مع الإمام الحسين من المدينة إلى مكة
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ * قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾174.
تمثل الإمام الحسين﵇، بهذه الآية المباركة عندما كان في طريق الخروج من المدينة، مستدعيا في ذلك حدثاً كان قد جرى على نبي الله موسى، على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام.
نحن نعلم أن التمثل بقولٍ يقتضي شيئاً من المشابهة بين الموفقين، وإلا كان خلاف الحكمة. مثلاً فلو كان يقرأ أثناء خروجه، آية من آيات عذاب النار، لكان محل غرابة، إذ ما هي المشابهة والمشاكلة بين هذه الحركة وبين آية العذاب أو النار.
وما يظهر لنا هو أن هناك تشابهاً في أصل هذه الرحلة، وفي كيفيتها، وفي أطرافها، ففي الأطراف هناك طرف ظالم جائر، وطرف مؤمن، رسالي، موحد. في زمان موسى، كان فرعون يمثل السلطة الظالمة الجاحدة، وموسى يمثل القيادة الإلهية. في زمان الإمام الحسين﵇، كان الإمام يمثل القيادة الإلهية الربانية، ويزيد ابن معاوية القيادة الظالمة والرئاسة الجائرة، هذا بخصوص التشابه في أطراف القضية.
في أصل الحركة، لم تكن نزهة أو لغرض تجاري أو مادي، وإنما كانت ضمن حركة تحرير هذا الشعب، والنهوض في وجه الظالم بأمر الله عز وجل.
وهذا الأمر في زمان موسى كان حاصلاً. فلم يكن قد خرج للتنزه، وإنما خرج ضمن مسيرة تحرير بني إسرائيل، ودعوته إلى الله. وهنا كرر الحسين نفس الدور، فلم يكن خارجاً في نزهة من المدينة، وإنما قال: «إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصلاح».
تثبت، الآية المباركة أيضاً كيفية مشتركة، وهي: الخوف والترقب ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، فإنه يفترض أن تكون هاتان الحالتان موجودتين في الموضعين.
وهنا يثار سؤال: هل كان الحسين خائفا؟ وكيف يتفق هذا مع ما نعرفه من شجاعة الحسين وقوة قلبه؟ وهكذا الحال بالنسبة إلى نبي الله موسى؟
إحدى الإجابات على هذا السؤال هي: إن الخوف أحد الغرائز الموجودة في النفس البشرية الطبيعية. فأية نفس بشرية، سواء كانت لنبي أو وصي أو إنسان عادي، تحتوي على مجموعة غرائز، من فرح، وغضب، وحزن، وخوف، ورجاء، وهكذا. ووجود هذه الغرائز وما يتبعها من الصفات حالة طبيعية، وليست مذمومة، والمذموم منها: هو ترتيب الأثر الخاطئ على هذه الغرائز.
ففي غريزة الفرح، عندما يخرج الإنسان إلى حالة البطر، فيفقد السيطرة على نفسه آنئذ يتحقق فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾175. ومثل ذلك في الحزن فإنه شعور غريزي طبيعي في الإنسان، وليس مذموماً. ويصبح مذموماً عندما يتحول إلى جزع، فيخالف التوكل على الله، ويعارض الرضا بقضاء الله، عندئذ يخاطَب حامله بـ ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾،176 فيُنهى عن الحزن هنا.
والخوف كذلك، غريزة طبيعية داخل الإنسان. إذ ليس جماداً ولا إسمنتا، بل هو كائن عاقل له مشاعر، ولا يمكن أن يوصف شعور الخوف بكونه مذموما، نعم عندما يؤثر على الإنسان، فيمنعه أن يقوم بواجبه، كأن يُدعى إلى الجهاد، فيقول: أنا خائف، يُدعى إلى كلمة الحق، فيمنعه الخوف من ذلك، وهكذا تراه يترك الواجبات لتخوفه من النتائج المترتبة عليها، هنا يصبح الخوف مذموما.
وإلا فقد كان لدى أنبياء الله والأوصياء من الحزن الكثير كالنبي يعقوب، لكن كان موقفه فيه ما نقله القرآن الكريم بقوله ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾177ومثله ما نقل عن الإمام زين العابدين، من كونه أحد البكائين الذين حزنوا على أبيه الحسين ﵇ فهو لم يخرجه عن الايمان بقضاء الله وإنما كان يقربه إليه.
فأحد الأجوبة أن الحزن والخوف بذاتهما لا محذور فيهما أن يكونا في النبي والوصي وإنما المحذور هو تحول ذلك الشعور إلى مانع عن الجهاد أو عائق عن أداء الواجب، وهذا ما لم يحصل لا من النبي موسى﵇ ولا من الإمام الحسين﵇.
وهناك جواب آخر: وهو أن جهة هذا الخوف جهة رسالية، فالقرآن يقول عن النبي موسى أنه ﴿فخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا﴾،178لكن ما هي جهة خوفه؟ وعلى أي شيء كان خائفا؟ تفسره آية أخرى: هي ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسىٰ﴾.179وهناك فرق بين: فأوجس على نفسه خيفة، وبين ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾، هذا الخوف على ماذا كان؟ على أموال يخسرها، أو على أولاده وعائلته؟ أو هو على عمره وحياته؟ كلا وإنما كما ورد عن أمير المؤمنين﵇ كان خائفاً على رسالة الله، وعلى غلبة أهل الضلالة وانحراف الناس على أثر ذلك، وهذا الخوف الرسالي ممدوح للغاية، من لا يخاف بهذا المعنى على دين الناس وعقيدتهم، ومن لا يتأثر لأجل طغيان خط الانحراف هو المذموم في موقفه.
