يوميات الإمام الحسين في كربلاء

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

وقال نافع بن هلال: أنت تعلم أن جدك رسول اللّه لم يقدر أن يُشرب الناس محبته ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر ويضمرون له الغدر يلقونه بأحلى من العسل ويخلفونه بأمَرَّ من الحنظل حتى قبضه اللّه إليه وإن أباك عليًّا كان في مثل ذلك فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة اللّه ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده وخلع بيعته فلن يضر إلا نفسه واللّه مغن عنه، فسر بنا راشدًا معافى مشرّقًا إن شئت أو مغرّبًا فو اللّه ما أشفقنا من قدر اللّه ولا كرهنا لقاء ربنا وإنا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك.265

ملاحظات في موضوع التوقف في كربلاء

1. لم أعثر على مصدر قديم يثبت -ولا يعني ذلك عدم وجوده- توقف الفرس الذي كان يركبه الإمام الحسين﵇، حينما وصل إلى كربلاء، فالمنقول غالباً هو في المصادر المتأخرة، مثل المنتخب للطريحي، وينابيع المودة للقندوزي، وربما لهذا السبب قال المحقق المقرم (ويقال) ثم نقل الخبر كما تجد نصه في الهامش وذكر أيضا في بعض المصادر عن المقتل المنسوب لأبي مخنف الأزدي، والمحققون على نفي نسبته إليه.

2. فيما لو ثبت بنقل صحيح -بأي نحو تم تعريف الصحة في الموضوع التاريخي- فلا نجد مانعاً من قبوله بعدما كان الأمر غيبيًّا وله نظائر فقد نقل266 أن نبينا المصطفى محمداً﵌ في طريقه إلى الحديبية، ولما وصل إلى ثنية المرار، وكان المقرر أن يحدث في ذلك المكان صلح الحديبية، بركت ناقته القصواء، وهي ناقة ناهضة نشيطة قوية، لكن بركت وما تحركت، بعثوها فلم تنبعث. فقال: بعض من كان معه: خلأت الناقة، خلأت القصواء، يعني: صارت عندها حالة معينة فلم تتحرك، فقال: «مَا خَلَأَتْ النَّاقَة، وَمَا ذَلِكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَإِنَّمَا حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيل». فالقضية غيبية، فالله سبحانه وتعالى الذي حبس الفيل عن أن يهاجم الكعبة حبس هذه الناقة عن الاستمرار.

وكذلك ينقل في قضية هجرته صلوات الله عليه، لما وصل إلى المدينة، وطمع كل حي من أحياء المسلمين، وكل قبيلة أن يكون النبي عندها، فألقى النبي خطامها على عنقها، وجعل رحله عليها، وقال: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَة» إلى أن توقفت من تلقاء نفسها.

3. ثم إن الكثير من المصادر قد نقلت تساؤل الإمام الحسين﵇ عن اسم تلك الأرض، وقد فسره المرحوم المقرم بتساؤل العارف ليلفت نظر من معه بل من يأتي من بعده إلى الخصائص التي ستقال بعد ذلك التساؤل، ومن دون ذلك السؤال وترتب الجواب عليه ربما لا يكون هناك مناسبة للحديث عن هذه الخصائص ونظّر له بما في القرآن بأنه «إذا كان فاطر الأشياء الذي لا يغادر علمه صغيراً ولا كبيراً يقول لموسى﵇: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسىْ﴾267 ويقول لعيسى﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ﴾268 لضرب من المصلحة وقال سبحانه للخليل﵇: ﴿أو لم تؤمن﴾؟269مع أنه عالم بإيمانه فالإمام المنصوب من قبله أميناً على شرعه لا تخفى عليه المصالح» وهو كلام سليم ومتين، فإنه سيترتب على هذا أن يعرف موسى العصا بأنها عصا عادية، ليقول له ربه: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾270 وهكذا عندما يقول لعيسى ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾؟ حتى ينفي عيسى ذلك بالصراحة ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾.271