فقسم منهم عنده رقة قلب ، طبعاً قسم آخر قساة لأن الحروب الصليبية كان من قادتها قساوسة ورهبان . فكان سلمان مصاحب لأصحاب الرقة من المسيحيين . ثم ترقى في هذه الديانة ، فأرسلوه إلى أعلى القساوسة في تركيا بمنطقة نصيبين التي كان فيها كبير القساوسة من الأوصياء .
قرَبه إليه وأعطاه معلومات كثيرة ، ولما دنت منه الوفاة قال سلمان للقس : أنت قد اقترب منك الأجل فبماذا توصيني ؟
قال القس : بحسب معلوماتي أنه سوف يظهر في هذه الأزمنة في يثرب نبي من الأنبياء وقد بشَر فيه الإنجيل فإن استطعت أن تصل إليه .
أُعْجِب سلمان بنصيحة القس الأكبر بكونه سوف يدرك نبي من الأنبياء . وبعد فترة علم أن قافلة قد جاءت من العرب وهي من بني كلاب ثم سوف ترجع إلى يثرب .
فاتفق معهم أن يوصلونه إلى يثرب على أن يعطيهم في المقابل مال أو أغنام ، فوافقوا على ذلك وأخذوه لكنهم كانوا خونة ، فلما وصلوا بالقرب من المدينة وبالتحديد عند اليهود , قالوا لهم نحن عندنا عبد نبيعه لكم , وهو شخص ذكي وعالم بالإنجيل و الكتاب المقدس , فإذا أخبركم أنه حر فلا تستمعون له , فاشتراه اليهود .
كان سلمان مزارعا ويستطيع تأبير النخيل ( التلقيح ) ونسف الخوص ، فظل يعمل بهذه الحرفة إلى أن صار واليًا على المدائن , في عهد الخليفة الثاني ولم يترك عمله .
التقاؤه بالنبي (ص) واعتناقه الإسلام :
سلمان كان من المعمرين ، لعل البعض يبالغون في عمره ولكن بشكل عام كان المعمرين , كان يعمل تحت إمرة اليهود في النخيل ، وذات يوم سمع سيده اليهودي مع أحدهم يتحدثان ويقولان : ألم ترى هؤلاء الحمقى بني قيلة - الأوس والخزرج - جاءوا لهم برجل من مكة إلى يثرب وقد زعموا أنه نبي من أنبياء الله .
فتدخل سلمان وقال : نعم لعله هذا الذي بشرت به الكتب , فقال صاحب سلمان وسيده : اسكت وانصرف إلى عملك . هنا عزم سلمان أن يذهب إلى المدينة وقت الراحة ويأخذ التمر الذي هو حصته إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) لأن من علامات النبي أنه لا يأخذ الصدقة ويأخذ الهدية .
فذهب وقت الراحة وقت الغروب إلى المدينة ورأى النبي (صلى الله عليه وآله) مع اصحابه . فقال سلمان : يا عبد الله أنا عندي مقدار من التمر صدقة فهل تأخذونه ؟ لأنكم فقراء . فرآهم كلهم أكلوا إلا الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يمد يده إليها . فقال في نفسه هذه إحدى العلامات أنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة .
وهناك علامة أخرى وهي خاتم النبوة في كتفه من الخلف ، فذهب سلمان خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشكل غير مباشر- والرسول عالم بما يريد – فأنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله ) ردائه عن كتفه كي يراها فلما رأى ذلك أقبل عليه وقبَل رأسه وقال : أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله .
هنا أراد سلمان أن يتحدث له عن الفترة الطويلة التي كان يبحث فيها عن الدين .
فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) : تخبرني أو أخبرك ؟ وفعلاً أخبره عن اسمه وعن تفاصيل ما جرى ، وغيَّر اسمه إلى سلمان , فقال سلمان : فداك نفسي يا رسول الله .
هذا يسمى باحث عن حقيقة , وليس شخص خطرت في باله فكرة وهو غير متأكد منها وغير مطلع على الأدلة وعلى أدلة الخصوم ثم يُغرد ويقول أنا أعترض على المبدأ الفلاني .
الباحث يحتاج إلى بحث جاد مستمر من الكتب وليس بالفيس بوك ، يذهب لنقاش العلماء والكتب ليرى أدلته ، فالبحث يحتاج إلى طريق .
التفاصيل التاريخية عن سلمان مختلفة ولكن كلها فيها معاناة ، ولم يذكر التاريخ لنا كم استمرت فترة البحث ولكنه بحسب التقارير كانت مدة طويلة , لعله ٣٠سنة أو أكثر , فكان فيها حرب وسفر ونقاشات وحوارات , فهو قد استوعب المجوسية و رفضها ، ثم المسيحية و رفضها ، ثم اليهودية ورفضها ، ثم دين الرسول محمد (ص) .