إن من يحزن ويتأذى لأجل حصول الانحراف عند الناس وتراجع الإيمان هو الذي يستحق الثناء والمدح، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الجهة في حق النبي المصطفى محمد﵌، في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾180. وقد شرح أمير المؤمنين﵇ وفصله في الخطبة رقم 4 من نهج البلاغة، فقال: «لَمْ يُوجِسْ مُوسَى خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا خَافَ مِنْ دُوَلِ الضَّلَالِ، وَمِنْ غَلَبَةِ الجُهَّالِ» أي خاف أن تصبح السيطرة للجهلة، للحمقى، للمتخلفين. خاف أن يصبح الانتصار من نصيب أهل الضلال.
والإمام الحسين﵇، كان لديه هذا التخوف على الإسلام أن يضمحل ويزول، فها هو يقول: «وَعَلَى الإسلام السَّلَامُ إِذَا بُلِيَتْ الأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلَ يَزِيدِ»181.
إن هذا ليضيء لنا الطريق أمام الحديث عن بواعث نهضة الحسين﵇.
فإن من بواعث خروج الإمام الحسين﵇؛ التخوف من انهيار صورة الإسلام والنموذج الإسلامي عند المسلمين جميعا، كيف؟
جاء نبينا المصطفى محمد﵌ وقدم صورة للناس عن الدين والإسلام ناصعة شديدة البياض، فلما وصلنا إلى ما بعد رسول الله﵌، اعترى هذه الصورة تشويش، اختلف باختلاف مراحله الزمنية شدة وضعفًا. ولما وصلنا إلى زمان معاوية، عبّر الإمام أمير المؤمنين﵇ عن تلك المرحلة، بأنه: «لُبِسَ فِيهَا الإسلام لِبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوبًا»182، وفي هذا التشبيه جهات ملفتة للنظر، فإن الفروة عندما تلبس بشكل مقلوب، تصبح قبيحة المنظر لكون وجهها باطنها وبالعكس، وأيضا فإنها تصبح غير ذات أداء وكفاءة؛ إذ أن المفروض من الفروة أن تحمي من البرد. فإذا عكستها، لا تعطيك النتيجة الكاملة.
يعني كان الإسلام مهددا بأن يصبح في ذلك الزمان، لا جاذبية فيه للناظر، ولا فاعلية فيه لمن يمارسه.
ولكي نعرف أهمية نهضة الحسين﵇ في الحفاظ على نموذج الإسلام وصورته، أشير إلى قضية وهي أنه بالرغم من نهضة الحسين وشهادته المأساوية وسبي نسائه في البلدان، ومع كل الجرائم التي قام بها يزيد بن معاوية، لا نزال نجد بعض مشايخ المسلمين، يقولون في هذه الأزمنة: أن بيعة يزيد بيعة شرعية، وأنه أحد أئمة المسلمين، هذا مع تلك الثورة العارمة والنهضة المباركة، فكيف لو لم تحصل؟ لا ريب أن هؤلاء سيعتبرونه في منزلة رسول الله وأن الأمة كلها لن تعرف نموذجا آخر غير الذي عمل على تصويره بنو أمية.
ورحم الله السيد جعفر الحلي، حيث يقول في قصيدته المعروفة:
وقد تحكم بالإسلام طاغية
يمسي ويصبح بالفحشاء منهمكا
لئن جرت لفظة التوحيد من فمه
فسيفه بسوى الإسلام ما فتكا
لم أدر أين رجال المسلمين مضوا
وكيف صار يزيد فيهم ملكا
العاصر الخمر من لؤم بعنصره
ومن خساسة طبع يعصر الودكا
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا
إلا إذا دمه في كربلا سفكا
فأول دافع حرَّك الحسين﵇ هو أن يوقف الانهيار الذي بدأ يتسارع في جسم الإسلام زمان معاوية، وكاد يصل إلى مداه ويدفن أيام يزيد، فإذا كان زمان معاوية، كان الإسلام موجوداً ولكنه ملبوس بشكل مقلوب، فإنه في زمان يزيد كان سينتهي إلى أن تقرأ عليه الفاتحة بعد الدفن كما قال الحسين: (وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة بوال مثل يزيد).
