مع الإمام الحسين من المدينة إلى مكة

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

فأحد الأجوبة أن الحزن والخوف بذاتهما لا محذور فيهما أن يكونا في النبي والوصي وإنما المحذور هو تحول ذلك الشعور إلى مانع عن الجهاد أو عائق عن أداء الواجب، وهذا ما لم يحصل لا من النبي موسى﵇ ولا من الإمام الحسين﵇.

وهناك جواب آخر: وهو أن جهة هذا الخوف جهة رسالية، فالقرآن يقول عن النبي موسى أنه ﴿فخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا﴾،178لكن ما هي جهة خوفه؟ وعلى أي شيء كان خائفا؟ تفسره آية أخرى: هي ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسىٰ﴾.179وهناك فرق بين: فأوجس على نفسه خيفة، وبين ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾، هذا الخوف على ماذا كان؟ على أموال يخسرها، أو على أولاده وعائلته؟ أو هو على عمره وحياته؟ كلا وإنما كما ورد عن أمير المؤمنين﵇ كان خائفاً على رسالة الله، وعلى غلبة أهل الضلالة وانحراف الناس على أثر ذلك، وهذا الخوف الرسالي ممدوح للغاية، من لا يخاف بهذا المعنى على دين الناس وعقيدتهم، ومن لا يتأثر لأجل طغيان خط الانحراف هو المذموم في موقفه.

إن من يحزن ويتأذى لأجل حصول الانحراف عند الناس وتراجع الإيمان هو الذي يستحق الثناء والمدح، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الجهة في حق النبي المصطفى محمد﵌، في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾180. وقد شرح أمير المؤمنين﵇ وفصله في الخطبة رقم 4 من نهج البلاغة، فقال: «لَمْ يُوجِسْ مُوسَى خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا خَافَ مِنْ دُوَلِ الضَّلَالِ، وَمِنْ غَلَبَةِ الجُهَّالِ» أي خاف أن تصبح السيطرة للجهلة، للحمقى، للمتخلفين. خاف أن يصبح الانتصار من نصيب أهل الضلال.

والإمام الحسين﵇، كان لديه هذا التخوف على الإسلام أن يضمحل ويزول، فها هو يقول: «وَعَلَى الإسلام السَّلَامُ إِذَا بُلِيَتْ الأُمَّةُ بِرَاعٍ مِثْلَ يَزِيدِ»181.

إن هذا ليضيء لنا الطريق أمام الحديث عن بواعث نهضة الحسين﵇.

فإن من بواعث خروج الإمام الحسين﵇؛ التخوف من انهيار صورة الإسلام والنموذج الإسلامي عند المسلمين جميعا، كيف؟

جاء نبينا المصطفى محمد﵌ وقدم صورة للناس عن الدين والإسلام ناصعة شديدة البياض، فلما وصلنا إلى ما بعد رسول الله﵌، اعترى هذه الصورة تشويش، اختلف باختلاف مراحله الزمنية شدة وضعفًا. ولما وصلنا إلى زمان معاوية، عبّر الإمام أمير المؤمنين﵇ عن تلك المرحلة، بأنه: «لُبِسَ فِيهَا الإسلام لِبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوبًا»182، وفي هذا التشبيه جهات ملفتة للنظر، فإن الفروة عندما تلبس بشكل مقلوب، تصبح قبيحة المنظر لكون وجهها باطنها وبالعكس، وأيضا فإنها تصبح غير ذات أداء وكفاءة؛ إذ أن المفروض من الفروة أن تحمي من البرد. فإذا عكستها، لا تعطيك النتيجة الكاملة.

يعني كان الإسلام مهددا بأن يصبح في ذلك الزمان، لا جاذبية فيه للناظر، ولا فاعلية فيه لمن يمارسه.

ولكي نعرف أهمية نهضة الحسين﵇ في الحفاظ على نموذج الإسلام وصورته، أشير إلى قضية وهي أنه بالرغم من نهضة الحسين وشهادته المأساوية وسبي نسائه في البلدان، ومع كل الجرائم التي قام بها يزيد بن معاوية، لا نزال نجد بعض مشايخ المسلمين، يقولون في هذه الأزمنة: أن بيعة يزيد بيعة شرعية، وأنه أحد أئمة المسلمين، هذا مع تلك الثورة العارمة والنهضة المباركة، فكيف لو لم تحصل؟ لا ريب أن هؤلاء سيعتبرونه في منزلة رسول الله وأن الأمة كلها لن تعرف نموذجا آخر غير الذي عمل على تصويره بنو أمية.

ورحم الله السيد جعفر الحلي، حيث يقول في قصيدته المعروفة:

وقد تحكم بالإسلام طاغية