وإذا كان الأمر طبيعياً في موقف مروان بن الحكم بن العاص، فإنه سيكون مفاجئاً في حق عمر الأطرف189 بن علي بن أبي طالب، ابن الصهباء التغلبية، أخو الإمام الحسين﵇، وأصغر منه ربما بـ 15 سنة أو أكثر قبل خروجه، فنصح الحسين في زعمه بأن يبايع يزيد؛ قائلا: حدّثني أبو محمّد الحسن عن أبيه أمير المؤمنين، أنّك مقتول، فلو بايعت لكان خيراً لك، فأجابه الإمام الحسين: «حدّثني أبي أنّ رسول الله أخبره بقتله وقتلي، وإنّ تربته (الإمام علي) تكون بالقرب من تربتي، أتظنّ أنّك علمت ما لم أعلمه؟، وإنّي لا أعطي الدنيّة من نفسي أبداً، ولتلقين فاطمة أباها شاكية ممّا لقيت ذريّتها من اُمّته، ولا يدخل الجنة من آذاها في ذريّتها». والحقيقة إن مواقف عمر الأطرف في بداياتها ونهاياتها محيرة بل سيئة.
ومن المواقف المتعاطفة لكنها لا ترقى إلى فهم أقصى ما كان يستهدفه الإمام الحسين﵇، موقف أخيه محمد بن الحنفية فإنه بعدما سمع بعزم أخيه الحسين على الخروج من المدينة جاءه قائلا: يا أخي أنت أحب الناس إليّ وأعزهم علي ولست أدخر النصيحة لاحد من الخلق أحق بها منك تنح بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فان بايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك إني أخاف أن تدخل مصرًا من هذه الأمصار وتأتي جماعة من الناس فيختلفون بينهم فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لأول الأسنة فإذا خير هذه الأمة كلها نفسًا وأبًا وأمًّا أضيعها دمًا وأذلها أهلًا، قال له الحسين: فإني ذاهب يا أخي، قال: فانزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك وإن نَبَت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس وتعرف عند ذلك الرأي فإنك أصوب ما يكون رأيًا وأحزمه عملًا حتى تستقبل الأمور استقبالًا ولا تكون الأمور عليك أبدًا أشكل منها حين تستدبرها استدبارًا، قال: يا أخي قد نصحت فأشفقت فأرجو أن يكون رأيك سديدًا موفقًا.
وذكر ابن أعثم في كتابه الفتوح أنّ الإمام الحسين﵇ قال له: «وأمّا أنتَ يا أخي فَلا عَليكَ أن تُقيمَ فِي المدينَةِ فَتكونَ لي عَيناً عَلَيهِم، ولا تُخفِ عَلَيَّ شيئاً مِن اُمورِهِم». وقد يذكر هذا في ضمن الأسباب التي جعلت محمدا بن الحنفية يبقى في المدينة.
الفئة الثالثة، فهي سائر الناس، وهؤلاء كانوا لا يرون أنفسهم معنيين بحركة الإمام الحسين﵇ إن البعض يسأل أين أصحاب رسول الله؟ أين التابعون؟ لماذا لا نجد فلاناً وفلاناً في حركة الإمام الحسين﵇؟
ويمكن أن يذكر سببان؛ الأول: أنه لم يكن فهم الإمامة الالهية وأبعادها في ذلك الزمان متبلورًا بالنحو الموجود الآن، وهذا أمر عام في بحث العقائد فإن فهم العقائد في الأزمنة الأولى ليس بالنضج الموجود في هذا الزمان. فلو أخذنا مثال صفات الله سبحانه أو عصمة النبي أو النص على الأئمة فإن حجم الجهد العلمي الذي صرف على هذه الأمور خلال هذه السنوات جعلها أكثر وضوحاً مما هي عليه في الأزمنة الأولى، كذلك الحال في مثل إمامة الحسين﵇.