سيرة الإمام الحسين من سنة ٥٠ إلى ٦٠هـ

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

فلمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن علي صلوات اللّه عليه وعبد اللّه بن عبّاس وعبد اللّه بن جعفر معه فجمع الحسين﵇ بني هاشم رجالهم ونساءهم ومواليهم ومن الأنصار ممّن يعرفه الحسين﵇ وأهل بيته، ثمّ أرسل رسلاً لا تدَعوا أحدًا ممّن حج العام من أصحاب رسول﵌ المعروفين بالصلاح والنسك الّا أجمعهم، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادقه، عامتهم من التابعين ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فقام فيهم خطيباً فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال:

أمّا بَعدُ، فَإِنَّ هذَا الطّاغِيَةَ قَد فَعَلَ بِنا وبِشيعَتِنا ما قَد رَأَيتُم وعَلِمتُم وشَهِدتُم، وإنّي اريدُ أن أسأَلَكُم عَن شَيءٍ، فَإِن صَدَقتُ فَصَدِّقوني، وإن كَذَبتُ فَكَذِّبوني: أسأَلُكُم بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيكُم وحَقِّ رَسولِ اللَّهِ وحَقِّ قَرابتي مِن نَبِيِّكُم، لَمّا سَيَّرتُم مَقامي هذا ووَصَفتُم مَقالَتي، ودَعَوتُم أجمَعينَ في أنصارِكُم مِن قَبائِلِكُم مَن أمِنتُم مِنَ النّاسِ ووَثِقتُم بِهِ، فَادعوهُم إلى ما تَعلَمونَ مِن حَقِّنا؛ فَإِنّي أتَخَوَّفُ أن يَدرُسَ هذَا الأَمرُ ويَذهَبَ الحَقُّ ويُغلَبَ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نورِهِ ولَو كَرِهَ الكافِرونَ.

وما تَرَكَ شَيئاً مِمّا أنزَلَ اللَّهُ فيهِم مِنَ القُرآنِ إلّا تَلاهُ وفَسَّرَهُ، ولا شَيئاً مِمّا قالَهُ رَسولُ اللَّهِ﵌ في أبيهِ وأخيهِ وامِّهِ وفي نَفسِهِ وأهلِ بَيتِهِ إلّا رَواهُ.

وكُلُّ ذلِكَ يَقولُ الصَّحابَةُ: اللَّهُمَّ نَعَم، قَد سَمِعنا وشَهِدنا. ويَقولُ التّابِعِيُّ: اللَّهُمَّ قَد حَدَّثَني بِهِ مَن اصَدِّقُهُ وأَئتَمِنُهُ مِنَ الصَّحابَةِ. فَقالَ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ إلّا حَدَّثتُم بِهِ مَن تَثِقونَ بِهِ وبِدينِهِ. قالَ سُلَيمٌ: فَكانَ فيما ناشَدَهُمُ الحُسَينُ﵇ وذَكَّرَهُم أن قالَ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، أتَعلَمونَ أنَّ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ﵇ كانَ أخا رَسولِ اللَّهِ﵌ حينَ آخى بَينَ أصحابِهِ، فَآخى بَينَهُ وبَينَ نَفسِهِ، وقالَ: أنتَ أخي وأنَا أخوكَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قال: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، هَل تَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ اشتَرى مَوضِعَ مَسجِدِهِ ومَنازِلِهِ فَابتَناهُ، ثُمَّ ابتَنى فيهِ عَشَرَةَ مَنازِلَ؛ تِسعَةً لَهُ، وجَعَلَ عاشِرَها في وَسَطِها لِأَبي، ثُمَّ سَدَّ كُلَّ بابٍ شارِعٍ إلَى المَسجِدِ غَيرَ بابِهِ، فَتَكَلَّمَ في ذلِكَ مَن تَكَلَّمَ، فَقالَ﵌: «ما أنَا سَدَدتُ أبوابَكُم وفَتَحتُ بابَهُ، ولكِنَّ اللَّهَ أمَرَني بِسَدِّ أبوابِكُم وفَتحِ بابِهِ»، ثُمَّ نَهَى النّاسَ أن يَناموا فِي المَسجِدِ غَيرَهُ، وكانَ يُجنِبُ فِي المَسجِدِ ومَنزِلُهُ في مَنزِلِ رَسولِ اللَّهِ﵌، فَوُلِدَ لِرَسولِ اللَّهِ﵌ ولَهُ فيهِ أولادٌ؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قال: أفَتَعلَمونَ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ حَرَصَ عَلى كَوَّةٍ قَدرَ عَينِهِ يَدَعُها مِن مَنزِلِهِ إلَى المَسجِدِ، فَأَبى عَلَيهِ، ثُمَّ خَطَبَ﵌ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ أمَرَ موسى أن يَبنِيَ مَسجِداً طاهِراً لا يَسكُنُهُ غَيرُهُ وغَيرُ هارونَ وَابنَيهِ، وإنَّ اللَّهَ أمَرَني أن أبنِيَ مَسجِداً طاهِراً لا يَسكُنُهُ غَيري وغَيرُ أخي وَابنَيهِ»؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قالَ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ نَصَبَهُ يَومَ غَديرِ خُمٍّ، فَنادى لَهُ بِالوِلايَةِ وقالَ: «لِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ»؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قالَ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ قالَ لَهُ في غَزوَةِ تَبوكَ: «أنتَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى، وأنتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤمِنٍ بَعدي»؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قالَ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ حينَ دَعَا النَّصارى مِن أهلِ نَجرانَ إلَى المُباهَلَةِ، لَم يَأتِ إلّا بِهِ وبِصاحِبَتِهِ وَابنَيهِ؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم.