على أي حال؟ على فرض صحة النسبة، تكون إحدى النصوص التي أنشأها صاحب العصر والزمان في رثاء الحسين، وفي تخليد الجانب المأساوي والعاطفي في هذه القضية. هذا النص الأول.النص الثاني: الزيارة المعروفة بزيارة الشهداء. وهذه سندها معتبر، وتنسب بطريق حسن إلى صاحب العصر. وفيها، أسماء شهداء كربلاء، وأسماء قتلتهم والذين يبحثون في تاريخ كربلاء، وتاريخ القضية لا يستغنون عن مثل هذه الزيارة. وفيها سلام على الشهداء ثم ذكر قتلتهم. مثلا: عندما يأتي فيسلم على أبي الفضل العباس، يقول: السلام على أبي الفضل العباس الفادي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، لعن الله قاتله حكيم بن طفيل وزيد بن رقاد"، ففي هذا النص الموجود في الزيارة، يذكر مقتل أبي الفضل، ويذكر من قتله أو شارك في قتله. وتنتهي هذه الفترة، وينتهي
هذا الدور الأول بغيبة الإمام صاحب العصر والزمان، ويستمر شيعة أهل البيت (ع) في إقامة المأتم بمقدار ما يستطيعون وما يوفره الظرف الموجود. طبعا، لم يخل الأمر من معارضات، ومن مشاكل، ومن متاعب، أثارها المتعصبون ضد المأتم الحسين. مثلا ينقلون: أنه كما كان عند الرجال مآتم حسينية، ونادبون وخطباء، بحسب تعبيرنا المعاصر، كان هناك مآتم حسينية نسائية. فقد كان هناك نائحات متخصصات ونادبات قديرات في الرثاء. كانت أبرزهن، واحدة تسمى: ذرة، والأخرى تسمى: خُلَّب. وهذه المرأة: خلب، كانت نادبة قوية، وشديدة التأثير في صفوف النساء بالطبع، فقام بعض العلماء المتعصبين من المذاهب المتعصبة بالفتوى بقتلها. فواحد يسمى: أبو قتيبة البرباهري، أفتى بقتل هذه النائحة لمن استطاع أن يقتلها. فأنت تتعجب أن مثل هذا التوجه في العنف، والتعصب، والتكفير، واستسهال القتل،
ليس من اليوم، وإنما له تاريخ كبير في التزمت والاستبداد الديني. وإلا أن يختلف إنسان مع إنسان آخر؛ لأنه يقرأ مصرع الحسين، فيفتي مثلا بقتله، فهذا شيء في غاية الغرابة.يبدأ الدور الثاني من تاريخ المأتم الحسيني مع انتهاء الغيبة الصغرى، وبداية الغيبة الكبرى لصاحب العصر والزمان (عج). فلماذا جعلنا هذا دورا آخر؟ في الواقع، لأنه حصل فيه حدث مهم أثر تأثيرا كبيرا على مستوى ووضعية المآتم الحسينية، وهو: أنه خلال حوالي ٣٠ سنة، في تلك الفترة، قامت ثلاثة دول شيعية، بل أربع دول شيعية، أظهرت المأتم الحسيني، والرثاء الحسيني، والشعائر الدينية الشيعية. فهذا أثر تأثيرا مباشرا على تقدم المأتم الحسيني. ثلاث أو أربع دول شيعية. الدولة الأولى: هي الدولة البويهية. والدولة البويهية، هي: دولة شيعية تكونت في بغداد، مع بدايات
سنة ٣٣٥ إلى ٤٠ هجرية، تأسست هذه الدولة في بغداد بعد أن ضعفت الخلافة العباسية، وأصبح الخليفة العباسي أشبه بريشة تحركه الرياح، وكان اسما بلا معنى، ولا وجود له حقيقة. فبنو بويه، وهم من شيعة أهل البيت، سيطروا على الوضع في بغداد، وأعلنوا دولتهم: الدولة البويهية. ثم أظهروا الشعائر الدينية الشيعية. منها: قضية الآذان، قضية عاشوراء وكربلاء، بالذات أيام معز الدولة البويهي، إذ أعلن: أن اليوم العاشر يوم التعطيل. وهو السلطان، أو الخليفة، كان يخرج في سرادقات العزاء، ويشجع على العزاء والمأتم. فهذا صنع دفعة جديدة وقوة متزايدة للمأتم الحسيني. فأصبح للمأتم حماية قانونية، وأصبحت الدولة تتعاطف معه، وما عاد الشيعة يحيون مآتمهم في الخفاء وبسرية، وإنما أصبح من يقيم المأتم يشجع على ذلك. هنا ينبغي أن نشير إلى ملاحظة،
وهي تذكر كنقطة بياض، لمثل هذه الدولة، أنه في الوقت الذي كان هؤلاء شيعة، وأظهروا شعائرهم الدينية، لم يمنعوا شعائر بقية الفرق الإسلامية. ولم يحجبوها. فأي واحد عنده شعائر دينية خاصة به، عنده مسجده، عنده صلاة جماعته، عنده درسه، عنده كذا، فليصنع كما يريد. وقد أظهر هؤلاء شعار التشيع، وخاصة في القضية الحسينية. وهذا - في الواقع - نموذج ينبغي أن يحتذى في بلاد المسلمين. فإن لكل فئة ولكل جماعة الحق في أن تظهر شعائرها الدينية، وأن تتعبد الله بالنحو الذي تريد، من دون أن يقسرها أحد على الامتناع عن هذا الشعار أو عن ذاك الشعار، فأول دولة تأسست الدولة البويهية، ساهمت في دعم المنبر الحسيني. الدولة الثانية، هي الدولة الحمدانية، في حوالي سنة ٣٦٠ هجرية، فصاعدا، تأسست الدولة الحمدانية