الشيخ الزنجانيْ عَبقرية مَجهُولة
تصحيح الأخت الفاضلة سلمى آل حمود
قال النبي (صَلى الله عليه وآله): « ارحموا ثلاثة ، وحقّ أن يرحموا : عزيزاً ذلّ من بعد عزّه ، وغنيّاً افتقر من بعد غناه ,وعالماً ضاع في زمن جهّال ». في هذا الحديث الشريف المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله إذ يذكر الرسول الكريم ثلاث فئات من الناس تستحق الرحمة والاحترام وتوقير جانبها ..
فئاتْ تستحق الرَّحمة.
أحد تلك الفئات هي الشخصيات العزيزة كرَجل له مكانه اجْتماعية و كان ذا شخصيّة مُهمة ولكن على أثر ظروف ألمت به زال عنه ذلك العز وانتهت عنه تلك الحالة من الجَاه الاجتماعي فأصبَح بالقياس إلى تلك الفترة ذليلاً أو بفعل فاعل كسلطة أذلت إنسان عزيز مثلاً فهذا يستحق الرّحمة والنظر بعين الاحترام و لا تكن قاسياً عليه.
والآخر، غنياً افتقر من بعد غناه أيّ أنّه كان يملك بحبوحة منْ العيش ووفرة من المَال لاسيما إن كان من حلة و تغيرت الظرُوف، فانكسرت تجارته أو خسر اسهمه فتحطم وضعه الاقتصادي، و افتقر فهذا يَحتاج لرحمة و لا يكون الانسان قاسياً عليه في الانتقاد أو المُعاملة وإنما يسعى الانسان بأن يُفرج عن كربه الموجودة لديه بشيء من الاحترام فذلك يُعوض عليه ما خسره من المَال بشيء من الاحترام والتقدير.
الطائفة الثالثة، هو العالم الذي يَضيع بين جُهال أو في زمن جهال. يحصل أحياناً أن عبقرياً من العباقرة كان عالماً كبيراً من العُلماء، ويوجد في غير زمانه أو في بيئة غير بيئته فهَذا تعظُم عليه المُصيبة في أن هذا العلم وهذه العبقرية وهذه المعرفة لا تجد لها سوقاً أو أحداً ينتفع بها، فهذا ينبغي أن يوقر جانبه.
و من مصاديق الفئة الثالثة نجد أحد عُلمائنا الأعاظم الذي جُهل قدره وشأنه ورُبما إلى الآن لم يسمع الكثير باسمه مع جلالة شأنه وعظمة دوره أو إذا سَمعوا باسمه لم يتعرفوا على شخصيّته.
سيرة الشيخ عبد الكريم الزنجاني
العالم العظيم الشيخ عبد الكريم الزنجاني المتولد في النجف والمتوفى سنة ١٣٨٨ هـ. هذا العالم فعلاً يعتبر من مصاديق الفئة الثالثة، فهو العالم العميق في علمه والمُهم في دَوره ولكنْ الزمان الذي عاش فيه لم يفهمه ولم يتفهمه فاصبح مهجوراً بل أصبح متجنباً كما سيأتي الحديث عنه.
هذا العَالم دَرس ضمن الأطر المَعروفة وكان يتميز بحدة الذكاء وبالنبوغ المُبكر، لذلك قيل إنه بلغ الاجتهاد في الفقه والأصول قبل أن يصل إلى سن ٣٠ من العمرْ.
وقد درس على يد أعاظم الطائفة من أمثال السيد كاظم اليزدي صَاحب كتاب العُروة الوثقى ومن أمثال شيخ الشريعة الأصفهاني المُدرس القدير السيد محمد الفيروز أبادي. له أيضاً شرُوح استدلالية في الفقه بعضها على العروة الوثقى.
نجد أيضاً بالنسبة للفلسفة والدرس الفلسفيْ حيثُ قيل أن أعاظم المراجع الذين قلدوا في المنطقة أنّه درس الفلسفة على يده لبرهة من الزمان، إذ كان الغالب عليه أنّه عُرف بهذا الجانب. ذكر بعض المترجمين لشخصيته أنه عندما ظهرَت نظرية أينشتاين و هي النظرية النسبيّة فكان الذين يفهمون النظرية بكافة جوانبها عددٌ قليل وكان الزنجاني من بينهم فهمها فهماً جيداً فكان له مُلاحظات ومناقشات عليها بالذات في ما يسمى بالبعد الرابع وقد قيل أنه أرسل هذه المناقشات والملاحظات عبر أحد الباكستانيين المُقيمين في الخارج إلى صاحب النظرية ولقيت استحسان وثناء مُؤسس هذه النظرية ومنشأها.
وكان له اهتمامٌ سياسي مُتميز في وقت كان أمر الاهتمام بالسياسة في الحَوزة العلمية يُعتبر مثلبة ومنقصة ورُبما يعد اتهاماً على عكس هذه الأزمنة إذ أصبح شبه عَادي أن يهتم العُلماء بالسياسة ويُمارسونها ويتدخلون فيها لكننا نتحدث عن سنة ١٩٣٦ ميلادية يعني قبل ٨٠ سنة من الزمان والذي كان إلى قبل فترة ليست ببعيدة رُبما ٤٥ سنة أقل من ذلك أو أكثر وكانت الحَوزة العلميّة لم تكن تألف أو ترحب، وحتى عامة الناس لمْ يكونوا يرحبوا بمن يتناول الشأن السياسي بل إن أردت أن تُهون من شأن عالم من العلماء تقول : إنه مُهتم بالسياسة وكأنه ليس ذاك العالم الذي ينبغي أن يُحترم وهذا قبل ٤٠ أو ٥٠ سنة، فما بالك ب ٨٠ سنة إذ كان الشيخ الزنجاني رحمة الله تعالى عليه له مَعرفة سياسية و أدوارٌ عملية أيضاً كما فهمها وشخصها.