مع الإمام الحسين من المدينة إلى مكة

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

والسبب الآخر: أن الإمام الحسين﵇ لم يدع الناس إلى الخروج معه من المدينة، ولا توجد إشارات واضحة إلى أن الإمام خطب في المدنيين وأخبرهم عن خروجه أو أنه دعا الناس إلى الحركة معه، ومرافقته في مسيره، نعم حصل هذا في مكة، فهناك أكثر من إشارة وتصريح وخطاب عام وخاص، دعا فيه الإمام الناس إلى أن يتابعوه في مسيرته، وإلى أنه يدعوهم إلى قبول كلامه بل وإلى أنه خارج بمن معه على يزيد وحكومته.

وقد أشرنا في موضع آخر إلى أن عدم خروج الصحابة190مع الحسين﵇ لا يضر حركته ولا يسلبها المشروعية كما يحاول بعض كتاب الاتجاه الأموي ذلك، وإنما هو نقطة ضعف بل وصمة عار في جباههم إذ وصلهم خبر حركة الحسين فتوقفوا عن مؤازرته وتخلفوا عن مسايرته.

وكما سبق أن قلنا حيث أن المدينة المنورة من الناحية الجغرافية والاستراتيجية لم تكن المكان الأفضل لإعلان الإمام﵇ ثورته ومعارضته للحكم الأموي فكان الرأي الأنسب هو الخروج منها، وبحسب الحسابات فإن أقرب مكان سيكون فيه اجتماع الناس من كل مكان هو مكة المكرمة، لا سيما وهو الآن في نهاية شهر رجب، وعما قليل يتوجه الناس من مختلف الأماكن إلى مكة المكرمة للحج بالإضافة إلى موقعها (كبلد حرام) والذي يفترض أن يوفر نسبة من الأمان الشخصي فيها، على الأقل في أذهان الناس.كما أن وجود الحجيج واجتماعهم في مكة يوفر لصاحب النهضة المجال واسعاً للدعوة إلى ما يعتقد، ويتيح له فرصة التواصل معهم ومن ورائهم إلى مجتمعاتهم لمبايعته، ولتوه منذ عدة سنوات كان الإمام﵇ قد اجتمع بالحجاج وعرفهم مناقب وفضائل أبيه أمير المؤمنين﵇ وموقع أهل البيت في الإمامة.

ولم يكن الإمام يريد فقط أن يعلن عن مقالته، حتى لو لم تؤثر أو أن يقتل ويذهب دمه الشريف هدراً، وسوف يأتي في صفحات قادمة حديث عن دوافع الإمام في نهضته، ولكن بشكل عام لأنّ الإمام حكيم فهو يخطط لأن تؤتي نهضته ثمارها ونتائجها.

إنا إذا مالتْ دواعي الهوى

وأنْصَتَ السامعُ للقائلِ

واصطرع الناس بألبابهم

نقضي بحكمٍ عادلٍ فاصلِ

لا نجعل الباطلَ حقاً ولا

نَلُظُّ دون الحق بالباطلِ

نخاف أن تُسْفه أحلامنا

فنخمل الدهر مع الخاملِ

كيف تتابعت الأحداث

بعد أن بلغ 78 سنة واحتطب على ظهره ما احتطب، مات معاوية بن أبي سفيان، في الخامس عشر من شهر رجب سنة 60 للهجرة النبوية، في عاصمة ملكه دمشق الشام، موصياً بالحكم والبيعة لابنه يزيد بن معاوية الذي كان في ذلك الوقت في حوالي الرابعة والثلاثين من عمره.

أرسل يزيد بن معاوية إلى ولاة أبيه الذين أبقاهم على مناصبهم، رسالة يأمرهم فيها بأخذ البيعة له من عامة الناس في مناطقهم، وكانت المدينة المنورة تحت إمرة191 الوليد بن عتبة بن ابي سفيان ولموقعها الديني والتاريخي ووجود الشخصيات الإسلامية المهمة فيها من الصحابة وأبنائهم كان لا بد أن يضمن يزيد قبولها بخلافته، فأرسل رسالة إلى والي والده والذي أقره على منصبه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان192 أن يأخذ البيعة له من الناس عامة، ومن عدة أشخاص193 بشكل خاص لما يمثلون من موقع وجاهة اجتماعية ودينية، ولأنهم لو بايعوا فلن يتخلف عن بيعته من يعتد به.