يوميات الإمام الحسين في كربلاء
ربما يكون من المناسب التعرض -ولو باختصار- إلى الشخصيات التي تولت أمر قتل الإمام الحسين﵇، ومن الطبيعي هنا أن يشار إلى رأس النظام السياسي آنئذ وهو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وكان عمره حين ارتكب جريمة قتل الإمام﵇ 35 سنة، إذ من المعروف انه ولد سنة 26 هـ وعاش في طفولته ضمن أجواء وبيئة أمه المسيحية ميسون بنت بجدل الكلبية، وبالرغم من أن قبيلتها كانت تنتمي إلى الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، ويفترض أن الأرثوذكس متعصبون لعقائدهم إلا أنه يظهر من بعض القرائن أن يزيد نشأ في طفولته وشبابه بعيداً عن حالة الالتزام الأخلاقي والديني فلا هو متأثر بجو مسيحي ملتزم ولا هو في جو اسلامي ملتزم، ومن ذلك غلب عليه العبث والفسق وظهور هذا الأمر منه حتى نصحه والده أن يخفف من التظاهر بالانحراف أمام الناس وفي وضح النهار -لا أن يمتنع عنه- وأن يستعين بدل ذلك بستر الليل.
فانضم إلى حداثة السن وعدم التجربة والحكمة، عدم توفر جو أخلاقي أو ديني ملتزم، لينتج شخصية ارتكبت خلال ثلاث سنوات من عمره في الخلافة ثلاث فظائع، الواحدة منها أعظم من الأخرى (قتل الحسين، واقتحام المدينة النبوية، ومهاجمة مكة وحرق الكعبة).
والشخصية الأخرى؛ كان عبيد الله بن زياد، وعمره حين ارتكاب الجريمة 29 سنة فإنه ولد حوالي سنة 32 هـ، وهذا الآخر بالإضافة إلى صغر سنه وعدم حكمته في الحياة لا ريب كان يعيش مركب النقص عندما يرى موقع الإمام الحسين﵇ من جهة أمه وأبيه وجده، وفي المقابل يرى أن أمه مرجانة (المجوسية) المتهمة به كما ذكر مؤرخون، ويرى أباه الذي كان ابن (أبيه) واضطر أن يأخذ (إضافته) إلى أبي سفيان بعد نحو خمسة عقود من ولادته بعملية جراحية مخزية، وفي المقابل يرى منزلة الحسين عند الله وبين الناس لذلك لا نستغرب أن يرسل رسالة إلى عمر بن سعد، أنه: « فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إليّ سلمًا، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنّهم لذلك مستحقّون، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنّه عاقّ شاقّ قاطع ظلوم»255، وفي بعض المصادر أنه قال بعد ذلك «وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَلَكِنْ لِأَمْرٍ فِي نَفْسِي» مما يشير إلى النوازع النفسية المعوجة والحاقدة في داخله.
ويستطيع الباحث أن يتتبع الإشارات الواضحة في المواقف المتعددة على الخلل النفسي في هذه الشخصيات فضلاً عن المراهقة والتهور في القرارات.
وعمر بن سعد بن أبي وقاص (عمره 38 سنة) قائد الجيش الذي كان يتنازعه حب الدنيا (وهو رأس كل خطيئة) والرئاسة، ويعارض ذلك الشعور بالنسب والعلقة الرحمية من جهة والتأثم من قتل الحسين﵇ ولكن انتصر عنده الأول وطوى كل نداء للضمير، ولكم أتيحت له من فرصة ليتخلص من جريمة القتل تلك، لكنه كان يتمثل (ولكنّ لي في الري قرة عين)، ولأن عبيد الله بن زياد كان يعرف نقطة الضعف هذه عنده فكان يلسعه بسياط العزل منها، ففي أول الأمر وقد كان متجهزاً للذهاب إلى منطقة ولايته الجديدة (الري) ربط ابن زياد (وهو أصغر منه بعشر سنين) ولايته على الري ودشتبى بالفراغ من قتل الحسين وبذل عمر محاولات كثيرة للتملص من الربط ذاك، واقترح عليه أن يبعث لقتال الحسين غيره، لكن ابن زياد كان يعرف أي جرح ينكشه فيه.
ورابع القتلة هو شمر بن ذي الجوشن الضبابي وابن راعية المعزى،256ويظهر من مواقفه أنه من مصاديق من عبر عنهم القرآن الكريم بـ (القردة والخنازير وعبد الطاغوت)،257 ومنذ أن التحق بالخوارج مضاداً لأمير المؤمنين258﵇، ثم انتمى لبني أمية، محرضاً على قتل الحسن المجتبى، ومخذّلاً الناس عن مسلم بن عقيل في الكوفة بعد مجيء ابن زياد، وأخيراً قائدا لفرقة من الجيش مع تحريضه أميره ابن زياد على أن يعزل عمر بن سعد عن قيادة الجيش بكامله ليأخذها هو، واخيرًا لكي يختم الكلب الأبقع صحيفته السوداء بذبح الحسين﵇.
ولم يذكر المؤرخون تاريخ ميلاده أو عمره حين هلك مقتولًا بيد أنصار المختار الثقفي، لكننا نعتقد أنه ربما كان حين شارك الخوارج في خروجهم على الإمام﵇ بين العشرين والخامسة والعشرين، وبناء عليه يكون ميلاده بين 10 إلى 15 هـ، وعمر الشقي في كربلاء ربما يكون بحدود 40- 45 سنة.
والملفت للانتباه أن هؤلاء جميعاً وقد ارتكبوا ما ارتكبوا كانوا يريدون أن يتمتعوا في هذه الحياة الدنيا، إذ لا أمل لهم في الأخرى، ولكنهم كما أضاعوا تلك لم يحصلوا على هذه، فلم يبق أطولهم بقاء بعد واقعة كربلاء سوى 6 سنوات، وتحقق فيهم « بشّر القاتل بالقتل ولو بعد حين».
هؤلاء القتلة هم الذين سيشكلون المشهد الأساس في مقتل الإمام الحسين﵇ لذلك أحببنا أن نعرض للتعريف بهم وبنوازعهم259 ونحن نريد سرد يوميات الحركة الحسينية منذ الوصول إلى نينوى في يوم الأربعاء الحادي من شهر محرم 61هـ ونينوى تقع شرق كربلاء، ليبات فيها ليلة الخميس وليفد إلى كربلاء في اليوم التالي كما صرح بذلك المحقق الكرباسي260.
في الكوفة كان عمر بن سعد بن أبي وقاص، قد جُهِّز له جيش، بحوالي 4000 رجل؛ لكي يتوجه لحكم الري ودستبي (معرب دشتبي) وهو سهل واسع بين الري وهمدان ألحق فيما بعد بقزوين وأمره ابن زياد بالقضاء على فتنة الديالمة261فعسكر ابن سعد مع أربعة آلاف مقاتل خارج الكوفة، لكنه ما لبث أن استدعاه قبل أن يتحرك إلى ولايته تلك لقتال الحسين﵇.262
وكما انتهى الصراع عنده بحقيقة أنه أتريد أن أترك الري تصير لغيري؟263 وخادعها بقوله: فإني أتوب إلى الرحمن من سنتين، فها هو الآن متجه إلى كربلاء ليصلها في اليوم الثاني أو الثالث وهو الأرجح من محرم سنة 61هـ.264
أأترك ملك الرّيّ والرّيّ رغبة
أم ارجع مذموما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها
حجاب وملك الرّيّ قرّة عين
وبعد أن استقر بهم المقام خطب الإمام الحسين فيهم فقال: « أما بعد فقد نزل بنا من الأمر ما قد ترون وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء اللّه، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما.
فقام زهير (بن القين) وقال: سمعنا يا ابن رسول اللّه مقالتك ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها.
وقال برير (بن خضير): يا بن رسول اللّه لقد منّ اللّه بك علينا أن نقاتل بين يديك تقطّع فيك أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة.
وقال نافع بن هلال: أنت تعلم أن جدك رسول اللّه لم يقدر أن يُشرب الناس محبته ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر ويضمرون له الغدر يلقونه بأحلى من العسل ويخلفونه بأمَرَّ من الحنظل حتى قبضه اللّه إليه وإن أباك عليًّا كان في مثل ذلك فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة اللّه ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده وخلع بيعته فلن يضر إلا نفسه واللّه مغن عنه، فسر بنا راشدًا معافى مشرّقًا إن شئت أو مغرّبًا فو اللّه ما أشفقنا من قدر اللّه ولا كرهنا لقاء ربنا وإنا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك.265
ملاحظات في موضوع التوقف في كربلاء
1. لم أعثر على مصدر قديم يثبت -ولا يعني ذلك عدم وجوده- توقف الفرس الذي كان يركبه الإمام الحسين﵇، حينما وصل إلى كربلاء، فالمنقول غالباً هو في المصادر المتأخرة، مثل المنتخب للطريحي، وينابيع المودة للقندوزي، وربما لهذا السبب قال المحقق المقرم (ويقال) ثم نقل الخبر كما تجد نصه في الهامش وذكر أيضا في بعض المصادر عن المقتل المنسوب لأبي مخنف الأزدي، والمحققون على نفي نسبته إليه.
2. فيما لو ثبت بنقل صحيح -بأي نحو تم تعريف الصحة في الموضوع التاريخي- فلا نجد مانعاً من قبوله بعدما كان الأمر غيبيًّا وله نظائر فقد نقل266 أن نبينا المصطفى محمداً﵌ في طريقه إلى الحديبية، ولما وصل إلى ثنية المرار، وكان المقرر أن يحدث في ذلك المكان صلح الحديبية، بركت ناقته القصواء، وهي ناقة ناهضة نشيطة قوية، لكن بركت وما تحركت، بعثوها فلم تنبعث. فقال: بعض من كان معه: خلأت الناقة، خلأت القصواء، يعني: صارت عندها حالة معينة فلم تتحرك، فقال: «مَا خَلَأَتْ النَّاقَة، وَمَا ذَلِكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَإِنَّمَا حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيل». فالقضية غيبية، فالله سبحانه وتعالى الذي حبس الفيل عن أن يهاجم الكعبة حبس هذه الناقة عن الاستمرار.
وكذلك ينقل في قضية هجرته صلوات الله عليه، لما وصل إلى المدينة، وطمع كل حي من أحياء المسلمين، وكل قبيلة أن يكون النبي عندها، فألقى النبي خطامها على عنقها، وجعل رحله عليها، وقال: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَة» إلى أن توقفت من تلقاء نفسها.
3. ثم إن الكثير من المصادر قد نقلت تساؤل الإمام الحسين﵇ عن اسم تلك الأرض، وقد فسره المرحوم المقرم بتساؤل العارف ليلفت نظر من معه بل من يأتي من بعده إلى الخصائص التي ستقال بعد ذلك التساؤل، ومن دون ذلك السؤال وترتب الجواب عليه ربما لا يكون هناك مناسبة للحديث عن هذه الخصائص ونظّر له بما في القرآن بأنه «إذا كان فاطر الأشياء الذي لا يغادر علمه صغيراً ولا كبيراً يقول لموسى﵇: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسىْ﴾267 ويقول لعيسى﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ﴾268 لضرب من المصلحة وقال سبحانه للخليل﵇: ﴿أو لم تؤمن﴾؟269مع أنه عالم بإيمانه فالإمام المنصوب من قبله أميناً على شرعه لا تخفى عليه المصالح» وهو كلام سليم ومتين، فإنه سيترتب على هذا أن يعرف موسى العصا بأنها عصا عادية، ليقول له ربه: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾270 وهكذا عندما يقول لعيسى ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾؟ حتى ينفي عيسى ذلك بالصراحة ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾.271
والذي يدل على كلام السيد المقرم أن الإمام الحسين﵇ كان مع أبيه في مسيرهم إلى صفين ورأى أن أباه توقف تلقاء نينوى وتحدث عن شهادة آل محمد هناك..
اليوم الثالث من محرم 61هـ الجمعة
وصل عمر بن سعد بن أبي وقاص، ومعه 4000 مقاتل ليضم الحر الرياحي بجنده إليه، ويصبح المجموع 5000 آلاف شخص، وكانت رسالة من الحر الرياحي قد وصلت إلى ابن زياد في اليوم الماضي يخبره فيها بأن الحسين نزل كربلاء، فأرسل ابن زياد، الى الحسين رسالة يدعوه فيها إلى البيعة ليزيد بن معاوية والنزول على حكمه هو وحكم يزيد، بهذا النص « أما بعد يا حسين، فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إلي أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ألّا أتوسد الوثير ولا أشبع من الخبز (الخمير)، أو ألحقك باللطيف الخبير أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية والسلام.
فلما ورد الكتاب قرأه الحسين ثم رمى به ثم قال: لا أفلح قوم آثروا مرضاة أنفسهم على مرضاة الخالق. فقال له الرسول: أبا عبد الله جواب الكتاب؟ قال:ما له عندي جواب لأنه قد حقت عليه كلمة العذاب، فحين أخبر الرسول ابن زياد ذلك، غضب من ذلك أشد الغضب.»272
ولقد كانت هذه الحركة من الإمام﵇ بالاستهانة بعبيد الله بن زياد أمضى من سنان يمزق قلبه، ذلك أن ابن زياد قد تعود من العبيد الذين هم حوله أن يسارعوا إلى إرادته بدون أن يأمرهم، فإذا بالحسين﵇ لا يراه مستحقاً حتى لجواب من سطرين، لقد هشم شخصيته كلوح زجاج تناثر على الأرض، ولا ريب أن هذه الحادثة وأمثالها من الدوافع الشخصية والنفسية كانت تحرك ابن زياد في هذه المرحلة وما بعدها بشكل أكبر من سائر الدوافع، وقد استغل شمر بن ذي الجوشن هذه الجهة عنده لكي يسجر تنور الغضب في داخله، لا على الحسين فحسب بل على عمر بن سعد الذي كان يريد أن يتخذ حلاً وسطاً يجعله لا يتورط في قتل الحسين من جهة ويؤمن له الذهاب سريعاً إلى بلاد الري رغبته ومنيته كما سنرى في الأيام التالية.
وفيما كانت أعداد المقاتلين تتوارد إلى كربلاء على دفعات، كما ذكر ذلك في الأعيان273: «جاءه شمر274 في أربعة آلاف ثم اتبعه ابن زياد بيزيد بن ركاب الكلبي في ألفين والحصين بن تميم السكوني في أربعة آلاف وفلان المازني في ثلاثة آلاف ونصر ابن فلان في ألفين، فذلك عشرون ألف فارس تكملت عنده إلى ست ليال خلون من المحرم، وبعث كعب بن طلحة في ثلاثة آلاف وشبث بن ربعي الرياحي في ألف وحجار بن أبجر في ألف فذلك خمسة وعشرون ألفا وما زال يرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفا ما بين فارس وراجل، هكذا ذكره المفيد في الارشاد وهو المروي عن الصادق».
على الطرف الآخر كانت هناك محاولات حثيثة من قبل عمر بن سعد لكي ينصرف عن خوض القتال إلى الاستمتاع بولاية الري، وزعم أنه يحب أن يعافيه الله من هذه المعركة، ولذلك فقد دبج كتابًا كِذابًا على لسان الحسين﵇، وأرسله لابن زياد.
