مع الإمام الحسين من المدينة إلى مكة

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

وبينما تهرب عبد الله بن الزبير من مقابلة الوليد بن عتبة والي المدينة، بالرغم من كثرة إرساله الرسل إليه ليأتيه، إلا أنه تهرب لليلته ويومه، وأرسل أخاه جعفراُ بن الزبير للوالي، قائلاً: إنكم أرعبتموه بكثرة الرسل، وإنه سيأتيك بينما كان عبد الله يتهيأ للخروج سرًا إلى مكة في جوف الليل مع أخيه جعفر وبعض أهله، وهكذا كان فقد خرج ليلاً وتنكب الطريق الرئيسي (الأعظم) ولذلك لم يستطع شرطة الوالي الذين كان في طلبه أن يجدوه في اليوم التالي.

أما الحسين﵇ فإنه بعدما عزم على الخروج، ودع أم المؤمنين أم سلمة199، كما ودع بني هاشم وأعلن فيهم أنه خارج إلى مكة، وكان الجميع يعرف أن خروجه من المدينة هو رفض لبيعة يزيد وأنه حتى لو أدى ذلك إلى قتله فلن يبايع.200

وبعد أن ودع من يعز عليه في المدينة، وعطف إلى قبر رسول الله﵌، حيث تنقل المصادر الشيعية أنه قد غفا على قبر النبي فرآه في المنام..

وخرج الإمام الحسين﵇ « ببنيه وإخوته وبنى أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية»201 وقد ذكرنا في موضع آخر جوابا عن الأسباب التي أدت إلى ألا يخرج مع الحسين الجمع الغفير من الصحابة وأبنائهم من المدينة.

خرج الحسين﵇ مساء، وأخذ الطريق الرئيسي.202وخروجهم مساء وهو الذي يسمى في العربية بالسرى في مقابل السير وهو السفر نهارا، كان هو المعتاد لا سيما في أيام الصيف والحر، حتى لا تتعب الإبل بالسير الطويل تحت حرارة الشمس والجو، بينما يكون السرى هو الأفضل من هذه الناحية.

ولأنه خرج على الطريق الأعظم فهذا يضيف قرينة أخرى على ما فسرنا كلمة ﴿خائفًا﴾ من تمثله بالآية المباركة ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾203. فإن من يكون خائفا على نفسه لا يسلك الطريق الأعظم الذي من السهل أن يتتبع فيه، بل لم يكن يخلو من أعوان الخلافة القائمة.

لا ذعرت السوام في فلق الصبح

مغيرا ولا دعيت يزيدا

يوم أعطى من المهابة ضيما

والمنايا يرصدنني أن أحيدا

الهوامش

  1. 174. عطاردي، عزيز الله: مسند الإمام الحسين﵇3/98 عن كتاب سليم بن قيس الكوفي.
  2. 175. مسند الإمام الحسين﵇ ٩٩.
  3. 176. مسند الإمام الحسين﵇١٠٦.
  4. 177. البلاذري، أنساب الأشراف 3/152 وموسوعة الإمام الحسين للري شهري ١/٦١.
  5. 178. المفيد ، محمد بن النعمان: الارشاد ٢/ ٣٢0.
  6. 179. اللطيف أن مروان بن الحكم كان طامعا في الخلافة فكان رأيه في بيعة يزيد قلقا لكنه يعلم أنه لو لم يقرأ الكتاب على الناس سيعزله معاوية فورا، فكان معاوية يريد أن يضرب عصفورين بحجر! فمن جهة لن يطمع مروان في منافسة يزيد ما دام قد طلب من الناس البيعة له، ومن جهة أخرى لو حصلت مواجهة فستكون في وجه مروان لا يزيد.. وبالفعل هذ ما حصل. والعجيب أن معاوية بعد عدة سنوات من هذا عزل مروان عن ولاية المدينة وعين مكانه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان!
  7. 180. العسكري: السيد مرتضى؛ أحاديث أم المؤمنين عائشة: 1 /345.
  8. 181. الأصفهاني، أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ٤٧.
  9. 182. الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/830 وتاريخ الطبري ٤/١٧١.
  10. 183. العسكري؛ معالم المدرستين 3/18.
  11. 184. الكامل في التاريخ، ج ٣، ابن الأثير، ص ٤٥٨ وفي سنة خمسين، سيّر معاوية جيشا كثيفا إلى بلاد الروم للغزاة وجعل عليهم سفيان بن عوف وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتلّ، فأمسك عنه أبوه، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد، فأنشأ يزيد يقول:
  12. 185. ما إن أبالي بما لاقت جموعهم بالفرقدونة من حمّى ومن موم (بعوض كبار)إذا اتّكأت على الأنماط مرتفقا بدير مرّان عندي أمّ كلــــثوم!
  13. 186. الأميني؛ عبد الحسين: الغدير١٠/١٧١.
  14. 187. سورة القصص: آية 21.
  15. 188. سورة القصص: آية 76.
  16. 189. سورة التوبة : آية 40.
  17. 190. سورة يوسف : آية 86.
  18. 191. سورة القصص: آية 21.
  19. 192. سورة طه : آية 67.
  20. 193. سورة الكهف : آية 6.
  21. 194. الخوارزمي؛ الموفق: مقتل الحسين 1/268.
  22. 195. نهج البلاغة خطبة 108.
  23. 196. سورة البقرة : آية 85.
  24. 197. ابن الأثير؛ الكامل في التاريخ 4/48. والبحراني؛ الشيخ عبد الله: العوالم /الامام الحسين 232.
  25. 198. الطبري؛ تاريخ الطبري ٤/ ٢٥٠: كتب يزيد للوليد بن عتبة.. «وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة أما بعد فخذ حسينا وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام».
  26. 199. قد رفع معاوية في وجه الإمام الحسين﵇ سيف الفتنة وأن لا يبغي الحسين بزعمه الفتنة في الأمة فأجابه الإمام الحسين﵇ بصرامة (إني لا أعلم فتنة أضر على الأمة من ولايتك عليها)! والعجيب أن بعض من عاصر نهضة الحسين كان يخشى الفتنة! وكأنّ ولاية يزيد عليها هي تحقيق للأمان والاستقرار والبصيرة!.
  27. 200. سورة التوبة : آية 49.
  28. 201. بيضون؛ لبيب: موسوعة كربلاء 413 عن (مقتل الحسين للخوارزمي، ج ١ ص ١٨٤): لقيه مروان فقال له: يا أبا عبد الله إني لك ناصح فأطعني ترشد وتسدّد. فقال: وما ذاك؟ قل أسمع. فقال: إني أرشدك لبيعة يزيد، فإنها خير لك في دينك وفي دنياك. فاسترجع الحسين﵇ وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد. ثم قال: يا مروان أترشدني إلى بيعة يزيد، ويزيد رجل فاسق!. لقد قلت شططا من القول وزللا، ولا ألومك فإنك اللعين الّذي لعنك رسول الله وأنت في صلب أبيك الحكم بن العاص، ومن لعنه رسول الله فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد. إليك عني يا عدوّ الله، فإنا أهل بيت رسول الله، الحق فينا ينطق على ألسنتنا، وقد سمعت جدي رسول الله﵌ يقول: «الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه».
  29. 202. عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب (توفي 85 هـ) أمه تغلبية وهي الصهباء أم حبيب بنت عباد، قيل إنه ولد في زمن عمر بن الخطاب، فطلب عمر من علي﵇ أن يهب له تسميته قال: فهب لي اسمه، لا نعلم عن شبابه كيف كان ولكن لا يظهر من النتائج التي صار إليها أنه كان في (اجواء الحسنين﵉)، فإننا نلاحظ أول موقف له فيما يرتبط بنهضة أخيه الحسين﵇، ذكر فيه أنه دعاه لبيعة يزيد لأنه في غير هذه الحالة سيكون مقتولا! فقد نقل أنه قال للحسين إن الحسن بن علي أخبره: أنّك مقتول، فلو بايعت لكان خيراً لك. قال الحسين: «حدّثني أبي أنّ رسول الله أخبره بقتله وقتلي، وإنّ تربته تكون بالقرب من تربتي، أتظنّ أنّك علمت ما لم أعلمه؟، وإنّي لا أعطي الدنيّة من نفسي أبداً، ولتلقين فاطمة أباها شاكية ممّا لقيت ذريّتها من اُمّته، ولا يدخل الجنة من آذاها في ذريّتها..» وإذا تمت هذه الرواية ففيها نكير واضح عليه، بأنه ممن آذى فاطمة!بل لقد نقل أنه لما جاء خبر مقتل الحسين﵇ لم يظهر التأثر المطلوب بل رأى نفسه ـ لحمقه ـ (الفتى الحازم) حيث لم يخرج معهم إلى كربلاء وإلا لكان مقتولا!!ولا تكتفي كتب التاريخ بهذا المقدار من المواقف السيئة عنه بل تنقل أنه كان ينازع أبناء فاطمة﵍ ولاية صدقات أمير المؤمنين مع أن المعلوم أن ولاية الصدقات خاصة بأبناء فاطمة دون سائر أبناء أمير المؤمنين، وهذا كان معلوما حتى عند الأمويين! لكن هذا (العُمر) جاء ينازع الامام السجاد﵇ تارة والحسن المثنى أخرى في ولاية الصدقات، وهما محقان في ولايتهما وهو مبطل! فقد روي أنه خاصم علي بن الحسين إلى عبد الملك في صدقات النبي﵌ وأمير المؤمنين﵇، فقال: يا أمير المؤمنين أنا ابن المصدق وهذا ابنُ ابنٍ، فأنا أولى بها منه! فتمثل عبد الملك بقول أبي الحقيق:
  30. 203. قم يا علي بن الحسين فقد وليتكها.بل كان يستعين بالحجاج الثقفي على أبناء اخوته للحصول على ولاية تلك الصدقات والوقفيات. وبالرغم من محاولة بعضهم الاعتذار له باصطناع أن هناك شخصين بل الزعم أنه كان حاضرا كربلاء!! وأن الأخبار غير الحسنة راجعة لذاك.. أو تكذيب بعض الأخبار إلا أن الصحيح هو ما ذهب إليه المحقق التستري في قاموس الرجال، حيث قال جازما: بعدم حضوره الطف قطعا، وما نقل عن كتاب أبي مخنف فالكتاب مجعول وموضوع، ونفى احتمال وجود شخص آخر بهذا الاسم من ولد علي﵇ وبالتالي فإنه بهذه المقدمات ينتهي إلى سوء حاله. (للتفصيل يراجع سر السلسلة العلوية، وعمدة الطالب، واللهوف، وشرح الأخبار وغيرها)