سيرة الشهيد السيد محمد باقر الصدر.
لِنَبْدَأْ فِي بَعْضِ صَفَحَاتِ هَذِهِ السِّيرَةِ الطَّيِّبَةِ لِهَذَا العَالَمِ الجَلِيلَ, حَيْثُ بَدَأَ حَيَاتَهُ يَتِيمِ الأَبِ إِذْ تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَهُوَ لَا يَزَالُ صَغِيرًا, وَالِدُهُ كَانَ السَّيِّدَ حَيْدَرُ الصَّدْرُ وَتُوُفِّيَ وَلَا يَزَالُ السَّيِّدُ مُحَمَّدًا بَاقِرُ صَغِيرُ السِّنِّ, لَكِنَّ تَوَفَّرَ لَهُ أمٌ فَاضِلَةُ كَانَتْ تَقُومُ مَقَامَ الأَبِ وَالأُمِّ مَعًا مِنْ العَائِلَةِ العِلْمِيَّةُ المَعْرُوفَةُ آلٌ يـــس, وَ أُخْتُ آيَة اللهَ العُظْمَى الشَّيْخِ مُرْتَضَى آلُ يــس رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ عَائِلَةٌ عِلْمِيَّةٌ فِي الكَاظِمِيَّةِ وَفِي النَّجَفِ الأَشْرَفُ وَفِيهَا عُلَمَاءُ أَفْذَاذٌ, وَهَذَا يُشِيرُ لِنَّا دَوْرٍ الأُمُّ الَّذِي تَقُومُ بِهِ إِذْ لَمْ تَكُنْ لَيْسَتْ عَلَى الهَامِشِ، وَلِيست مَوْقِعُ الاِنْفِعَالِ وَلَا أَنَّهَا سَلْبِيَّةٌ وَإِنَّمَا مِنْ المُمْكِنِ أَنْ تَسْتَنْقِذَ طِفْلَهَا مِنْ مَرَارَةِ اليَتَمِ وَمِنْ آثَارِهِ إِلَى حَيْثُ تَصْنَعُ مِنْهُ شَخْصِيَّةٌ كَامِلَةً مُتَقَدِّمَةً, وَكَانَتْ هَذِهِ الأُمُّ حُجَّةً عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النِّسَاءِ مِمَّنْ تَتَوَفَّرُ لَدَيْهِنَّ الظُّرُوفُ الكَثِيرَةُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسْتَطِعْنَ تَقْدِيمٌ الأَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبْنَائِهِنَّ, فَرَّعَتْهُ هَذِهِ الأُمُّ وَاِحْتَضَنْتُهُ وَ تَجَاوَزَتْ بِهِ أَمَرُّ اليَتَمِ. تَوَفَّرَ لَهُ أَيْضًا أَخٌ أَكْبَرُ هُوَ السَّيِّدُ إِسْمَاعِيلُ الصَّدْرُ رَحْمَةٌ اللّه تَعَالَى عَلَيْهِ فَاِعْتَنَى بِهِ عِنَايَةً عِلْمِيَّةً, وَ وَجْهُهُ إِلَى طَلَبِ العِلْمِ وَ بَدَأَ بِتَدْرِيسِهِ الدُّرُوسِ الأَوَّلِيَّةَ وَالمُقَدَّمَاتِ فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٌ خُصُوصًا وَأَنَّهُ لَاحَظَ عَلَيْهِ ذَكَاءً وَنُبُوغًا غَيْرَ عَادِي بِحَيْثُ يُنْقَلُ عَنْهُ أَنَّهُ فِي الحَادِيَةِ عَشْرٌ مِنْ العُمْرِ وَكَانَ يُدَرِّسُ المَنْطِقُ عَلَى يَدِهِ فَبَدَأَ يَكْتُبُ مُلَاحَظَاتٍ عَلَى هَذَا الكِتَابِ وَعَلَى المُؤَلِّفِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كُتُبٌ كُتَيِّبَا حَوْلَ المَنْطِقُ. فِي الوَاقِعِ, أَنَّهُ فِي عَمْر إِحْدَى عَشْرُ سَنَةِ أَيٍّ أَنْ يَكُونَ الأَوْلَادُ أَلَانَ عِنْدَنَّا فِي الصَّفِّ الخَامِسِ الاِبْتِدَائِيِّ وَ نَجْدٍ بعضهم بالكاد يعرفون جدول الضرب الصغير أو الكبير، ولكن هذا السيد كان برعاية أخيه و استطاع في ذلك الوقت المُبَكِّرُ أَنْ يُؤَلِّفَ وَيُصَنِّفُ فِي شَكْلٍ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا ثُمَّ دَخْلٌ وَأَعْطَى العَلَمَ كُلُّهُ وَهَذَا هُوَ سِرٌّ تَقَدَّمَ العُلَمَاءُ, فِي الرِّوَايَةِ عِنْدَنَّا (أعطِ العلم كلك يُعطك بعضه) فالمعاملة هكذا أي أنه إذا اعطيت العلم كل جهدك، كل وقتك، وكل اهتمامك يُعطك بعض العَلَمُ, أَمَّا إِذَا تُعْطِيهُ بَعْضٌ مِنْ جُهْدِكَ فَالخَلْفُ وَالعِوَضٌ عَلَى اللهِ آنَذَاكَ. فَأَقْبَلُ عَلَى العِلْمِ بِكُلِّهُ بِحَيْثُ قِيلَ أَنَّهُ كَانَ مَا بِين درس ومباحثة وقراءة وتعلم وكتابه كان يصل جهده العلمي إلى قريب من ثمانية عشرَ ساعة يومياً، ولم يكن يعرف شيئاً اسمه هذه المناسبات الاجتماعية إلاّ الضروري منها فقط أَمَّا الوَفايات والعَزاءات والفواتح وَالمَوَالِيدُ وَحَفْلَةُ عَقْدِ فُلَانٍ ، وَحَفْلَةُ عِرَسِ فُلَانٍ, وَحَفْلَةِ خِتَانِ فُلَانٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ, هَذِهِ كَانَ يَعْتَبِرُهَا مُتْلِفَةً لِلوَقْتِ وَمَضْيَعَةٍ لِلعُمْرِ إِلَّا ذَلِكَ الشِّي الضَّرُورِيُّ الذي لا فكاك منه ، فأعطى العلم كل ما كان لديه.
فِي سِنٍّ الخَامِسَةِ وَالعِشْرِينَ طَوَى كُلُّ الكُتُبِ الدِّرَاسِيَّةِ المَعْهُودَةِ فَأَكْمَلُهَا وَبَدَأَ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ أَيْضًا بِحُضُورِ أَبْحَاثِ الخَارِجِ لأعاظم العلماء كالسيد الخوئي رحمه الله والشيخ محمد تقي الجواهري رحمه الله، فهؤلاء من العلماء الكبار الذين استفاد منهم وانتفع منْ معَارفهُم.
فِي سِنٍّ السَّادِسَةِ وَالعِشْرِينَ بَدَأَ بِبَحْثِ الخَارِجِ تَدْرِيسًا, أَيٌّ أَنَّ عُمْرَهُ كَانَ سِتَّةُ وَعِشْرُونَ سَنَةٍ وَ يَدْرُسُ فِي بُحُوثِ الخَارِجِ للعلماء وكانت لديه أيضاً أنظار اجتهادية مبتكرة فكان قد جمع حوله مجموعة من الطلبة المتفاعلين معه وبدأ أول دورة أُصُولِيَّةٌ لَهُ وَعُمَرُهُ سِتَّةُ وَعِشْرُونَ سَنَةٍ, وَبَدَأَ دَوْرَتَهُ الفقهِيَّةَ وَعُمَرَهُ ثَمَانِيَةُ وَعِشْرُونَ سَنَةٍ, وَكَتَبَ كِتَابُ فَلْسَفَتِنَا الَّذِي سَوْفَ نتحدث عنه بعد قليل وعمره سبعة وعشرون سنة، فلك أن تتصور أن في عمر سبعة وعشرون سنة يكون الغالب أن يكون الشَّخْصُ لَتُّوهُ يَبْدَأُ بِالنَّضْجِ وَأَلْفُهُمْ لَا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالكِتَابَةِ وَالبَحْثِ الخَارِجِ وَالأَنْظَارِ الاجتهادية وَالآرَاءُ فِي الأُصُولِ إِلَى غَيْرُ ذلك.