ونشطت سوق الدعايات، فبعد أن دعا الحسين﵇ عمر بن سعد للحديث معه بين الصفين وكان كارها لذلك لأنه علم أنه سيقوم بنصحه وتذكيره، لكن لم يجد بُداً من لقاء الإمام﵇، ولعله بعد ذلك نقل صورة عن اللقاء لكل جماعة بحسب ما تهواه، ولذلك فإن ابن الأثير في الكامل275، ينقل بعنوان «وتحدّث الناس أنّ الحسين قال لعمر بن سعد.. كذا وكذا» وبشكل أكثر صراحة قال: «وتحدّث الناس بذلك ولم يسمعوه» لا سيما عندما نقل هؤلاء الناس الذين لم يسمعوا!، أن الحسين﵇ خيرهم أن يقبلوا منه أحد ثلاث، أن يرجع إلى مكانه الأول أو أن يضع يده في يد يزيد فيرى في الحسين رأيه، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور.
هذا بالرغم من أنه نقل ما روي عن عقبة بن سمعان276 أنّه قال: صحبت الحسين من المدينة إلى مكّة ومن مكّة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل، وسمعت جميع مخاطباته للناس إلى يوم مقتله، فو اللَّه ما أعطاهم ما يتذاكر الناس أنّه يضع يده في يد يزيد، ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين..277
وأظن -والله العالم- أن عمر بن سعد أراد أن يصنع ما يشبه الرأي العام والضغط الشعبي من جهة المقاتلين لتغيير القرار السياسي بحتمية المعركة العسكرية، فمن جهة «سرّب» حلولاً مقترحة يمكن أن تلامس رغبة الكثير من المقاتلين الذين لا مصلحة واضحة لهم في القتال بل قد يفقدون حياتهم في المعركة، ومن جهة أخرى أرسل رسالة تصالحية لابن زياد في الكوفة هذا نصها «أمّا بعد فإنّ اللَّه أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وقد أعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الّذي أقبل منه أو أن نسيّره إلى أيّ ثغر من الثغور شئنا، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، وفي هذا لكم رضى وللأمّة صلاح».278
وبالرغم من أن ابن الأثير ذكر في كتابه أنه: لمّا قرأ ابن زياد الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره، مشفق على قومه، نعم قد قبلت. إلا أنني أستبعد جداً أن يقول قبلت وينهي الموضوع ولا أشك أن الأمر هو من إضافات الرواة أو المؤلف، ولا سيما مع وجود اتجاه عند بعض المؤرخين يحيل مسؤولية الجريمة عن الرأس الأصلي إلى الحاشية، فهم في موضوع يزيد ومسؤوليته يحيلونها إلى ابن زياد وأن يزيد لم يكن راضيًا، وفي موضوع ابن زياد يحيلونها إلى شمر بن ذي الجوشن وهكذا.
لذلك فإن صاحب الكامل، قال بعد هذا فوراً: «فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك؟ واللَّه لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكوننّ أولى بالقوّة والعزّة ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنّها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت كنت وليّ العقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك، واللَّه لقد بلغني أن الحسين وعمر يتحدّثان عامّة اللّيل بين العسكرين».
على أن شخصية ابن زياد تخالف ما هو المذكور، فلم يكن أمر التهدئة والسعي وراء الحلول السياسية الناتجة عن المفاوضات في فكره أبدا، ويدلك على هذا سعة وكيفية الاستعدادات لقتال الإمام الحسين، إذ أنه مع علمه بأنه حين وصل الحسين ﵇ كربلاء لم يكن يزيد عدد معسكره يزيد -في أكثر الاحصاءات مبالغة- على ثلاثمائة شخص، ومع ذلك دفع له ابن زياد بمائة ضعف من المقاتلين (30000)، إن مثل هذا لا يفكر أبدًا في موضوع المصالحة ويقول على الفور قبلت. كذلك فإن طباعه النفسية لم تكن تسمح له بذلك فإن منطق (فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره) هو المتحكم به والدافع له، لذلك نعتقد أن ابن زياد لم يكن بحاجة كبيرة لتحريض شمر بن ذي الجوشن إياه على الحسم العسكري أو الإذلال عند التسليم، كما سبق في حوارهما.
اليوم الرابع والخامس والسادس من محرم
في هذه الأيام كانت أعداد المقاتلين الأمويين تترادف في الوصول إلى كربلاء، ونفترض أن حبيباً بن مظاهر الأسدي رضوان الله عليه قد وصل في هذه الأيام، ولعله في اليوم الرابع أو الخامس، ولما يتمتع به من وجاهة وموقع تاريخي في الولاء لأهل البيت﵈ فقد أخذ موقعه المتميز حتى أنه في يوم العاشر أعطي راية من الرايات.
ويظهر أن اللقاءات والرسائل كانت بين الإمام الحسين﵇ وعمر بن سعد تكثرت، وفيما كان عمر يحاول أن يجترح حلاً سلمياً مستحيلاً، كان الإمام الحسين ﵇ -كعادته في الرحمة- يحاول إنقاذ عمر بن سعد من الغوص في هذا المستنقع الآثم في تنفيذ مأساة كربلاء، وتعددت أشكال الجواب له، فتارة يقول له: إن أهل الكوفة هم الذين دعوني وكتبوا لي أن أقدم، وأخرى يخاطب فيه الدوافع الشخصية فيقول له: ويحك يا بن سعد! أما تتقي الله الذي إليه معادك أن تقاتلني؟ وأنا ابن من علمت من رسول الله﵌، فاترك هؤلاء وكن معي فإني أقربك إلى الله عز وجل، فقال له عمر بن سعد: أبا عبد الله أخاف أن تهدم داري، فقال له حسين رضي الله عنه: أنا أبنيها لك. فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي، فقال الحسين: أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز. قال: فلم يجب عمر إلى شيء من ذلك، فانصرف عنه الحسين رضي الله عنه وهو يقول: ما لك ذبحك الله من على فراشك سريعًا عاجلًا ولا غفر الله لك يوم حشرك ونشرك، فو الله إني لأرجو أن لا يأكل من بر العراق إلا يسيرا»279.
