فدخل فسلم عليه بالإمرة ومروان جالس عنده فقال حسين -كأنه لا يظن ما يظن من موت معاوية:- لصلة خير من القطيعة أصلح الله ذات بينكما196 فلم يجيباه في هذا بشيء وجاء حتى جلس. فأقرأه الوليد الكتاب ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة فقال حسين: إنا لله وإنا إليه راجعون ورحم الله معاوية وعظم لك الاجر أمّا ما سألتني من البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سراً ولا أراك تجتزئ بها مني سراً دون أن نظهرها على رؤوس الناس علانية، قال (الوليد): أجل، قال: فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرًا واحدًا، فقال له الوليد: وكان يحب العافية فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس، فقال له مروان: والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدًا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب عند ذلك الحسين فقال: يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو كذبت والله وأثمت.
ثم خرج فمر بأصحابه فخرجوا معه حتى أتى منزله فقال مروان للوليد: عصيتني لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبداً، قال الوليد: وبخ غيرك يا مروان إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسيناً سبحان الله أقتل حسينا إن قال لا أبايع والله إني لأظن امرأً يحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة».197
ونلاحظ هنا ذكاء الإمام الحسين﵇ في أكثر من موضع فإنه عرف شخصية الوليد وتكلم معه بما يناسب تلك الشخصية، فالوليد لم يكن من هواة التصعيد والمواجهة العنيفة لذلك أشار له الحسين﵇ أنه لا يناسب أن يعطي بيعته سرًّا وإنما سيكون لها الأثر لو كانت في العلن وأنه ينتظر حين تكون الدعوة عامة للناس فيكون واحدا منهم.
وكان هذا المقدار يتوافق مع شخصية الوليد، وأراد الحسين بهذا إنهاء اللقاء الخاص، وآنئذ لن تكون حاجة لدخول إخوته وبنيه وبني هاشم للحماية. لكن مروان الذي كما قلنا كانت عينه على الولاية ولا يزال يعيش حالة الصراع مع الوليد كان يريد أن يحتدم الصدام بينهما، وأي أمر بعد ذلك كان فهو في مصلحته الشخصية؛ فإن قتل الوليد الحسين وتوترت الأوضاع فهذا سيرفع أسهمه في تولي المدينة باعتبار أنه لم يحسن التعامل مع الحسين، وإن تركه ولم يفعل شيئا معه سينسبه إلى التقصير وعدم الحزم في تنفيذ أمر يزيد، وهنا لم يكن بد للحسين أن يواجه مروان بالحزم والقوة التي رأيناها وتحديه أن ينفذ تهديده.
تبعاً لما كان عليه الوالي من الشخصية، لم يتابع الوليد بن عتبة198 أمر الحسين ﵇، الذي عزم في اليوم التالي على الخروج من المدينة، وكما ذكرنا في صفحات مضت فإن أفضل مكان أمامه بحسب التحليل الظاهري هو مكة المكرمة لقرب موسم الحج، حيث يأتي الناس من كل مكان، فيكون المجال خصبا لإخبارهم بأهداف نهضته ودعوتهم إليها، بالإضافة إلى أن وجوده فيها حيث أيام الشهر الحرام وفي البلد الحرام يوفر مقدارا أكبر من الأمان كما هو المعروف عند المسلمين وفي أذهانهم.