أبو ذر الغفاري وسلطان الكلمة الصادقة

أبو ذر الغفاري وسلطان الكلمة الصادقة
00:00 --:--

فلاحظ التشبيه بسفينة نوح ، حيث هي المنجية في لجج المياه الغارقة ، وأنه لا عاصم من جبلٍ أو غيره إلا لمن احتمى بالسفينة .
والنبي المصطفى (ص) يريد أن يشير إلى هذا المعنى في قضية العقائد وفي قضية الأديان، فالمنجي الوحيد هو ولاية آل محمد .

الحديث الثاني :
《 رأيت أبا ذر الغفاري في الموسم ، وقد تعلق بأستار الكعبة ، وهو يقول : أنا أبو ذر صاحب رسول الله ، وأني سمعته - والله - يقول : إني تارك فيكم - ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً - كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، إلا أنهما لا يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة 》 .

وهكذا لا يروى له أكثر من عدد قليل من الأحاديث ، فبعض المحدثين من أتباع المدارس الأخرى يفرضون شيئاً من الحظر والمنع على أحاديث عدد من الصحابة ، منهم كان أبو ذر .

وينقل بعضهم : مررنا على أبي ذر في المدينة ، وأردنا أن نغادر المدينة ، فقلنا له : أنت صاحب رسول الله ، بمَ تنصحنا وتوصينا ؟ فقال : أوصيكم بلزوم علي بن أبي طالب ، التزموا به وبطريقته .
وقد استمر على هذا الأمر من التوصيات حتى توفي رسول الله (ص) .
وقد كان بعد وفاة النبي من الذين أنكروا على الخليفة الأول مقامه على منبر رسول الله الذي هو مقام أمير المؤمنين علي عليه السلام .
وقد ذكرت بعض الأخبار أن أبا ذر كان يشير لعلي بعنوان (أمير المؤمنين) في زمن الخلفاء ، فسأله بعضهم : أتقصد الخليفة الثالث ؟
وهذا السؤال ينبىء عن حالة استغراب يرونها في علاقته المتشنجة مع الخليفة الثالث ؛ فكيف يوصي به (بناء على استعماله لقب أمير المؤمنين) ؟ . 
وكان يجيب بصراحة وشجاعة : أقصد علياً بن أبي طالب صلوات الله عليه .
ويعود سبب تشنج علاقاته بالخلفاء ، إلى ما كان يعترض عليهم من تمكين مسلمي أهل الكتاب - خاصة عصر الخليفة الثاني - وتمثل غالباً بكعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وعبدالله بن سلام . وإعطائهم دوراً كبيراً في نشر الإسرائيليات وسط الدولة الإسلامية ، يضاف لذلك منعهم من تدوين وقول رسول الله (ص) .
فنتج عن هذا ، إتاحة المجال لقصص القصاصين ، وتسرّب خلفياتهم الدينية المحرفة . وهذا الأمر بالغ الأهمية لمن أراد تتبع انتشار الإسرائيليات وسط المسلمين وتدوين كتبهم وفق تلك الحالة الغريبة التي ارتقوا فيها المنابر ، فصاروا رعاة الدين والموعظة وأهل القصص والحديث والتفسير . فانتقلت الأفكار المنحرفة والباطلة لعقول المسلمين ، وفيما بعد تم تدوينها في كتبهم .
فمثل هذه الأحداث ، هي التي دعت أبا ذر أن يتخذ موقفاً معارضاً من سياسة الخلفاء .

٤- موقف أبي ذر من السياسة المالية :
نقل التاريخ بأن الخليفة الثالث لما أراد أن يأخذ من ميزانية الدولة (بيت مال المسلمين) لبعض شؤنه (على سبيل الاقتراض) ، استشار كعب الأحبار قائلاً : لو سلطان الله الخليفة أراد أن يقترض من بيت مال المسلمين مبلغاً من المال ؛ فهل عليه في ذلك إثم ؟  فأجابه بالنفي .
فلما سمع أبو ذر بذلك ، أتى لكعبٍ غاضباً معترضاً ، يخاطبه : يا بن اليهودية من أين جئت بهذا ؟
ولك أن تقارن هذا الموقف ، وموقف الإمام علي (ع) حينما أعار خازنه من الخزينة عقداً لإحدى بناته ، فهدد الخازن لفعلته ، لأن المسلمين شركاء في هذا المال .

إن تلك الحالات بررت للفساد المالي ، وأعطت الأذن للتملك بأي وسيلة ، فأخذ البذخ وصرف الأموال على من هو قريب نسبياً من الخليفة كمروان بن الحكم ، حيث نقل بعض المؤرخين : أنه أعطاه الخليفة الثالث مقدار خمس أفريقيا بكامله ! .
إن مثل هذه التصرفات ، استثارت ردات الفعل لأبي ذر ؛ فأخذ يعلن صوته ، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر .
ففريضة الأمر والنهي فرض اجتماعي  ليس في شؤون فردية محدودة ، أو مظاهر شكلية بسيطة ؛ بل يشمل الفساد المالي والسرقات والكنز الفاحش .
وقد عرف بكثرة تلاوته للقول الله تعالى :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) [سورة التوبة ٣٤ - ٣٥] .
 وقد نتج عن تلك الحالات أن سيطر الأمويون في عهد الخليفة الثالث بمقدرات الأمة المالية وهذا يحثنا أن نبحث ونتساءل عن خلفيات سيطرتهم مالياً وسياسياً ودينياً .
ولذا كان من الطبيعي أن يتأذى الخليفة من معارضة أبي ذر ، وكذا المستغلون لهذه الحالة .وقد تم استدعاؤه وتعنيفه لموقفه المعارض ، وبعدها تم ترحيله إلى الشام عند معاوية .
وبعدها عاد ، ثم تم نفيه إلى الربذة ، ومنع من أن يخرج معه أحد ، لكن الإمام علي وابنيه الحسنين خرجوا معه ؛ ليعززوا موقفه ، وقال له الإمام : 《  يَاأَبَاذَرٍّ ، إِنَّكَ غَضِبْتَ للهِ ، فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ ، إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ ، وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ ، فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ ، وَاهْرُبْ مِنهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ ؛ فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ ، وأَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ ! وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابحُ غَداً ، وَالْأَكْثَرُ حُسَّداً .
وَلَوْ أَنَّ السَّماَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ، ثُمَّ اتَّقَى اللهَ ، لَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً ! لاَ يُؤْنِسَنَّكَ إِلاَّ الْحَقُّ ، وَلاَ يُوحِشَنَّكَ إِلاَّ الْبَاطِلُ ، فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لِأَحَبُّوكَ ، وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لِأَمَّنُوكَ 》 .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة