سيرة الإمام الحسين من سنة 50 إلى 60هـ
في رسالة كتبها الإمام الحسين لمعاوية بن أبي سفيان: «وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني، ولأمة محمد﵌ علينا أفضل من أن أجاهدك».
ربما تكون هذه الرسالة وهي جواب عن رسالة أرسلها معاوية إليه يتهدده فيها بأنه أن شق عليه عصا الطاعة سيفعل كذا وكذا، فأجابه الإمام﵇ برسالة قوية لم يستطع وهو الحاكم المتسلط أن يجيبه عليها بالرغم من اقتراح مستشاره عمرو بن العاص وابنه يزيد.
وتبدأ القضية بعد شهادة الإمام الحسن المجتبى﵇ بعد سنة 50هـ حيث آلت أمور الإمامة والزعامة الدينية للإمام الحسين﵇ بين شيعته بل بين أهل المدينة عامة، فإن غير الشيعة منهم وإن كانوا لا يعتقدون بإمامته -بالمعنى الشيعي الخاص- إلا أنهم يتعاملون معه باعتباره أكبر الشخصيات الدينية في المجتمع المدني، فلا أحد يدانيه في نسبه ولا في علمه ولا موقعه الاجتماعي.
كان مروان بن الحكم، الذي كان يلعب به معاوية فيعزله تارة وينصبه أخرى ويغري به150 الوالي الآخر ثالثة، ويغريه بالوالي السابق له رابعة ـ يسعى لتثبيت موقعه كوال دائم في المدينة، ولهذا الغرض لا بد أن يري نفسه كحافظ للسلطة الأموية ورقيب عتيد على أعدائها فكتب إلى معاوية: (أما بعد فإن عمرو بن عثمان ذكر أن رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي، وذكر أنه لا يأمن وثوبه، وقد بحثت عن ذلك، فبلغني أنه يريد الخلاف يومه هذا، ولست آمن أن يكون هذا أيضاً لما بعده، فاكتب إليّ برأيك في هذا والسلام). فكتب إليه معاوية: (أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين، فإياك أن تعرض للحسين في شيء واتركْ حسيناً ما تركك، فإنا لا نريد أن نعرض له في شيء ما، وفى ببيعتنا ولم ينازعنا سلطاننا، فأكمن عليه ما لم يبد لك صفحته والسلام.
وكتب معاوية إلى الحسين بن علي﵇: (أما بعد فقد انتهت إليّ أمور عنك، إن كانت حقاً فقد أظنك تركتها رغبة فدعها، ولعمر الله إن من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، وإن كان الذي بلغني باطلاً فإنك أنت أعدل الناس لذلك، وعظ نفسك وأذكر بعهد الله أوف، فإنك متى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتق شق عصا هذه الأمة، وأن يردهم الله على يديك في فتنة، فقد عرفت الناس وبلوتهم، فانظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد﵌ ولا يستخفنك السفهاء والذين لا يعلمون.
فلما وصل الكتاب إلى الحسين﵇، كتب إليه: (أما بعد فقد بلغني كتابك، تذكر أنه قد بلغت عني أمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير، فإن الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد إليها إلا الله. وأما ما ذكرت أنه انتهى إليك عني، فإنه إنما رقاه إليك الملاقون المشاؤون بالنميم، وما أريد لك حرباً ولا عليك خلافاً، وأيم الله إني لخائف الله في ترك ذلك، وما أظن الله راضياً بترك ذلك ولا عاذراً بدون إلا عذار فيه إليك، وفي أوليائك القاسطين الملحدين حزب الظلمة وأولياء الشياطين، ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الإيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة، لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ولا بإحنة تجدها في نفسك؟ أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله﵌، العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، واصفر لونه، بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه، ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل؟ ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافاً بذلك العهد، أو لست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله﵌: (الوالد للفراش وللعاهر الحجر) فتركت سنة رسول الله﵌ تعمداً، وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلطته على العراقين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك؟ أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم كانوا على دين عليٍّ صلوات الله عليه، فكتبت إليه: (أن أُقتل كل من كان على دين علي) فقتلهم ومثل بهم بأمرك، ودين علي﵇ والله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي جلست، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين. وقلت فيما قلت (انظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد، واتق شق عصا هذه الأمة وأن تردهم إلى فتنة) وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني، ولأمة محمد﵌ علينا أفضل من أن أجاهدك، فإن فعلت فإنه قربة إلى الله، وإن تركته فإني أستغفر الله لذنبي وأسأله توفيقه لإرشاد أمري. وقلت فيما قلت (إني إن أنكرتك تنكرني، وإن أكدك تكدني) فكدني ما بدا لك، فإني أرجو أن لا يضرني كيدك فيّ، وأن لا يكون على أحد أضر منه على نفسك علي، إنك قد ركبت بجهلك، وتحرصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والايمان، والعهود والمواثيق، فقتلهم من غير أن يكونوا قاتلوا أو قتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا، فابشر يا معاوية بالقصاص واستيقن بالحساب، واعلم أن لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وليس الله بناس لأخذك بالظنة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب، لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك وتبرت دينك وغششت رعيتك وأخرجت أمانتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقي لأجلهم، والسلام).