يظهر أنه في اليوم السادس اكتمل عدد الجيش الأموي فقد كان أربعة الاف وأصبح ثلاثين ألف مقاتل كما مر ذكره وهذا يدل على مجهودات مكثفة على تعبئة الجيش بهذه الأعداد الهائلة، وهناك روايتان تدلان على ان العدد كان ثلاثين ألفًا؛ إحداها ما روي من «إنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ﵇ دَخَلَ يَوماً إلَى الحَسَنِ﵇، فَلَمّا نَظَرَ إلَيهِ بَكى، فَقالَ لَهُ: ما يُبكيكَ يا أبا عَبدِ اللَّهِ؟ قالَ: أبكي لِما يُصنَعُ بِكَ. فَقالَ لَهُ الحَسَنُ﵇: إنَّ الَّذي يُؤتى إلَيَّ سَمٌّ يُدَسُّ إلَيَّ فَاقتَلُ بِهِ، ولكِن لا يَومَ كَيَومِكَ يا أبا عَبدِ اللَّهِ! يَزدَلِفُ إلَيكَ ثَلاثونَ ألفَ رَجُلٍ، يَدَّعونَ أنَّهُم مِن امَّةِ جَدِّنا مُحَمَّدٍ﵌، ويَنتَحِلونَ دينَ الإِسلامِ، فَيَجتَمِعونَ عَلى قَتلِكَ، وسَفكِ دَمِكَ، وَانتِهاكِ حُرمَتِكَ، وسَبيِ ذَراريكَ ونِسائِكَ، وَانتِهابِ ثَقَلِكَ».280
ومثله ما نقل عن الإمام السجاد﵇: «ما من يوم أشد على رسول الله﵌ من يوم أحد، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب، ثم قال﵇: ولا يوم كيوم الحسين﵇ ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنهم من هذه الأمة كل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون، حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا»281.
التمنيات الكاذبة
نلتقي في أحداث كربلاء بشخصيات متعددة، ومن تلك الشخصيات أصحاب التمنيات الكاذبة، الذين يتمنون دائماً ولا يعملون لتحقيق تلك التمنيات ما تستحق من جهد وعمل وموقف، ويذكرنا موقفهم هذا بقول الشاعر:
أتمنى في الثريا مجلسي
والتمني رأس مال المفلس!
قرة بن قيس الحنظلي أحد هذه النماذج فإنه جاء برسالة من عمر بن سعد إلى الإمام الحسين﵇، فلما أداها وأراد الانصراف، وكان يعرفه حبيب بن مظاهر الأسدي، فدعاه للبقاء معهم، وقال له: ويحك يا قرة بن قيس أنّى ترجع إلى القوم الظالمين انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة وإيانا معك فقال له قرة أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي282قال فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر.. وبالطبع لم يرجع.
وحصلت له فرصة أخرى في موقف آخر يوم عاشوراء، إذ كان بجنب الحر بن يزيد الرياحي، والحر يفكر، ثم أخذه مثل الإفكل (الرعدة)، ورآه يتحرك قليلاً، وقال له: يا قرة هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: إنما تريد أن تسقيه قال فظننت والله أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال وكره أن أراه حين يصنع ذلك فيخاف أن أرفعه عليه، فقلت له: لم أسقه وأنا منطلق فساقيه، قال: فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه، قال: فو الله لو أنه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين.283
أقول: لا ريب أنه كان كاذباً، فقد تواردت عليه الفرص واحدة بعد أخرى ومع ذلك كان يعرض عنها. ثم لقد رآه قد انضم إلى معسكر الحسين وبين انضمامه ومقتله حوالي نصف نهار، ألم تكن هذه كافية له لكي ينسل وينضم إلى المعسكر الحسيني؟ لكنه التمني الكاذب.
نقل أيضاً أنه في مساء يوم السادس استأذن حبيب بن مظاهر الإمام الحسين لدعوة حي من بني أسد لما فيه خير آخرتهم لنصرة الحسين فأذن الحسين له، ولما وصل إليهم قال: إني أدعوكم إلى شرف الآخرة وفضائلها وجسيم ثوابها أنا أدعوكم إلى نصرة ابن بنت رسول اللّه نبيكم﵌ فقد أصبح مظلوماً، دعاه أهل الكوفة لينصروه فلما أتاهم خذلوه وعمدوا عليه ليقتلوه.
فاستجاب له سبعون شخصاً وكان من بينهم عبد اللّه بن بشر الأسدي، فقال: أنا أول من يجيب هذه الدعوى ثم جعل يرتجز.