الباعث الثاني: المسؤولية الاجتماعية التي يفرضها الدين على أتباعه، نحن نعلم أن الدين الإسلامي فيه واجبات، بعضها ذات منحى فردي عبادي. كالصلاة والصوم مثلا، وهناك واجبات ذات منحى اجتماعي، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب اجتماعي. والجهاد عبادة اجتماعية وهكذا. وكما طلب من الإنسان المسلم أن يؤمن بالصلاة والصيام والحج، وهي من الواجبات ذات المنحى الفردي، وأن يطبقها، فإن المطلوب منه أيضا، أن يؤمن بالواجبات ذات المنحى الاجتماعي، وإلا أصبح مصداقاً للآية: ﴿فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.183
ومن يفهم الدين أكثر يعتقد بهذه الرؤية المتكاملة، لذلك رأى الإمام الحسين ﵇ نفسه أحق من أنكر على الباطل، وأولى المسلمين بالتغيير، عندما استشهد بما رواه عن رسول الله﵌: «سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: مَنْ رَأَى مِنْكُم سُلْطَانًا جَائِرًا مُسْتَحِلًّا لِحَرَامِ اللهِ مُحَرِّمًا لِحَلَالِ اللهِ عَامِلًا فِي عِبَادِهِ بِالإِثْمِ وَالعُدْوَان، فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيهِ بِفِعْلٍ وَلَا بِقَوْلٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ، أَلَا وَإِنِّي أَحَقُّ مَنْ غَيَّر».184
الخطوة الأولى التي اتخذها الإمام الحسين﵇، في إطار رفض ولاية يزيد واستلامه الخلافة بعد أبيه، أن يخرج من المدينة. وكان هذا هو القرار الأصوب والأسلم بحسب منطق الواقع آنئذ، والسبب هو ما أشار إليه بعض الباحثين من أن المدينة المنورة -مع قداستها الدينية- كانت من الناحية الاستراتيجية مقبرة الثورات- فما من ثورة قامت في المدينة المنورة، إلا وخمدت في مكانها؛ ثورة عبد الله بن حنظلة، غسيل الملائكة، حدثت بعد نهضة الإمام الحسين﵇، وقضي عليها قضاء مبرمًا، ولم يكن حال حركة أنصار بن الزبير فيها أحسن حالاً، وهكذا كان في زمان العباسيين ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط -النفس الزكية- فإنها لم تلبث أن أخمدت وصفيت تصفية كاملة، وبعدها حركة -شهيد فخ- الحسين بن علي بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، ويرجع الباحثون الأمر إلى أن المدينة من الناحية الجغرافية ليس لها امتدادات، كما أنها لا تملك عمقاً بشرياً بتداخلها مع مجتمعات أخرى أو بلدات متلاصقة، وعدد سكانها ليس كبيراً.
إن كل هذه الظروف لا تجعلها مؤهلة من الناحية الاستراتيجية لكي تقاوم السلطة المركزية التي بإمكانها أن تحاصرها بسهولة وأن تقتحمها بقوة عسكرية كبيرة، وهذا ما حصل مع الثورات المختلفة التي قامت فيها.
نعتقد أن هذا هو أحد الدوافع التي جعلت الإمام الحسين﵇ يغادر المدينة، فإن وجوده فيها مع عدم مبايعته يزيد والذي أكد على واليه بشكل خاص أن يأخذ البيعة منه185 ومن عدة أشخاص معينين، تحت طائلة القتل عند المخالفة والرفض.
وقد انقسمت آراء أهل المدينة أمام هذا القرار، وما تقدمه من رفض البيعة كما هو المتوقع إلى ثلاثة آراء، فقد كان من الطبيعي أن يعارض الأمويون ومن في ركابهم قرار الحسين وأن (ينصحوه) تارة بالبيعة، و(يهددوه) أخرى بأن حياته ستكون في خطر إذا أعلن المعارضة للحكم الأموي، وأن بقاءه أنفع للإسلام والمسلمين، فلا ينبغي أن يتحرك بالاتجاه المخالف، وهذا الموقف سنراه في كل مراحل النهضة الحسينية، وهو يعبر عن موقف في الحياة ينتهي إلى أن على الإنسان أن ينظر إلى مصلحته الشخصية، فيميل معها أينما كانت، وغالبا ما كانت السلطات الظالمة تقوم على هذه الفئة وأصحاب هذا الموقف، وقد يكون هؤلاء من (عبيد الدنيا) الذين هم (دينهم دنانيرهم وقبلتهم نساؤهم) فلا يرون في هذه الحياة الدنيا غير اللهو واللعب وجمع الأموال، ولا يرجون آخرة. وقد يكونون من (المتدينين) لكنهم يحصرون دينهم في الأعمال الفردية والعبادات الشخصية ولا يعرفون الدين خارج إطار المسجد، وإذا ما تعارض (دينهم) مع ما يعملون ويأملون يزيحون الدين ويتخذون لهم المعاذير، ويتبعون من يسكت نداء الضمير في نفوسهم. وقد يكون بعض هؤلاء يرفعون لواء (خوف الفتنة)186 فهم يتبعون الظالم ويشيدون بنيانه خوفا من الفتنة ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.187
وهناك فئة ثانية تصوب موقف الإمام الحسين﵇ في رفضه البيعة ليزيد، وإعلانه المقاومة للمشروع الأموي لكنهم بين مشفق عليه وخائف على حياته، وبين مناصر له ومستعد للدفاع عنه والكون معه، وهذه الفئة هي النواة التي خرج بها الحسين من المدينة إلى مكة، وظلت تناصره إلى الأخير.
وفئة ثالثة: لم تكن ترى أن الأمر يعنيها، فهي لاهية بأمور حياتها، ولا ترى الأمر مرتبطاً بها، فلا هي معارضة للحكم الأموي ولا مؤيدة وليست هي في صف الإمام الحسين ولا معارضة له، وهذه هي الفئة الأكبر عادة في المجتمعات.
