يمسي ويصبح بالفحشاء منهمكا
لئن جرت لفظة التوحيد من فمه
فسيفه بسوى الإسلام ما فتكا
لم أدر أين رجال المسلمين مضوا
وكيف صار يزيد فيهم ملكا
العاصر الخمر من لؤم بعنصره
ومن خساسة طبع يعصر الودكا
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا
إلا إذا دمه في كربلا سفكا
فأول دافع حرَّك الحسين﵇ هو أن يوقف الانهيار الذي بدأ يتسارع في جسم الإسلام زمان معاوية، وكاد يصل إلى مداه ويدفن أيام يزيد، فإذا كان زمان معاوية، كان الإسلام موجوداً ولكنه ملبوس بشكل مقلوب، فإنه في زمان يزيد كان سينتهي إلى أن تقرأ عليه الفاتحة بعد الدفن كما قال الحسين: (وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة بوال مثل يزيد).
الباعث الثاني: المسؤولية الاجتماعية التي يفرضها الدين على أتباعه، نحن نعلم أن الدين الإسلامي فيه واجبات، بعضها ذات منحى فردي عبادي. كالصلاة والصوم مثلا، وهناك واجبات ذات منحى اجتماعي، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب اجتماعي. والجهاد عبادة اجتماعية وهكذا. وكما طلب من الإنسان المسلم أن يؤمن بالصلاة والصيام والحج، وهي من الواجبات ذات المنحى الفردي، وأن يطبقها، فإن المطلوب منه أيضا، أن يؤمن بالواجبات ذات المنحى الاجتماعي، وإلا أصبح مصداقاً للآية: ﴿فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.183
ومن يفهم الدين أكثر يعتقد بهذه الرؤية المتكاملة، لذلك رأى الإمام الحسين ﵇ نفسه أحق من أنكر على الباطل، وأولى المسلمين بالتغيير، عندما استشهد بما رواه عن رسول الله﵌: «سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: مَنْ رَأَى مِنْكُم سُلْطَانًا جَائِرًا مُسْتَحِلًّا لِحَرَامِ اللهِ مُحَرِّمًا لِحَلَالِ اللهِ عَامِلًا فِي عِبَادِهِ بِالإِثْمِ وَالعُدْوَان، فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيهِ بِفِعْلٍ وَلَا بِقَوْلٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ، أَلَا وَإِنِّي أَحَقُّ مَنْ غَيَّر».184
الخطوة الأولى التي اتخذها الإمام الحسين﵇، في إطار رفض ولاية يزيد واستلامه الخلافة بعد أبيه، أن يخرج من المدينة. وكان هذا هو القرار الأصوب والأسلم بحسب منطق الواقع آنئذ، والسبب هو ما أشار إليه بعض الباحثين من أن المدينة المنورة -مع قداستها الدينية- كانت من الناحية الاستراتيجية مقبرة الثورات- فما من ثورة قامت في المدينة المنورة، إلا وخمدت في مكانها؛ ثورة عبد الله بن حنظلة، غسيل الملائكة، حدثت بعد نهضة الإمام الحسين﵇، وقضي عليها قضاء مبرمًا، ولم يكن حال حركة أنصار بن الزبير فيها أحسن حالاً، وهكذا كان في زمان العباسيين ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط -النفس الزكية- فإنها لم تلبث أن أخمدت وصفيت تصفية كاملة، وبعدها حركة -شهيد فخ- الحسين بن علي بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، ويرجع الباحثون الأمر إلى أن المدينة من الناحية الجغرافية ليس لها امتدادات، كما أنها لا تملك عمقاً بشرياً بتداخلها مع مجتمعات أخرى أو بلدات متلاصقة، وعدد سكانها ليس كبيراً.
إن كل هذه الظروف لا تجعلها مؤهلة من الناحية الاستراتيجية لكي تقاوم السلطة المركزية التي بإمكانها أن تحاصرها بسهولة وأن تقتحمها بقوة عسكرية كبيرة، وهذا ما حصل مع الثورات المختلفة التي قامت فيها.
نعتقد أن هذا هو أحد الدوافع التي جعلت الإمام الحسين﵇ يغادر المدينة، فإن وجوده فيها مع عدم مبايعته يزيد والذي أكد على واليه بشكل خاص أن يأخذ البيعة منه185 ومن عدة أشخاص معينين، تحت طائلة القتل عند المخالفة والرفض.