قد علم القوم إذا تواكلوا
وأحجم الفرسان أو تثاقلوا
إنّي شجاع بطل مقاتل
كأنني ليث عرين باسل
وخفوا إلى نصرة الإمام الا انه كان في المجالس عين لابن سعد فأسرع إليه وأخبره بذلك، فجهز مفرزة من جيشه بقيادة جبلة بن عمر فحالوا بينهم وبين الالتحاق بالحسين.284
اليوم السابع والثامن من محرم
تتحدث الروايات هنا عن أن مقاتلي بني أمية بعدما أحاطوا بشريعة الفرات وجعلوا عليها حراساً يمنعون من يأتي إليها من الاستقاء وحيث أن الماء قد نفد من مخيم الإمام الحسين﵇ فقد أخذ العباس بن علي بن أبي طالب عددا من بني هاشم وأنصارهم وجاؤوا إلى النهر لكي يملؤوا قربهم وأوعيتهم ولما لم يسمحوا لهم بذلك هاجموا الفرقة المكلفة بالحراسة وأزالوها عن موقعها وملأوا الأوعية والقرب.
التاسع من محرم
وصول بعض الرسائل الجديدة من عبيد الله بن زياد منها رسالتان حملهما شمر بن ذي الجوشن الذي وصل كربلاء في هذا اليوم.
احدى هاتين الرسالتين هي رسالة (أمان) للعباس بن علي بن ابي طالب واخوته عبد الله وعثمان وجعفر وهم أبناء أم البنين وكان هذا الأمان من أحد أقاربهم من جهة الأم وكان يريد بهذه الطريقة إبعادهم عن الحسين ومن الواضح ان العباس رفض كتابهم.
الكتاب الثاني كان إلى عمر بن سعد جاء فيها: إنّي لم ارسلك للحسين حتى تمنيه السلامة وتقاوله وتتحدث معه -حيث كان كل ليلة يجالسه ولا يبدو عليه نية الحرب- ان نزل الحسين على طاعة يزيد فذلك المراد وإلا فاحملْ عليه وإذا قتلته فأوطئ الخيل صدره وظهره واعلم ان ذلك لا يضره ولكن لقول قلته.
عندما وصلت هذه الرسالة صلى الجميع صلاة العصر من يوم التاسع من المحرم وأخذ الحسين غفوة، هنا بدأت طبول الحرب تدق وتحرك الجيش الاموي كله في حركة بسيطة نحو الحسين إشارة الى ان القتال سيبدأ بعد قليل فنبهته العقيلة زينب مخبرة إياه أبا عبد الله أراقد انت وقد بدا الجيش يتحرك فقام الحسين وقال للعبّاس: أخي ابا الفضل اسألهم ما الذي حركهم وماذا يريدون؟ فذهب العباس لهم فقالوا له: كتاب وصلنا أما أن تسلموا لحكم يزيد او نناجزكم القتال الان قال امهلوني ريثما أخبر اخي الحسين وارجع اليكم، فذهب للحسين وأخبره بما قالوا، فقال له الحسين﵇: سلهم أن يمهلونا سواد هذه الليلة حتى نصلي لربنا ونقرا القران فانه يعلم اني احب الصلاة وقراءة القران -أي نتودع من الصلاة والقران- وذهب أبو الفضل بالفعل وسألهم ذلك، ومع أن البعض كان يزايد على البدء في القتال وعدم التأخير، إلا أن هناك من أخجلهم بالقول: ويحكم لو كانوا من كفار الترك أو الديلم وسألوكم لتركتموهم فكيف وهم من علمتم؟
الهوامش
- 255. الكرباسي؛ محمد محمد صادق: تاريخ المراقد 5.
- 256. بناء على ما سبق ذكره من المحقق الكرباسي، من أنهم قطعوا نحو 584 كيلومترا إلى الحاجر في أربعة ايام حيث وصلوها يوم 12 من ذي الحجة كما مر، فهذا يعني أن معدل السير إليها كان بحوالي 146 كيلومترا في اليوم، وهذا يتفق مع ما بنى عليه -ونوافقه في ذلك- من أن معدل سير الابل الطبيعي في كل يوم هو بحدود 160 كيلومترا. لكن الكرباسي لا يوافق على ما يراه المشهور من أن خروجه﵇ كان يوم الثامن من ذي الحجة وإنما يراه قد خرج يوم الثالث، وبالتالي فيكون قد قطع هذه المسافة في تسعة أيام أي بمعدل 64 كيلومترا في اليوم. وهنا لا بد له من تفسير هذا البطء في السير إلا أن يقال إنه ﵇ قد أطال المكث في بعض المنازل.
- 257. الآراء في يوم خروج الإمام مختلفة والأرجح فيها هو ما ذكرناه.
- 258. أبو فراس، همّام بن غالب التميمي الحنظلي، يُعدُّ في الاصطلاح الرجالي من أصحاب أمير المؤمنين والحسين والسجّاد﵉، يقال وُلِدَ الفرزدق في خلافة عمر وقيل بل في سنة 37 هـ، فتوبع بالشِعر لمّا ترعرع ففاق الأقران،.. مات سنة عشر ومائة وهو مادح الامام السجّاد﵇ بقصيدة مشهورة، في قصة أمام هشام بن عبد الملك، ويرى بعض مترجميه أن القصيدة تكشف أبياتها عن حسن عقيدته بأهل البيت﵈ وعن حبّه لهم، ومن أبياتها:
- 259. تعتبر المنزل الثامن عشر من جهة مكة المكرمة باتجاه كربلاء، وفي نصف الطريق تقريبا حيث أن المنازل 37 منزلا ومكانا.