ونعرض هنا إلى مواقف أشخاص متعددين يتوزعون على هذه الفئات؛ فهذا مروان بن الحكم -الطامع الدائم في ولاية المدينة والذي لعب به معاوية طيلة عشرين سنة يرقصه على هذا الحبل، فمرة ينصبه وأخرى يعزله وهكذا حتى لقد فات المؤرخين أن يحصوا عدد المرات التي عزل فيها عن ولايتها كما فاتهم عدد مرات تنصيبه- جاء إلى الحسين﵇، وقال له: إني أرشدك لبيعة يزيد، فإنها خير لك في دينك ودنياك!188.
وكان جواب الإمام الحسين﵇ وموقفه هو الذي أعرب عنه فيما سبق لمعاوية حيث قال له: «لَعَلَّكَ تَصِفُ غَائِبًا أَوْ تَنْعَتُ مُحْجُوبًا»! فدعه وما اختاره لنفسه من اللعب بالقرود، والحمام السبق لأترابهن، ودع عنك ما تحاول هنا قال لمروان: وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد. ثم قال: يا مروان أترشدني إلى بيعة يزيد، ويزيد رجل فاسق.
وإذا كان الأمر طبيعياً في موقف مروان بن الحكم بن العاص، فإنه سيكون مفاجئاً في حق عمر الأطرف189 بن علي بن أبي طالب، ابن الصهباء التغلبية، أخو الإمام الحسين﵇، وأصغر منه ربما بـ 15 سنة أو أكثر قبل خروجه، فنصح الحسين في زعمه بأن يبايع يزيد؛ قائلا: حدّثني أبو محمّد الحسن عن أبيه أمير المؤمنين، أنّك مقتول، فلو بايعت لكان خيراً لك، فأجابه الإمام الحسين: «حدّثني أبي أنّ رسول الله أخبره بقتله وقتلي، وإنّ تربته (الإمام علي) تكون بالقرب من تربتي، أتظنّ أنّك علمت ما لم أعلمه؟، وإنّي لا أعطي الدنيّة من نفسي أبداً، ولتلقين فاطمة أباها شاكية ممّا لقيت ذريّتها من اُمّته، ولا يدخل الجنة من آذاها في ذريّتها». والحقيقة إن مواقف عمر الأطرف في بداياتها ونهاياتها محيرة بل سيئة.
ومن المواقف المتعاطفة لكنها لا ترقى إلى فهم أقصى ما كان يستهدفه الإمام الحسين﵇، موقف أخيه محمد بن الحنفية فإنه بعدما سمع بعزم أخيه الحسين على الخروج من المدينة جاءه قائلا: يا أخي أنت أحب الناس إليّ وأعزهم علي ولست أدخر النصيحة لاحد من الخلق أحق بها منك تنح بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فان بايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك إني أخاف أن تدخل مصرًا من هذه الأمصار وتأتي جماعة من الناس فيختلفون بينهم فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لأول الأسنة فإذا خير هذه الأمة كلها نفسًا وأبًا وأمًّا أضيعها دمًا وأذلها أهلًا، قال له الحسين: فإني ذاهب يا أخي، قال: فانزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك وإن نَبَت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس وتعرف عند ذلك الرأي فإنك أصوب ما يكون رأيًا وأحزمه عملًا حتى تستقبل الأمور استقبالًا ولا تكون الأمور عليك أبدًا أشكل منها حين تستدبرها استدبارًا، قال: يا أخي قد نصحت فأشفقت فأرجو أن يكون رأيك سديدًا موفقًا.
وذكر ابن أعثم في كتابه الفتوح أنّ الإمام الحسين﵇ قال له: «وأمّا أنتَ يا أخي فَلا عَليكَ أن تُقيمَ فِي المدينَةِ فَتكونَ لي عَيناً عَلَيهِم، ولا تُخفِ عَلَيَّ شيئاً مِن اُمورِهِم». وقد يذكر هذا في ضمن الأسباب التي جعلت محمدا بن الحنفية يبقى في المدينة.
الفئة الثالثة، فهي سائر الناس، وهؤلاء كانوا لا يرون أنفسهم معنيين بحركة الإمام الحسين﵇ إن البعض يسأل أين أصحاب رسول الله؟ أين التابعون؟ لماذا لا نجد فلاناً وفلاناً في حركة الإمام الحسين﵇؟
ويمكن أن يذكر سببان؛ الأول: أنه لم يكن فهم الإمامة الالهية وأبعادها في ذلك الزمان متبلورًا بالنحو الموجود الآن، وهذا أمر عام في بحث العقائد فإن فهم العقائد في الأزمنة الأولى ليس بالنضج الموجود في هذا الزمان. فلو أخذنا مثال صفات الله سبحانه أو عصمة النبي أو النص على الأئمة فإن حجم الجهد العلمي الذي صرف على هذه الأمور خلال هذه السنوات جعلها أكثر وضوحاً مما هي عليه في الأزمنة الأولى، كذلك الحال في مثل إمامة الحسين﵇.
والسبب الآخر: أن الإمام الحسين﵇ لم يدع الناس إلى الخروج معه من المدينة، ولا توجد إشارات واضحة إلى أن الإمام خطب في المدنيين وأخبرهم عن خروجه أو أنه دعا الناس إلى الحركة معه، ومرافقته في مسيره، نعم حصل هذا في مكة، فهناك أكثر من إشارة وتصريح وخطاب عام وخاص، دعا فيه الإمام الناس إلى أن يتابعوه في مسيرته، وإلى أنه يدعوهم إلى قبول كلامه بل وإلى أنه خارج بمن معه على يزيد وحكومته.
