أبو ذر الغفاري : سلطان الكلمة الصادق
كتابة الأخت الفاضلة زينب المعراج
تصحيح الأخ الفاضل عيسى الربيح
◇ جاء في الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله عن الصحابي أبي ذر الغفاري (رض) :
《 مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ ، وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ ، وَلَا أَوْفَى مِنْ أَبِي ذَرٍّ شِبْهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام ... 》 . ورَوَى بَعْضُهُمْ : 《 أَبُو ذَرٍّ يَمْشِي فِي الْأَرْضِ بِزُهْدِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام 》 . (وردت صيغ أخرى للحديثين في المصادر ، وكلها بنفس المعنى)
حديثنا يكون بإذن الله بعنوان : أبو ذر الغفاري وسلطان الكلمة الصادق .
● شذرات من سيرة الصحابي أبي ذر الغفاري :
في البدء نستعرض تعريفاً بهذا الصحابي الجليل ، والمقرّب من رسول الله (ص) .
١- مَن هو أبو ذر ؟
أبو ذر هو كنية ، واسمه الأصلي : جُندَب أو جُندُب بن جنادة (بفتح الدال أو ضمها ، فكلا الصيغتين واردتان في اللغة العربية) ، من قبيلة (غفار) . ولكن غلبت كنيته وعُرف بها ، وفي بعض الأحيان تشتهر الكنية بدلاً من الاسم الأصلي لأسباب عدة ، مثل اشتهار كنية والد أمير المؤمنين (أبي طالب) ، والذي قلّما يعرف الناس اسمه الأصلي .
وسبب اشتهاره بهذه الكنية ، أنه توفي لأبي ذر الغفاري ولد في أيام شبابه ، فعُرف بالكنية التي ارتبطت باسم هذا الولد .
ومن المهم (ونحن نستعرض شخصية هذا الصحابي) أن نتوقف ملياً عند محطات حياته ، لكي نميط اللثام الذي فرض على حياته الحافلة بالجهاد والكلمة الصادقة والأمر بالمعروف ، ونتعرف أكثر على شخصيةٍ ، أجمع على سموها وفضلها الفريقان .
وإذا عدنا للحديث الذي افتتحنا به المحاضرة ، حيث يشير إلى أن أباذر لم تظل الخضراء (يعني السماء) ولم تقل الغبراء (يعني لم تحمل الأرض) مَن هو أصدق لهجةٍ من أبي ذر الغفاري .
ونظراً لقيمة (الصدق) ، فإن منزلةً عظيمة نالها واستحقها ، وحقّ أن تلتقط كلماته وتوجيهاته ؛ ما دام قد تم توقيع النبي (صلى الله عليه وآله) عليه بهذه الصفة العظيمة ، وليس هذا فقط ؛ بل وردت بصيغة المبالغة والتفضيل (أفعل) ، إذا استثنينا من تلك المفاضلة شخصيات المعصومين (عليهم السلام ) .
ولو حاولنا تقصي كلمات هذه الشخصية في مصادر الحديث ، فسنصاب بدهشة وغرابة حينما لا نجد له في (صحيح البخاري) إلا أربعة عشر حديثاً فقط ! .
مع إن معاصرته للنبي (صلى الله عليه وآله) - وإن تأخرت - ؛ إلا أنها أطول بكثير من صحبةِ (أبي هريرة) ومن شابهه ، بخاصة أنه قدم للمدينة وسكن فيها ، وصارت له خصوصية صحبةٍ بالنبي (صلى الله عليه وآله) حدود ست سنوات تقريباً .
في حين ينقل البعض بأن صحبة أبي هريرة لم تكن إلا سنة وثمانية أشهر؛ ومع ذلك يُنقل عنه أكثر من خمسة آلاف حديث ! .
٢- ما هي ديانة أبي ذر قبل إسلامه ؟كان أبو ذر من المتألهين ، والمتألّه يعني من (الحنفاء) الذين بقوا على الديانة الإبراهيمية في الجزيرة العربية ، حيث تنقلت هذه الديانة عبر الأوصياء . ويعتقد باحثون إن مثل عبد المطلب جد النبي (صلى الله عليه وآله) ، كان واحداً من الأوصياء الذين أداموا على الأصول الابراهيمية في قضية التوحيد والإيمان بالآخرة ورفض عبادة الأصنام ، وفي تحليل الطيبات والتحلي بالأخلاق والفضائل، وتحريم الخبائث كالزنا والخمر ... وما شابه ذلك ، وهناك قسم منهم كان يؤدي مناسك الحج الإبراهيمي . ولعله لم تكن لديهم الصورة بنفس الوضوح الذي صار لدى المسلمين بعد نزول القرآن ، ولكن أصول هذه الديانة كانت موجودة .وهناك قسم آخر لم يكونوا من الحنفاء والمتألهين بهذا المعنى
، لكن كانت لديهم حكمة وعقل بأن الحجر والخشب والتمر والصنم ، وكل ما يُعبد من دون الله لا يضر ولا ينفع . ويعد أبو ذر الغفاري من أولئك الذين رفضوا عبادة الاصنام قبل بعثة النبي (ص) ، وكان يعبد الله سبحانه وتعالى ، وإن كانت الصورة غير واضحة كما ما عليه بعد الإسلام والقرآن .وهذا يعني أن الإيمان بخالقية الكون وأنه تعالى هو المدبر والمرجو ، له أصل في تلك الفترة . وقد سمع أبو ذر أنه قد بعث نبي بمكة ، في أوائل البعثة ، فأرسل أخاً له يُدعى (أنيس) . وقال له : اذهب إلى مكة ، وانظر هذا الرجل الذي يقال أنه نبي ، واختبر ميزانه ، ثم أخبرني بمَ تجده . فلما ذهب أنيس وفعل