- 260. مع الركب الحسيني، ج ٣/٢٠٩ فقال له عزرة بن قيس: إنّك لتُزكّي نفسك ما استطعت! فقال له زهير: يا عزرة، إنّ اللّه قد زكّاها وهداها، فاتّقِ اللّه يا عزرة، فإنّي لك من الناصحين، أُنشدك اللّه يا عزرة أن تكون ممّن يعين الضُلّالَ على قتل النفوس الزكيّة! قال: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنّما كُنتَ عثمانياً!قال: أفلستَ تستدلُّ بموقفي هذا أنّي منهم؟ أما واللّه ما كتبتُ إليه كتاباً قطّ، ولا أرسلتُ إليه رسولًا قطّ، ولا وعدته نصرتي قطّ، ولكنّ الطريق جمع بيني وبينه، فلمّا رأيته ذكرتُ به رسول اللّه ﵌ ومكانه منه، وعرفتُ ما يقدم عليه من عدّوه وحزبكم، فرأيت أنْ أنصره وأنْ أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظاً لما ضيعتم من حقّ اللّه وحقّ رسوله﵇...».وأما البلاذري فقد قال: «قالوا: وكان زهير بن القين البجلي بمكّة، وكان عثمانياً، فانصرف من مكّة متعجّلًا، فضمّه الطريق وحسيناً فكان يسايره ولا ينازله، ينزل الحسين في ناحية وزهير في ناحية، فأرسل الحسين إليه في إتيانه، فأمرته امرأته ديلم بنت عمرو أن يأتيه فأبى! فقالت: سبحان اللّه! أيبعث إليك ابن بنت رسول اللّه فلا تأتيه؟ فلمّا صار إليه ثمّ انصرف إلى رحله قال لامرأته: أنت طالق! فالحقي بأهلك فإنّي لا أحبّ أن يُصيبك بسببي إلّا خيراً. ثمّ قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتّبعني وإلّا فإنه آخر العهد! وصار مع الحسين».
- 261. تارة ينسب إلى الفارسي وأخرى إلى الباهلي، وقد جاء النص في كامل ابن الأثير ٤/٤٢ على أنه:«وكان معنا سلمان الفارسيّ فقال لنا: إذا أدركتم سيّد شباب أهل محمّد..” ونعتقد أن العبارة منسجمة تماما فإن سلمان الفارسي وعلاقته بآل بيت محمد تقتضي مثل هذا الكلام، مع علم سلمان الخاص الذي أطلع عليه.. ولا نعرف شأن سلمان الباهلي وما هي علاقته أو معرفته بآل محمد وأنهم ماذا سيصنعون في المستقبل.. ولذلك ليس بعيدا ما ذهب إليه صاحب الركب الحسيني من أن تغيير الاسم في الطبري هو من التحريفات المتعمدة.. ولا يمنع ذلك أن يكون سلمان بن ربيعة الباهلي قائدا للجيش الذي غزا بلنجر، إلا أن هذا النمط من الحديث في ترغيب الناس بالالتحاق بشباب آل محمد مستقبلا، لا يتأتى منه، وإنما يتأتى من مثل سلمان الفارسي».
- 262. تاريخ الطبري ٤/٢٩٩.
- 263. الطبسي؛ مع الركب الحسيني ٣/٢١٠.
- 264. الري شهري؛ موسوعة الإمام الحسين ٤/٣٢٦.
- 265. تاريخ الطبري ٤/٣٠٠.
- 266. تاريخ الطبري ٤/ ٣٠٠.
- 267. المصدر نفسه /302: وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي اليربوعي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة والحسين وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم فقال الحسين لفتيانه اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفًا فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفًا فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتى أرووهم وأقبلوا يملؤون القصاع والاتوار والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فإذا عب فيه ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلها..
- 268. الطبري 4/304 « ثم قال لأصحابه قوموا فاركبوا فركبوا وانتظروا حتى ركبت نساؤهم فقال لأصحابه انصرفوا بنا فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك! ما تريد؟ قال أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائنا من كان ولكن والله مالي إلى ذكر أمك من سبيل الا بأحسن ما يقدر عليه فقال له الحسين فما تريد قال الحر أريد والله أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد قال له الحسين إذن والله لا أتبعك فقال له الحر إذن والله لا أدعك فترادا القول ثلاث مرات ولما كثر الكلام بينهما قال له الحر إني لم أومر بقتالك وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة لتكون بيني وبينك نصفا حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه أو إلى عبيد الله بن زياد إن شئت فلعل الله إلى ذاك أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك.
- 269. نفس المصدر /306.
- 270. في حديث عن أمير المؤمنين﵇: اغتنموا الفرص فإنها تمر مر السحاب.
- 271. الكامل في التاريخ ٤/55.
