كربلاء فنشطت الحوزة العلمية في كربلاء ، ولكن بعد هذه الفترة، وبالذات في زمان الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وصاحب الجواهر، ومن بعدهم الشيخ الأنصاري ومن بعدهم حوالي (٢٠٠ ) سنة إلى الآن بقيت الحوزة العلمية في النَّجف الأشرف نقطة جذب أساسية للمدرسين وكبار العلماء، وهذا لا يعني عدم وجود حوزات علمية في مناطق أخرى فوجدت حوزات علمية في خُراسان، ومشهد، وطهران، وقم، وفي المنطقة الشرقية، والبحرين، وفي لبنان هذه المناطق كانت فيها حوزات علمية، ولكن بحدودها وبحجم العلماء وشهرتهم وقدرتهم تشتهر هذه المناطق أو تخف شهرتها. وفي هذه الفترة الأخيرة لعل الحوزتين الكبيرتين في العالم الشيعي تقريبًا خلال( ٤٠ ) سنة من الزمان هي الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وقم المقدسة. فهذا سير تاريخي سريع وإلا فكل فترة، ومنطقة تحتاج
لبحث أكثر توسعًا للإحاطة بجوانبها المتعددة، وتوجد دراسة جميلة في مقدمة كتاب اللُّمعة الدمشقية كتبها الشيخ الآصفي ( رحمه الله) حول المدارس التي كانت في تاريخ الشيعة، وهي دراسة قيِّمة وموثقة لمن أراد الاطلاع عليها خلال هذه السنوات ، وربما لأكثر من (٨٠) سنة إلى أيامنا. وتوجد دعوات من قبل عدد غير قليل من العلماء باتجاه تطوير الحوزة وتجديد برامجها نظرًا للمنافع التي يتوقع أن تحصل مع التطوير والتجديد، وكثير من العلماء يبدون ملاحظات باتجاه لزوم تطوير المناهج الدراسية للحوزة العلمية، وباتجاه إيجاد نظام حديث في الحوزة مما يكون مساهمًا في نتائج أفضل، وأحد هؤلاء الذين دعوا إلى تطوير وتجديد المناهج فيها كان المرحوم آية الله الشيخ محمد رضا المظفر ( رحمة الله تعالى عليه) ، والشيخ المظفر ( رحمة
الله تعالى عليه) أصوله من المدينة المنورة قبيلتهم من الحروب ،وأصوله ترجع إلى هذه القبيلة من آل علي الحربيين، وهؤلاء يعيشون في منطقة العوالي في المدينة المنورة. وهاجر جدهم مظفر آل علي منذ حوالي (٢٥٠) سنة إلى مدينة النَّجف الأشرف، وهناك بقيت هذه الأسرة ، ولكن أصولها ترجع للمدينة المنورة ، فبدأ دراسة العلم، وهو يتيم الأب لكن ذلك لم يفت في عضده فَحَصَّل العلم بشكل جيد، ودرس على يد علماء أجلاء إلى أن بلغ درجة الاجتهاد المطلق، وأجيز بذلك من قبل أستاذه الشيخ محمد حسين الأصفهاني المعروف بالكومبني وهو أستاذ معروف للسيد الحكيم، والسيد الخوئي، وأمثال هؤلاء وهو أستاذه المباشر، وممن أثر في الشيخ المظفر بشكل كبير وأجازه بالاجتهاد ، وأيضًا أستاذه السيد عبد الهادي الشيرازي كان يدرس على
يده، وقد اهتم به وأجازه مجتهدًا وعرف في الوسط العلمي بأن علميته متقدمة، وهذا مما أعطى لحديثه وكلامه عن تجديد الحوزة العلمية وتطويرها مصداقية أكبر، فمن الممكن أن خطيب من الخطباء يتحدث عن تجديد الحوزة وتطويرها أو مثقف من المثقفين يتحدث عن تطويرها ، وأول إشكال قد يرد على هذا المتحدث أنه كم حصل من هذه الحوزة من علم ومعرفة حتى تتحدث عن تغيير الحوزة ، وأما إذا كان المتحدث مَنْ قد درس هذه الدروس، وعرفها بشكل تخصصي عالي، وأصبح مجتهدًا فيها فهو مشرف على إيجابياتها وعلى ما فيها من نقائص، فهذا يعطيه مصداقية أكثر عندما يتحدث عن التطوير والتجديد ولاحظ الشيخ المظفر ( رحمه الله) أنَّ هناك إشكالين أساسيين في الحوزة العلمية لو تم رفعها فإن هذه الحوزة سيكون
نتاجها أكبر، وهو يقول هذا العلم الموجود في الحوزة العلمية شيء كبير، لكن مع الأسف الحوزة لا تمارس دورًا مهمًا في العالم الإسلامي باستثناء دور المرجعية العليا، فلا يوجد دور يتناسب مع حجم العلم الموجود في الحوزة العلمية.السؤال: ما هما هذان الإشكالان؟الإشكال الأول: يقول إن الكتب الدراسية التي تدرس في الحوزات العلمية لم تكتب على أساس أن تكون منهجًا دراسيًّا، ولذلك فيها إشكالات أنها ليست صالحة في بعض الجهات للتدريس، مثال: عندما يريد أحدهم أن يكتب منهجًا معينًا للصغار لا بد من كتابته بصيغة معينة، وبطريقة خاصة وواضحة توصل المعنى إلى هذا الطفل، و إلَّا لم تكن فائدة للصغير، وكذلك الأمر بالنسبة للطالب الجامعي لا بد من كتابة تناسب مستواه حتى يستفيد مما كتب. وطريقة كتابة المناهج بأسلوب تدريسي هذه