لقد تم ترحيله حتى من غير ضمان مالي واجتماعي ، فتسفيره للشام كان الغرض منه عزله عن المجتمع الإسلامي في المدينة ، وقد تأذى منه معاوية ، وخاف على عرشه منه وكتب إلى الخليفة الثالث بأنه أفسد عليه عيشه ، فكتب إليه(كما جاء في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري) : أن احمله إلي ّعلى أغلظ مركب وأوعره ، ووكل به أشد من عرفت .
فأركبوه على بعير هزيل ، ووكلوا به عدداً من الصقالبة - بحسب هذه الرواية - فكانوا يسيرون به من غير راحة ! . وهو بعمر السبعين ، يقطع مسافة طويلة (قرابة الألفين كم) من الشام إلى المدينة في خمسة أيام !! .
ويروى (المسعودي) صاحب كتاب مروج الذهب : لما وصل أبو ذر الغفاري إلى المدينة تناثر لحم فخده !! وقد يقصد أن عضلة الفخد تهتكت بسبب المركب الصعب ، والسير الطويل المتعب .
ولما وصل للمدينة ، استقبل بالسب والكلام غير الحسن . ولكن أبا ذر لم يتراجع عن موقف المعارضة والتحدث عن مقام أهل البيت وولايتهم ، فضاقوا به مرة أخرى ، إلى أن طلبه الخليفة وأجبره على ترك المدينة ، فنفي للربذة للتخلص منه وعزله تماماً ، في مكان قفرٍ لا أثر للحياة فيه .
كما منع من أن يتبعه أو يلحقه أحد ، فخرج هو وزجته وابنته ، وبعض الغنيمات .
وهذا الوضع الذي آل إليه أبو ذر ، بجهاده المرير مصداق لكلام الإمام علي :《 ... وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً فِي دِينِهِ وَلَا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ ... 》 .
٥- نهاية المطاف لسيرة أبي ذر :
يعتبر أبو ذر الغفاري صاحب وسام حقيقي في صدقه وإخلاصه للإسلام الذي انتمى إليه ، وهو إذ قام بالنصيحة أحسن قيام لجيله من الصحابة ، وواجه الانحرافات الفكرية وتسلط بالميزانية المالية ، وكان غرض تحركه كله إعادة الالتزام الديني لمن مال وانحرف من جيل الصحابة ، وعاش هذا الهم ، وفي نهاية أمره ينفى ويعزل في منطقة صحراوية للجوع والعطش .وقد تمرضت زوجته إثر ذلك ، وماتت بعدها فدفنها بيده .
ولم يكن معه بعد ذلك إلا ابنته ، حينما حانت منه الوفاة ، فأوصاها بأنه سيأتي ركب إليه لجنازته ، كما أخبره بذلك النبي(ص) في حديثه الذي رواه العامة : 《 رحمك الله يا أبا ذر ، تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك 》.فهذا هو مآل من يدفع حياته ثمناً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وحينما قضى أمره في عام ٣٢هجري ، فزعت ابنته ومشت إلى رأس الطريق ، فرأت غبرة قادمة تجاهها ، وكان القادم مالك الأشتر النخعي ، وقيل أن بصحبته عبد الله بن مسعود ، لذا اختلف المؤرخون فيمن صلى على جنازة أبي ذر (رض) .بعدها أخذوا ابنته اليتيمة إلى الإمام علي لكي يأويها .
وهكذا انقضت سيرة عظيمة لرجل لا تأخذه في الله لومة لائم .