- 272. مستدرك سفينة البحار٦ /44 عن مثالب العرب لابن الكلبي ان امرأة ذي الجوشن -يعني أم الشمر- خرجت من جبانة -مقبرة- السبيع إلى جبانة كندة فعطشت في الطريق ولاقت راعيًا يرعى الغنم فطلبت منه أن يسقيها الماء فأبى ان يعطيها الا بالإصابة منها فمكنته فواقعها الراعي فحملت بشمر. فأصبح هذا الفعل سُبة عليه حيث ناداه الحسين﵇ يوم عاشوراء: (يا ابن راعية المعزى). وموضوع عدم الطهارة في أمهات قتلة الحسين يشكل ظاهرة غالبة، ولا نشك أن له تأثيرا في سلوك هؤلاء، لا سيما وقد أشار الأئمة﵈ لذلك فمنه ما قاله الحسين﵇ (يأبى الله ذلك لنا ورسوله.. وحجور طابت وطهرت)، كما أشار إليه الإمام زين العابدين بقوله (أنا ابن نقيات الجيوب، أنا ابن عديمات العيوب)
- 273. عباد الطاغوت: أولئك الذين لا مانع لديهم أن يرتكبوا الفجائع ما دام «الأمير» أو «الحاكم» قد أمرهم بذلك، حتى لو كان أمرهم الرب العظيم بخلافه، لقد سأله أحدهم وقد سمعه يدعو بمغفرة الله: كَيْفَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، وقَد خَرَجْتَ إلى ابنِ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ﵌ فَأعَنْتَ عَلى قَتْلِهِ؟ قالَ: ويْحَكَ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ، إنَّ أُمَراءَنا هَؤُلاءِ أمَرُونا بِأمرٍ، فَلَمْ نُخالِفْهُمْ، ولَوْ خالَفْناهُمْ كُنّا شَرًّا مِن هَذِهِ الحمر السقاة!. أقول: لا ريب أن الحمار(إذا كانت الحمر جمع حمار) أشرف منه وأعقل. وكذلك لو كانت جمع حمراء تعبيرا عن الموالي.
- 274. مما يضحك الثكلى انتشار بعض الكلمات التي لا أصل لها من أنه كان من خلص أصحاب الإمام علي وأنه حج سبع عشرة مرة وأنه.. فأما موضوع صحبة الإمام علي فهذا من الأخطاء الشائعة عند الكثير، ولم يلتفتوا إلى أن الإمام عليا كان خليفة المسلمين جميعا، فكون شخص ما في جيشه يفرضه طبيعة الجيش الرسمي، الذي يضم شيعة الإمام الحقيقيين كما يضم الخوارج ويضم المنافقين، الذين يعارضونه! ولذلك ينبغي الالتفات لهذه القضية على أن الأمور بخواتيمها ولو فرضنا أنه كان من أصحاب الإمام (وهو فرض غير صحيح) فلا ينفعه ذلك ما لم يستمر على المنهج الصحيح باتباع أبنائه الطاهرين. وكذلك الحال في موضوع الحج أو قراءة القرآن فهذا كله لا يشفع للإنسان وهو سيرتكب أعظم جريمة في حق الدين.
- 275. لا ريب أن الأمر يحتاج إلى بحث أكثر من هذا المقدار في تحليل شخصيات هؤلاء غير السوية، وربما يمكن الاستعانة ببعض الخبراء النفسيين ليحللوا المعلومات المتوفرة عنهم. وبأي مقدار كانت تؤثر فيهم لارتكاب تلك الجريمة.
- 276. الكرباسي: الأطلس الحسيني 2/447.
- 277. الدينوري، الأخبار الطوال، ص153.
- 278. في تفصيل ذلك قال ابن الأثير في الكامل 4/53: وكان سبب مسيره إليه أنّ عبيد اللَّه بن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف إلى دستبى، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، وكتب له عهده على الريّ، فعسكر بالناس في حمّام أعين، فلمّا كان من أمر الحسين ما كان دعا ابن زياد عمر بن سعد وقال له: سر إلى الحسين فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه سرت إلى عملك. فاستعفاه. فقال: نعم، على أن تردّ عهدنا. فلمّا قال له ذلك قال: أمهلني اليوم حتى انظر. فاستشار نصحاءه فكلّهم نهاه، وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة، وهو ابن أخته، فقال: أنشدك اللَّه يا خالي أن تسير إلى الحسين فتأثم وتقطع رحمك، فو اللَّه لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض لو كان لك خير من أن تلقى اللَّه بدم الحسين! فقال: أفعل.وبات ليلته مفكّرا في أمره، فسمع وهو يقول:
- 279. ثمّ أتى ابن زياد فقال له: إنّك قد ولّيتني هذا العمل وسمع الناس به، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى في الحرب منه، وسمّى أناسا. فقال له ابن زياد: لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث، فإن سرت بجندنا وإلّا فابعث إلينا بعهدنا.
- 280. الفتوح ٥/96.
- 281. المقرّم، عبد الرزاق: مقتل الحسين﵇ /229 وكان الإمام الحسين﵇ قد وصل قبل ذلك وكان الحر يسايره، « ويقال: بينا هم يسيرون، إذ وقف جواد الحسين، ولم يتحرّك، كما أوقف اللّه ناقة النّبيّ﵌ عند الحديبيّة، فعندها سأل الحسين عن الأرض، قال له زهير: سر راشدا، ولا تسأل عن شيء، حتّى يأذن اللّه بالفرج، إنّ هذه الأرض تسمّى الطّفّ. فقال﵇: فهل لها اسم غيره؟ قال: تعرف كربلاء. فدمعت عيناه وقال: اللّهمّ أعوذ بك من الكرب والبلاء، هاهنا محطّ ركابنا، وسفك دمائنا، ومحلّ قبورنا، بهذا حدّثني جدّي رسول اللّه.
- 282. المقرم /200.
- 283. ابن هشام /السيرة النبوية ٣/٧٧٦.
- 284. سورة طه : آية 17.