جاءت الأديان فأعطت لهذا التواصل بين الناس أبعاداً جديدةً ومهمة ولاسيما في دين الإسلام إذ نُلاحظ أنه جاء وصنع دوائر, كل دائرة لها أهمية وأحكام خاصة.. فبدأ بـ دائرة الأرحام فهي أقرب الناس إلى الإنسان من حيث القرابة فقال أن لهذه الدائرة حقوق أخلاقية منها الصلة, الرعاية, الاهتمام, المساعدة, بل لها أيضاً حقوق مالية واجبة كقضايا النفقات مثلاً؛ يجب على الولد أن يُنفق على أبيه الفقير شرعاً كما يجب على الوالد أن يُنفق على ولده الفقير بإلزام شرعي...
وفي حالة الوفاة نجد نظرية ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله )
كيف نُقسم الميراث ؟
بعض الشرائع تُقسم الميراث على الرجال الكبار الأشداء الذين يملكون المقدرة على القتال فالنساء والأطفال لا نصيب لهم وفي بعض الدساتير الحديثة يقولون أن نصف الثروة للدولة بإعتبار أن الدولة ساهمت في تكوين هذه الثروة لدى الإنسان.. أما الإسلام قال: لا ، العلاقة الرابطة بين هذا الإنسان وأرحامه هي التي تحدد توزيع المال.
فلذلك أعطى دائرة الرحم أهمية وقال صلة الأرحام لازمة الاهتمام ، بل أكثر من ذلك فهناك الواجبات المالية كالنفقة في حال الحياة, وكالميراث بعد الممات,, فتقسم الأرحام طبقةً بعد طبقة على حسب البعد والقرب..
ثم نأتي لدائرة أخرى وهي الدائرة الجغرافية أي القرب الجغرافي لا القرب النَّسَبي والرحمي ، تلك المتمثلة في ( دائرة الجار ) ومن كان قريباً منا من الناحية الجغرافية يُطلق عليه جاراً.. سواء كان تحديد عرفياً كما عليه قسم من العلماء فعندما يُقال هذا جار يترتب عليه ما يترتب من حقوق الجار أو ما ورد في بعض الأقوال أنه إلى أربعين بيت يعتبر جار وهذا ما يرتبط بأمر الجغرافيا والدائرة الجغرافية في القرب والبعد لذلك أعطاها الدين أحكاماً في أمر التواصل ( الجار من كان قريباً منك وإن لم يكن بينكما نسباً أو قرابة فلا بد من التواصل معه واحترامه وتأدية حقوقه )
بعد ذلك عمّم الدائرة فأشار إلى دائرة الشركاء في المذهب أهل ولايتك "المتباذلون في ولايتنا المتحابون في مودتنا.." هؤلاء وإن لم يكونوا من الأرحام أو الجار إلا أن الارتباط الديني والمذهبي يحمّل كل فرد المسئولية في التواصل معه والفرح لفرحهِ والحزن لحُزنه والتعاطف معه في مشاكله والإهتمام بقضاياه إلى غير ذلك...
وبعد ذلك وسع الدائرة إلى دائرة الاشتراك في الدين - دين الإسلام- فالمسلم أخو المسلم فلا يظلمه ولا يغتابه ولا ينم عليه و.. و.. وإلى غير ذلك...
فقد رتب عنوان الإسلام وجعله الدائرة الأكبر من الأرحام و الجار والمذهب.. وجعل فيها حقوق منها مسألة التواصل والتزاور والإحساس والقيام بما يجب على هذا الإنسان..
وبعد ذلك تأتي الدائرة الأكبر والأعظم وهي دائرة البشرية. والحديث فيها طويل ...
هذه الدوائر نحن نتحمل المسئولية تجاهها بمعنى الحقوق, أي أن للمؤمن على المؤمن, وللجار على الجار, وللرحم على الرحم, وللمسلم على المسلم, حقوق في أمر الصلة و الاحترام وأن نستشعر أحزان بعضنا وأن نعيش كل القضايا ونهتم لكل الأمور ولهذا وُجِد في مجتمعاتنا الإسلامية ولله الحمد وبالأخص مجتمعنا الذي نعيش فيه أناس لهم إهتمام كبير بهذا الجانب فمثلاً إذا أصبحت لدى إنسان منهم مناسبة سواء كانت فرح أو حزن كوفاة أحد من أقربائه مثلاً نرى الجار والأرحام ومن يشتركون معه في المذهب يقفون بجانبه ويقومون بتعزيته ويشاركونه إحساسه ويرفعون معنوياته بوجودهم معه وهذه الظاهرة ملحوظة ، وكذلك إذا هم أحدهم بتزويج ابنه نلاحظ هذه الجهة بشكل واضح في مشاركة الجميع وهي جهة ممدوحة ويُثنى عليها ...
هذه الجهة الإيجابية وهذه الصفة الطيبة من الممكن أن تستتبع بعض الإشكالات و أن يكون خلفها بعض المشاكل فلذلك لابد من التنبيه عليها حتى تكون هذه الصفة مع بقائها في المجتمع وقيامه عليها من دون آثار جانبية سلبية.