ورابع القتلة هو شمر بن ذي الجوشن الضبابي وابن راعية المعزى،256ويظهر من مواقفه أنه من مصاديق من عبر عنهم القرآن الكريم بـ (القردة والخنازير وعبد الطاغوت)،257 ومنذ أن التحق بالخوارج مضاداً لأمير المؤمنين258﵇، ثم انتمى لبني أمية، محرضاً على قتل الحسن المجتبى، ومخذّلاً الناس عن مسلم بن عقيل في الكوفة بعد مجيء ابن زياد، وأخيراً قائدا لفرقة من الجيش مع تحريضه أميره ابن زياد على أن يعزل عمر بن سعد عن قيادة الجيش بكامله ليأخذها هو، واخيرًا لكي يختم الكلب الأبقع صحيفته السوداء بذبح الحسين﵇.
ولم يذكر المؤرخون تاريخ ميلاده أو عمره حين هلك مقتولًا بيد أنصار المختار الثقفي، لكننا نعتقد أنه ربما كان حين شارك الخوارج في خروجهم على الإمام﵇ بين العشرين والخامسة والعشرين، وبناء عليه يكون ميلاده بين 10 إلى 15 هـ، وعمر الشقي في كربلاء ربما يكون بحدود 40- 45 سنة.
والملفت للانتباه أن هؤلاء جميعاً وقد ارتكبوا ما ارتكبوا كانوا يريدون أن يتمتعوا في هذه الحياة الدنيا، إذ لا أمل لهم في الأخرى، ولكنهم كما أضاعوا تلك لم يحصلوا على هذه، فلم يبق أطولهم بقاء بعد واقعة كربلاء سوى 6 سنوات، وتحقق فيهم « بشّر القاتل بالقتل ولو بعد حين».
هؤلاء القتلة هم الذين سيشكلون المشهد الأساس في مقتل الإمام الحسين﵇ لذلك أحببنا أن نعرض للتعريف بهم وبنوازعهم259 ونحن نريد سرد يوميات الحركة الحسينية منذ الوصول إلى نينوى في يوم الأربعاء الحادي من شهر محرم 61هـ ونينوى تقع شرق كربلاء، ليبات فيها ليلة الخميس وليفد إلى كربلاء في اليوم التالي كما صرح بذلك المحقق الكرباسي260.
في الكوفة كان عمر بن سعد بن أبي وقاص، قد جُهِّز له جيش، بحوالي 4000 رجل؛ لكي يتوجه لحكم الري ودستبي (معرب دشتبي) وهو سهل واسع بين الري وهمدان ألحق فيما بعد بقزوين وأمره ابن زياد بالقضاء على فتنة الديالمة261فعسكر ابن سعد مع أربعة آلاف مقاتل خارج الكوفة، لكنه ما لبث أن استدعاه قبل أن يتحرك إلى ولايته تلك لقتال الحسين﵇.262
وكما انتهى الصراع عنده بحقيقة أنه أتريد أن أترك الري تصير لغيري؟263 وخادعها بقوله: فإني أتوب إلى الرحمن من سنتين، فها هو الآن متجه إلى كربلاء ليصلها في اليوم الثاني أو الثالث وهو الأرجح من محرم سنة 61هـ.264
أأترك ملك الرّيّ والرّيّ رغبة
أم ارجع مذموما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها
حجاب وملك الرّيّ قرّة عين
وبعد أن استقر بهم المقام خطب الإمام الحسين فيهم فقال: « أما بعد فقد نزل بنا من الأمر ما قد ترون وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء اللّه، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما.
فقام زهير (بن القين) وقال: سمعنا يا ابن رسول اللّه مقالتك ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها.
وقال برير (بن خضير): يا بن رسول اللّه لقد منّ اللّه بك علينا أن نقاتل بين يديك تقطّع فيك أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة.