مع الإمام الحسين من المدينة إلى مكة

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

وقد انقسمت آراء أهل المدينة أمام هذا القرار، وما تقدمه من رفض البيعة كما هو المتوقع إلى ثلاثة آراء، فقد كان من الطبيعي أن يعارض الأمويون ومن في ركابهم قرار الحسين وأن (ينصحوه) تارة بالبيعة، و(يهددوه) أخرى بأن حياته ستكون في خطر إذا أعلن المعارضة للحكم الأموي، وأن بقاءه أنفع للإسلام والمسلمين، فلا ينبغي أن يتحرك بالاتجاه المخالف، وهذا الموقف سنراه في كل مراحل النهضة الحسينية، وهو يعبر عن موقف في الحياة ينتهي إلى أن على الإنسان أن ينظر إلى مصلحته الشخصية، فيميل معها أينما كانت، وغالبا ما كانت السلطات الظالمة تقوم على هذه الفئة وأصحاب هذا الموقف، وقد يكون هؤلاء من (عبيد الدنيا) الذين هم (دينهم دنانيرهم وقبلتهم نساؤهم) فلا يرون في هذه الحياة الدنيا غير اللهو واللعب وجمع الأموال، ولا يرجون آخرة. وقد يكونون من (المتدينين) لكنهم يحصرون دينهم في الأعمال الفردية والعبادات الشخصية ولا يعرفون الدين خارج إطار المسجد، وإذا ما تعارض (دينهم) مع ما يعملون ويأملون يزيحون الدين ويتخذون لهم المعاذير، ويتبعون من يسكت نداء الضمير في نفوسهم. وقد يكون بعض هؤلاء يرفعون لواء (خوف الفتنة)186 فهم يتبعون الظالم ويشيدون بنيانه خوفا من الفتنة ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.187

وهناك فئة ثانية تصوب موقف الإمام الحسين﵇ في رفضه البيعة ليزيد، وإعلانه المقاومة للمشروع الأموي لكنهم بين مشفق عليه وخائف على حياته، وبين مناصر له ومستعد للدفاع عنه والكون معه، وهذه الفئة هي النواة التي خرج بها الحسين من المدينة إلى مكة، وظلت تناصره إلى الأخير.

وفئة ثالثة: لم تكن ترى أن الأمر يعنيها، فهي لاهية بأمور حياتها، ولا ترى الأمر مرتبطاً بها، فلا هي معارضة للحكم الأموي ولا مؤيدة وليست هي في صف الإمام الحسين ولا معارضة له، وهذه هي الفئة الأكبر عادة في المجتمعات.

ونعرض هنا إلى مواقف أشخاص متعددين يتوزعون على هذه الفئات؛ فهذا مروان بن الحكم -الطامع الدائم في ولاية المدينة والذي لعب به معاوية طيلة عشرين سنة يرقصه على هذا الحبل، فمرة ينصبه وأخرى يعزله وهكذا حتى لقد فات المؤرخين أن يحصوا عدد المرات التي عزل فيها عن ولايتها كما فاتهم عدد مرات تنصيبه- جاء إلى الحسين﵇، وقال له: إني أرشدك لبيعة يزيد، فإنها خير لك في دينك ودنياك!188.

وكان جواب الإمام الحسين﵇ وموقفه هو الذي أعرب عنه فيما سبق لمعاوية حيث قال له: «لَعَلَّكَ تَصِفُ غَائِبًا أَوْ تَنْعَتُ مُحْجُوبًا»! فدعه وما اختاره لنفسه من اللعب بالقرود، والحمام السبق لأترابهن، ودع عنك ما تحاول هنا قال لمروان: وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد. ثم قال: يا مروان أترشدني إلى بيعة يزيد، ويزيد رجل فاسق.