وقد أشرنا في موضع آخر إلى أن عدم خروج الصحابة190مع الحسين﵇ لا يضر حركته ولا يسلبها المشروعية كما يحاول بعض كتاب الاتجاه الأموي ذلك، وإنما هو نقطة ضعف بل وصمة عار في جباههم إذ وصلهم خبر حركة الحسين فتوقفوا عن مؤازرته وتخلفوا عن مسايرته.
وكما سبق أن قلنا حيث أن المدينة المنورة من الناحية الجغرافية والاستراتيجية لم تكن المكان الأفضل لإعلان الإمام﵇ ثورته ومعارضته للحكم الأموي فكان الرأي الأنسب هو الخروج منها، وبحسب الحسابات فإن أقرب مكان سيكون فيه اجتماع الناس من كل مكان هو مكة المكرمة، لا سيما وهو الآن في نهاية شهر رجب، وعما قليل يتوجه الناس من مختلف الأماكن إلى مكة المكرمة للحج بالإضافة إلى موقعها (كبلد حرام) والذي يفترض أن يوفر نسبة من الأمان الشخصي فيها، على الأقل في أذهان الناس.كما أن وجود الحجيج واجتماعهم في مكة يوفر لصاحب النهضة المجال واسعاً للدعوة إلى ما يعتقد، ويتيح له فرصة التواصل معهم ومن ورائهم إلى مجتمعاتهم لمبايعته، ولتوه منذ عدة سنوات كان الإمام﵇ قد اجتمع بالحجاج وعرفهم مناقب وفضائل أبيه أمير المؤمنين﵇ وموقع أهل البيت في الإمامة.
ولم يكن الإمام يريد فقط أن يعلن عن مقالته، حتى لو لم تؤثر أو أن يقتل ويذهب دمه الشريف هدراً، وسوف يأتي في صفحات قادمة حديث عن دوافع الإمام في نهضته، ولكن بشكل عام لأنّ الإمام حكيم فهو يخطط لأن تؤتي نهضته ثمارها ونتائجها.
إنا إذا مالتْ دواعي الهوى
وأنْصَتَ السامعُ للقائلِ
واصطرع الناس بألبابهم
نقضي بحكمٍ عادلٍ فاصلِ
لا نجعل الباطلَ حقاً ولا
نَلُظُّ دون الحق بالباطلِ
نخاف أن تُسْفه أحلامنا
فنخمل الدهر مع الخاملِ
كيف تتابعت الأحداث
بعد أن بلغ 78 سنة واحتطب على ظهره ما احتطب، مات معاوية بن أبي سفيان، في الخامس عشر من شهر رجب سنة 60 للهجرة النبوية، في عاصمة ملكه دمشق الشام، موصياً بالحكم والبيعة لابنه يزيد بن معاوية الذي كان في ذلك الوقت في حوالي الرابعة والثلاثين من عمره.
أرسل يزيد بن معاوية إلى ولاة أبيه الذين أبقاهم على مناصبهم، رسالة يأمرهم فيها بأخذ البيعة له من عامة الناس في مناطقهم، وكانت المدينة المنورة تحت إمرة191 الوليد بن عتبة بن ابي سفيان ولموقعها الديني والتاريخي ووجود الشخصيات الإسلامية المهمة فيها من الصحابة وأبنائهم كان لا بد أن يضمن يزيد قبولها بخلافته، فأرسل رسالة إلى والي والده والذي أقره على منصبه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان192 أن يأخذ البيعة له من الناس عامة، ومن عدة أشخاص193 بشكل خاص لما يمثلون من موقع وجاهة اجتماعية ودينية، ولأنهم لو بايعوا فلن يتخلف عن بيعته من يعتد به.
فبناء على تلك الرسالة كان المهم عنده أولئك الثلاثة، الإمام الحسين﵇، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وفي الحقيقية فإن المقصود بشكل واضح هو الإمام الحسين،194وذلك أن عبد الله بن عمر لن يتأخر عن مبايعة يزيد كما صدقت الحوادث، وأما ابن الزبير فلن يصنع شيئاً ما دام الحسين﵇ في الواجهة فإن الناس لن يلتفتوا إليه وابن رسول الله موجود، ولذلك فإن الوليد قد اكتفى بطلب الإمام الحسين﵇ في القصر، ويظهر من شخصيته أنه كان مسالماً ولم يكن من رأيه المواجهة مع الحسين إما لما صرح به من أن من يلقى الله بدم الحسين فإنه سيكون خفيف الميزان يوم القيامة، أو لهذا ولغيره فلماذا يطحن نفسه في خلافة رأسها يزيد وهو من هو.
