تخرَّج فقهيا قضية أن يحل إنسان من إحرامه لعمرة التمتع، لحج التمتع، حتى بعد ذلك يستطيع أن يتحلل. وأمثال هذا موجود من القضايا التفصيلية في هذه المسيرة.

عندنا قضايا فقهية أعقبت حادثة كربلاء، وهي تحتاج إلى إجابات. بدءا من قضية البكاء على الإمام (ع) وعلى أصحابه، إقامة المأتم - فالبكاء على الحسين شيء، وإقامة المأتم شيء آخر - الوقف على الحسين وعلى القضية الحسينية، يجوز أو لا يجوز؟ صرف المال في الإطعام، هل هو سائغ أم لا؟ فهذه الآن عند أتباع مذهب أهل البيت (ع) محسومة من الناحية الفقهية باتجاه الجواز بما دوَّنه علماؤنا وفقهاؤنا رضوان الله تعالى عليهم، وأقاموا أدلته.

وأشير هنا إلى الجهد الرائع الذي قام به الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، صاحب المراجعات، ونحن لما نقول: صاحب المراجعات، فباعتبار شهرة الكتاب، وإلا الرجل فقيه من فقهاء الدرجة الأولى، أي لديه كتب في الفقه الاستدلالي، لديه في الأصول، قامة علمية من القامات الشاهقة، رجل مجاهد، قاوم الاستعمار الفرنسي، وطارده الاستعمار الفرنسي في لبنان وسوريا، وحاول إلقاء القبض عليه، وأيضا أحرق مكتبته التي كانت في لبنان، وذهب منها - على الأقل - ١٧ مخطوطا من كتبه النفيسة التي أشار إليها فيما بعد. وقد ذهبت من القائمة؛ لأنه لم يكن فيها إلا نسخة واحدة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة