كثير في ذكر الإسلام , وفي ذكر نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله , كثير مما تحققت نسبته إلى أبي طالب من الشعر فيه تصريح بنبوة رسول الله وبإيمانه به : ودعوتني وعلمت أنك ناصح ولقد صدقتَ وكنت ثمَ أمينا ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا [٥] وغيرها من القصائد التي نقلت وعرفت عنه, تذهب إلى أهله , أبنائه , أحفاده, بيئته تجد هؤلاء يتكلمون عنه باعتباره كان مؤمنًا , تذهب إلى أفعاله وآثاره ومواقفه وتاريخ حياته , تراها كلها مناصرة للرسالة بنحوٍ يصعب على الإنسان إذا لم يكن معتقدًا حقيقة بالرسالة أن يقف نفس هذه المواقف . حصار بني هاشم في شِعْب أبي طالب : من ذلك ما ينقل من قصة الحصار الاقتصادي والمقاطعة
الاجتماعية , في شِعْب[٦] أبي طالب : عندما قرر زعماء قريش أن يقاطعوا أبا طالب وبني هاشم ومحمدًا وأصحابه , مقاطعة اقتصادية واجتماعية للضغط على رسول الله وثنيه عن الدعوة للإسلام , وكتبوا عهدًا بذلك وعلقوه في جوف الكعبة[٧]. قالوا أي شخص يبيع أو يشتري أو يتعامل مع بني هاشم وأحلافهم لا نتعامل معه أبدًا , لا بيع لا شراء ولا يتزوجون منهم ولا يزوجوهم - تصور الآن إذا اصدرت الدولة مرسومًا عامًا : أن البلدة الفلانية لا يجوز لها أن تشتري من أحد ولا أحد يبيعها على الإطلاق , هذه بعد مدة من الزمان تستنفذ مخزونها ثم تجوع وتستسلم . في ذلك الزمن أيضًا كانت قريش على كفرها بمثابة دولة , أي شخص من الخارج يأتي ليبيع يقولون له
إذا أردت أن تبيع لهؤلاء لن يشتري منك أحدٌ مرة أخرى , بكم تريد بيعهم؟ بعشرة دنانير؟ نحن نشتري من عندك بخمسين على ألا تبيعهم وهكذا ..- ففرض عليهم الحصار , واستنفذت أموالهم , وأرزاقهم , وبقوا في الشعب فترة صعبة جدًا , حتى بان عليهم الهزال والضعف من الجوع , بعض الروايات تقول أن بعضهم اضطر لمضغ ورق الأشجار . فلم يزالوا في الشِعب على ذلك إلى تمام ثلاث سنين , فبعث الله على صحيفتهم ( الارضة)[٨] فأكلت ولحست ما في الصحيفة من ميثاق وعهد , ولم تترك الأرضة في الصحيفة إلا اسم الله عزوجل ( باسمك اللهم ), فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه واله لعمه أبي طالب , فقال أبو طالب : والثواقب ما كذبتني ,
إن ربك الحق وأنا أشهد أنك صادق . ثم جمع أبو طالب رهطه , وانطلق بهم حتى دخل المسجد , والمشركون من قريش في ظل الكعبة , فلما أبصروه تباشروا وظنوا أن الحصر والبلاء قد أثر فيهم, وسوف يسلمون رسول الله إليهم ليقتلوه , فطلب أبو طالب منهم إحضار الصحيفة , ثم قال : صحيفتكم بيني وبينكم , فإن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني أن الله عزوجل قد بعث على صحيفتكم الأرضة , فلم تدع لله تعالى اسمًا إلا أكلته , وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان- وفي رواية أخرى العكس , فلم تدع فيها إلا (باسمك اللهم)- فإن كان كاذبًا فلكم عليَّ أن أدفعه إليكم تقتلونه , وإن كان صادقًا فهل ذلك ناهيكم عن تظاهركم علينا ؟ -هذه مغامرة
يصعب على غير المعتقد -المتيقن-أن يغامر فيها ,قد يقول أحدهم لعله مثلاً رأى رؤيا في المنام , لعله متوهم , لعله من أثر الضعف والجوع , لكن هذا يدل على إيمان قوي - فقالوا: يا أبا طالب لعمر الله أتيت بالنصفه - لم يكونوا يشكون لحظة واحدة بأن هذا الخبر كاذب , الآن سوف يدفعه لهم ويقتلونه وتنتهي المشكلة - ففتحوا هذه الوثيقة وإذا بها تنزل هباء وتراب ما عدا هذه الكلمة ( باسمك اللهم ) , فأصابهم الذهول من الأمر, بطبيعة الحال كان يوجد جماعة من قريش مخالفين لقضية الحصار, لكن كانوا تحت سيطرة كبار زعماء قريش المصرين على المقاطعة , وهؤلاء سكتوا فلما حصلت هذه الحادثة ؛ تقوى جانبهم فقالوا: يا معشر قريش يكفيكم قطع الأرحام , وقد