وكانت رسالة يزيد تتناغم تماما مع عقلية مروان واسلوبه، فهو (مسعر الحرب) الدائم منذ أيام عثمان بن عفان والقتل عنده لا يعني شيئاً مهماً، فلما جاءت رسالة يزيد على أن يأخذ الوليد البيعة من أولئك الثلاثة فإن أبوا فليضرب أعناقهم، كانت تلك هي النغمة التي يرقص عليها مروان، بالإضافة إلى أنه كان في صراع ومناكفة مع الوليد بن عتبة والي المدينة فإن معاوية قد عزل مروان به وكان مروان يسعى دائماً لإحراج الوليد وتخريب ولايته حتى يعود من جديد للإمرة والولاية، ولهذا اراد أن يوقع الوليد في المواجهة وهو يعلم أن الوليد بن عتبة لا يريدها فإذا علم يزيد بذلك وعلم بموقف مروان الشديد تجاه الإمام الحسين فقد يعيد إليه ولاية المدينة.
وهذا يفسر لنا ما جرى من حوار في قصر الوليد بن عتبة ومحاولته إنهاء الحوار بشكل ودي وتأجيل الأمر إلى يوم آخر، وفي ظنه أن الحسين قد يخرج من المدينة وتنتهي القضية، لكن مروان لم يكن يريد أن تفلت هذه الفرصة من يده، فهو يعرف طبع الوليد ويعرف طلب يزيد وحاول أن يجعل الصدام بين ذلك الطبع وبين هذا الطلب وهو سيكون الفائز.
قال الطبري: «فأرسل عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو إذ ذاك غلام حدث إليهما -إلى الحسين﵇ وابن الزبير- يدعوهما فوجدهما في المسجد وهما جالسان فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس ولا يأتيانه في مثلها. فقال: أجيبا الأمير يدعوكما، فقالا له: انصرف الآن نأتيه ثم أقبل أحدهما على الآخر، فقال عبد الله بن الزبير: للحسين تظن فيما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها؟ فقال حسين: قد ظننت أرى طاغيتهم قد هلك195 فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر. فقال: وأنا ما أظن غيره، قال: فما تريد أن تصنع؟
قال: أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه فإذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثم دخلت عليه.
قال: فإني أخافه عليك إذا دخلت.
قال الحسين: لا آتيه الا وأنا على الامتناع قادر، فقام فجمع إليه مواليه وأهل بيته ثم أقبل يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد وقال لأصحابه: إني داخل فإن دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا عليّ بأجمعكم وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم.
فدخل فسلم عليه بالإمرة ومروان جالس عنده فقال حسين -كأنه لا يظن ما يظن من موت معاوية:- لصلة خير من القطيعة أصلح الله ذات بينكما196 فلم يجيباه في هذا بشيء وجاء حتى جلس. فأقرأه الوليد الكتاب ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة فقال حسين: إنا لله وإنا إليه راجعون ورحم الله معاوية وعظم لك الاجر أمّا ما سألتني من البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سراً ولا أراك تجتزئ بها مني سراً دون أن نظهرها على رؤوس الناس علانية، قال (الوليد): أجل، قال: فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرًا واحدًا، فقال له الوليد: وكان يحب العافية فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس، فقال له مروان: والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدًا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب عند ذلك الحسين فقال: يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو كذبت والله وأثمت.
ثم خرج فمر بأصحابه فخرجوا معه حتى أتى منزله فقال مروان للوليد: عصيتني لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبداً، قال الوليد: وبخ غيرك يا مروان إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسيناً سبحان الله أقتل حسينا إن قال لا أبايع والله إني لأظن امرأً يحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة».197
ونلاحظ هنا ذكاء الإمام الحسين﵇ في أكثر من موضع فإنه عرف شخصية الوليد وتكلم معه بما يناسب تلك الشخصية، فالوليد لم يكن من هواة التصعيد والمواجهة العنيفة لذلك أشار له الحسين﵇ أنه لا يناسب أن يعطي بيعته سرًّا وإنما سيكون لها الأثر لو كانت في العلن وأنه ينتظر حين تكون الدعوة عامة للناس فيكون واحدا منهم.
وكان هذا المقدار يتوافق مع شخصية الوليد، وأراد الحسين بهذا إنهاء اللقاء الخاص، وآنئذ لن تكون حاجة لدخول إخوته وبنيه وبني هاشم للحماية. لكن مروان الذي كما قلنا كانت عينه على الولاية ولا يزال يعيش حالة الصراع مع الوليد كان يريد أن يحتدم الصدام بينهما، وأي أمر بعد ذلك كان فهو في مصلحته الشخصية؛ فإن قتل الوليد الحسين وتوترت الأوضاع فهذا سيرفع أسهمه في تولي المدينة باعتبار أنه لم يحسن التعامل مع الحسين، وإن تركه ولم يفعل شيئا معه سينسبه إلى التقصير وعدم الحزم في تنفيذ أمر يزيد، وهنا لم يكن بد للحسين أن يواجه مروان بالحزم والقوة التي رأيناها وتحديه أن ينفذ تهديده.
تبعاً لما كان عليه الوالي من الشخصية، لم يتابع الوليد بن عتبة198 أمر الحسين ﵇، الذي عزم في اليوم التالي على الخروج من المدينة، وكما ذكرنا في صفحات مضت فإن أفضل مكان أمامه بحسب التحليل الظاهري هو مكة المكرمة لقرب موسم الحج، حيث يأتي الناس من كل مكان، فيكون المجال خصبا لإخبارهم بأهداف نهضته ودعوتهم إليها، بالإضافة إلى أن وجوده فيها حيث أيام الشهر الحرام وفي البلد الحرام يوفر مقدارا أكبر من الأمان كما هو المعروف عند المسلمين وفي أذهانهم.
وبينما تهرب عبد الله بن الزبير من مقابلة الوليد بن عتبة والي المدينة، بالرغم من كثرة إرساله الرسل إليه ليأتيه، إلا أنه تهرب لليلته ويومه، وأرسل أخاه جعفراُ بن الزبير للوالي، قائلاً: إنكم أرعبتموه بكثرة الرسل، وإنه سيأتيك بينما كان عبد الله يتهيأ للخروج سرًا إلى مكة في جوف الليل مع أخيه جعفر وبعض أهله، وهكذا كان فقد خرج ليلاً وتنكب الطريق الرئيسي (الأعظم) ولذلك لم يستطع شرطة الوالي الذين كان في طلبه أن يجدوه في اليوم التالي.
أما الحسين﵇ فإنه بعدما عزم على الخروج، ودع أم المؤمنين أم سلمة199، كما ودع بني هاشم وأعلن فيهم أنه خارج إلى مكة، وكان الجميع يعرف أن خروجه من المدينة هو رفض لبيعة يزيد وأنه حتى لو أدى ذلك إلى قتله فلن يبايع.200
وبعد أن ودع من يعز عليه في المدينة، وعطف إلى قبر رسول الله﵌، حيث تنقل المصادر الشيعية أنه قد غفا على قبر النبي فرآه في المنام..
وخرج الإمام الحسين﵇ « ببنيه وإخوته وبنى أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية»201 وقد ذكرنا في موضع آخر جوابا عن الأسباب التي أدت إلى ألا يخرج مع الحسين الجمع الغفير من الصحابة وأبنائهم من المدينة.
خرج الحسين﵇ مساء، وأخذ الطريق الرئيسي.202وخروجهم مساء وهو الذي يسمى في العربية بالسرى في مقابل السير وهو السفر نهارا، كان هو المعتاد لا سيما في أيام الصيف والحر، حتى لا تتعب الإبل بالسير الطويل تحت حرارة الشمس والجو، بينما يكون السرى هو الأفضل من هذه الناحية.
ولأنه خرج على الطريق الأعظم فهذا يضيف قرينة أخرى على ما فسرنا كلمة ﴿خائفًا﴾ من تمثله بالآية المباركة ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾203. فإن من يكون خائفا على نفسه لا يسلك الطريق الأعظم الذي من السهل أن يتتبع فيه، بل لم يكن يخلو من أعوان الخلافة القائمة.
لا ذعرت السوام في فلق الصبح
مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى من المهابة ضيما
والمنايا يرصدنني أن أحيدا
الهوامش
- 174. عطاردي، عزيز الله: مسند الإمام الحسين﵇3/98 عن كتاب سليم بن قيس الكوفي.
- 175. مسند الإمام الحسين﵇ ٩٩.
- 176. مسند الإمام الحسين﵇١٠٦.
- 177. البلاذري، أنساب الأشراف 3/152 وموسوعة الإمام الحسين للري شهري ١/٦١.
- 178. المفيد ، محمد بن النعمان: الارشاد ٢/ ٣٢0.
- 179. اللطيف أن مروان بن الحكم كان طامعا في الخلافة فكان رأيه في بيعة يزيد قلقا لكنه يعلم أنه لو لم يقرأ الكتاب على الناس سيعزله معاوية فورا، فكان معاوية يريد أن يضرب عصفورين بحجر! فمن جهة لن يطمع مروان في منافسة يزيد ما دام قد طلب من الناس البيعة له، ومن جهة أخرى لو حصلت مواجهة فستكون في وجه مروان لا يزيد.. وبالفعل هذ ما حصل. والعجيب أن معاوية بعد عدة سنوات من هذا عزل مروان عن ولاية المدينة وعين مكانه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان!
- 180. العسكري: السيد مرتضى؛ أحاديث أم المؤمنين عائشة: 1 /345.
- 181. الأصفهاني، أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ٤٧.
- 182. الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/830 وتاريخ الطبري ٤/١٧١.
- 183. العسكري؛ معالم المدرستين 3/18.
- 184. الكامل في التاريخ، ج ٣، ابن الأثير، ص ٤٥٨ وفي سنة خمسين، سيّر معاوية جيشا كثيفا إلى بلاد الروم للغزاة وجعل عليهم سفيان بن عوف وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتلّ، فأمسك عنه أبوه، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد، فأنشأ يزيد يقول:
- 185. ما إن أبالي بما لاقت جموعهم بالفرقدونة من حمّى ومن موم (بعوض كبار)إذا اتّكأت على الأنماط مرتفقا بدير مرّان عندي أمّ كلــــثوم!
- 186. الأميني؛ عبد الحسين: الغدير١٠/١٧١.
- 187. سورة القصص: آية 21.
- 188. سورة القصص: آية 76.
- 189. سورة التوبة : آية 40.
- 190. سورة يوسف : آية 86.
- 191. سورة القصص: آية 21.
- 192. سورة طه : آية 67.
- 193. سورة الكهف : آية 6.
- 194. الخوارزمي؛ الموفق: مقتل الحسين 1/268.
- 195. نهج البلاغة خطبة 108.
- 196. سورة البقرة : آية 85.
- 197. ابن الأثير؛ الكامل في التاريخ 4/48. والبحراني؛ الشيخ عبد الله: العوالم /الامام الحسين 232.
- 198. الطبري؛ تاريخ الطبري ٤/ ٢٥٠: كتب يزيد للوليد بن عتبة.. «وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة أما بعد فخذ حسينا وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام».
- 199. قد رفع معاوية في وجه الإمام الحسين﵇ سيف الفتنة وأن لا يبغي الحسين بزعمه الفتنة في الأمة فأجابه الإمام الحسين﵇ بصرامة (إني لا أعلم فتنة أضر على الأمة من ولايتك عليها)! والعجيب أن بعض من عاصر نهضة الحسين كان يخشى الفتنة! وكأنّ ولاية يزيد عليها هي تحقيق للأمان والاستقرار والبصيرة!.
- 200. سورة التوبة : آية 49.
- 201. بيضون؛ لبيب: موسوعة كربلاء 413 عن (مقتل الحسين للخوارزمي، ج ١ ص ١٨٤): لقيه مروان فقال له: يا أبا عبد الله إني لك ناصح فأطعني ترشد وتسدّد. فقال: وما ذاك؟ قل أسمع. فقال: إني أرشدك لبيعة يزيد، فإنها خير لك في دينك وفي دنياك. فاسترجع الحسين﵇ وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد. ثم قال: يا مروان أترشدني إلى بيعة يزيد، ويزيد رجل فاسق!. لقد قلت شططا من القول وزللا، ولا ألومك فإنك اللعين الّذي لعنك رسول الله وأنت في صلب أبيك الحكم بن العاص، ومن لعنه رسول الله فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد. إليك عني يا عدوّ الله، فإنا أهل بيت رسول الله، الحق فينا ينطق على ألسنتنا، وقد سمعت جدي رسول الله﵌ يقول: «الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه».
- 202. عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب (توفي 85 هـ) أمه تغلبية وهي الصهباء أم حبيب بنت عباد، قيل إنه ولد في زمن عمر بن الخطاب، فطلب عمر من علي﵇ أن يهب له تسميته قال: فهب لي اسمه، لا نعلم عن شبابه كيف كان ولكن لا يظهر من النتائج التي صار إليها أنه كان في (اجواء الحسنين﵉)، فإننا نلاحظ أول موقف له فيما يرتبط بنهضة أخيه الحسين﵇، ذكر فيه أنه دعاه لبيعة يزيد لأنه في غير هذه الحالة سيكون مقتولا! فقد نقل أنه قال للحسين إن الحسن بن علي أخبره: أنّك مقتول، فلو بايعت لكان خيراً لك. قال الحسين: «حدّثني أبي أنّ رسول الله أخبره بقتله وقتلي، وإنّ تربته تكون بالقرب من تربتي، أتظنّ أنّك علمت ما لم أعلمه؟، وإنّي لا أعطي الدنيّة من نفسي أبداً، ولتلقين فاطمة أباها شاكية ممّا لقيت ذريّتها من اُمّته، ولا يدخل الجنة من آذاها في ذريّتها..» وإذا تمت هذه الرواية ففيها نكير واضح عليه، بأنه ممن آذى فاطمة!بل لقد نقل أنه لما جاء خبر مقتل الحسين﵇ لم يظهر التأثر المطلوب بل رأى نفسه ـ لحمقه ـ (الفتى الحازم) حيث لم يخرج معهم إلى كربلاء وإلا لكان مقتولا!!ولا تكتفي كتب التاريخ بهذا المقدار من المواقف السيئة عنه بل تنقل أنه كان ينازع أبناء فاطمة﵍ ولاية صدقات أمير المؤمنين مع أن المعلوم أن ولاية الصدقات خاصة بأبناء فاطمة دون سائر أبناء أمير المؤمنين، وهذا كان معلوما حتى عند الأمويين! لكن هذا (العُمر) جاء ينازع الامام السجاد﵇ تارة والحسن المثنى أخرى في ولاية الصدقات، وهما محقان في ولايتهما وهو مبطل! فقد روي أنه خاصم علي بن الحسين إلى عبد الملك في صدقات النبي﵌ وأمير المؤمنين﵇، فقال: يا أمير المؤمنين أنا ابن المصدق وهذا ابنُ ابنٍ، فأنا أولى بها منه! فتمثل عبد الملك بقول أبي الحقيق:
- 203. قم يا علي بن الحسين فقد وليتكها.بل كان يستعين بالحجاج الثقفي على أبناء اخوته للحصول على ولاية تلك الصدقات والوقفيات. وبالرغم من محاولة بعضهم الاعتذار له باصطناع أن هناك شخصين بل الزعم أنه كان حاضرا كربلاء!! وأن الأخبار غير الحسنة راجعة لذاك.. أو تكذيب بعض الأخبار إلا أن الصحيح هو ما ذهب إليه المحقق التستري في قاموس الرجال، حيث قال جازما: بعدم حضوره الطف قطعا، وما نقل عن كتاب أبي مخنف فالكتاب مجعول وموضوع، ونفى احتمال وجود شخص آخر بهذا الاسم من ولد علي﵇ وبالتالي فإنه بهذه المقدمات ينتهي إلى سوء حاله. (للتفصيل يراجع سر السلسلة العلوية، وعمدة الطالب، واللهوف، وشرح الأخبار وغيرها)