ويظهر أن تبادل هاتين الرسالتين كان في وقت مبكر بعد سنة 50هـ بحسب ما يظهر منها، فإن الوقائع التي ذكرت فيها بعضها في حدود سنة 46هـ (ادعاء زياد وتوليته الكوفة)، وبعضها في أول سنة 50هـ (شهادة عمرو بن الحق الخزاعي) وبعضها في حدود 51هـ (شهادة حجر بن عدي الكندي)، ومع ذلك فإنها تعكس سياسة كلٍّ من الطرفين تجاه خصمه، فإن معاوية بالفعل لم يكن في صدد خوض معركة مفتوحة وعنيفة ضد الإمام الحسين﵇، وإن كان يسعى لقتل كبار شيعة أمير المؤمنين والتضييق عليهم وفي نفس الوقت لم يكن يلزم نفسه بقانون أو وثيقة عهد، وكذلك يتحرك في تثبيت أسس الحكم الأموي.
وفي المقابل كان الإمام الحسين﵇، مع التزامه بنفس خطة الإمام الحسن المجتبى﵇ التي سار عليها خلال عشر سنوات (من سنة 40هـ إلى سنة 50هـ)، لا يرغب في مواجهة ساخنة أو تصعيد عسكري في زمان معاوية، مع إعلانه انحرافه عن المنهج القويم، إلى الحد الذي يرى أن فتنة ولايته أعظم فتنة ابتليت بها الأمة، وأنه لو كان ينبغي أن يستغفر من ذنب لكان من عدم نهوضه في وجهه.
ويقرر الباحثون أن الطريقة التي أدار بها الإمام الحسين﵇ قضايا المجتمع وشؤون الامامة في الفترة ما بين (50هـ - 60هـ) هي نفس الطريقة التي كان قد سار عليها الإمام الحسن المجتبى في الفترة ما بعد المهادنة مع معاوية، وذلك أننا نعتقد أن القائد الحكيم لو نظر إلى تلك الظروف وقدّرها لم يكن ليتجاوز الخطوط التي سار عليها الإمام الحسن﵇، والظروف هي نفسها استمرت إلى ما بعد شهادته، فاستمر الحسين﵇ في نفس تلك السياسة، ولو نظرنا إلى هذه الرسالة ولاحظنا طريقة الإمام الحسن سواء في محاوراته مع معاوية أو مخاطباته لوجدنا نفس الأسلوب حتى أنه ليكاد يمكن نسبة خطاب كل من الإمامين للآخر.
أن أئمة الهدى﵈ بما نعتقده فيهم من التسديد الإلهي لأدوارهم،151 وبمقتضى الحكمة العالية التي كانوا يملكونها، كان كل منهم لو فرض وجوده في نفس ظروف الاخر لاتخذ الخطة والأسلوب الذي اتخذها الإمام الآخر.
فلو فرضنا جدلاً أن الإمام الصادق﵇ كان في زمان الإمام الحسن، لكان يتخذ نفس الطريقة التي مارس فيها الإمام الحسن دوره لماذا؟ لجهة إلهية تسديدية، ولمقتضى الحكمة. وهكذا لو انعكس الأمر بأن كان الإمام الحسن في زمان الإمام الصادق لقام بما تقتضيه الحكمة والتسديد الإلهي من دور مشابه للدور الذي قام به الإمام الصادق على أرض الواقع.
وهذا ينفي ما زعمه البعض من أن الإمام الفلاني مثلاً كان مزاجه مزاج مهادنة ومسالمة، فاتخذ هذا الطريق، ومزاج الإمام الآخر كان مزاجاً حربياً وعسكرياً، فاتخذ طريق الثورة، ومزاج الإمام الثالث كان مزاج التعليم والتدريس فاتخذ طريق التدريس.
لم يكن الأمر هكذا مزاجياً أو خاضعاً للجهات الشخصية، وإنما نعتقد فيه جانبين: جانب إلهي من التسديد وجانب حِكَمي تقتضيه أفضل أساليب إدارة الصراع في ذلك الوقت.
هذا مع أن تشكيل صورة نمطية أحادية البعد لهذا الإمام أو ذاك هو أمر غير صحيح، ولا يصدقه التاريخ فضلاً عن العقيدة، فإن التاريخ يشير إلى أن أمير المؤمنين﵇ مع أن الصورة النمطية المتشكلة له عند الناس هو أنه البطل المغوار خواض الحروب قالع باب خيبر وقاتل عمرو بن عبد ود.. الخ. لكنه هو نفسه ذلك الذي وصفه صفي الدين الحلي:
زاهِدٌ حاكِمٌ حَليمٌ شُجاعٌ
ناسِكٌ فاتِكٌ فَقيرٌ جَوادُ
شِيَمٌ ما جُمِعنَ في بَشَرٍ قَط
وَلا حازَ مِثلَهُنَّ العِبادُ
خُلُقٌ يُخجِلُ النَسيمَ مِنَ العَط
فِ وَبَأسٌ يَذوبُ مِنهُ الجَمادُ
فهو الحاكم والزاهد، وهما قلَّ أن يجتمعا، والشجاع الحليم وهما كذلك إذ لا تستدعي الشجاعة الحلم، والفاتك الناسك؛ كيف يكون ناسكاً بعيداً عن الدنيا مشغولا بالعبادة وهو فاتك في نفس الوقت؟ وفقير لكنه جواد مع أن الفقر يستدعي الحفاظ على القرش، وصاحب البأس الذي يذوب منه الجماد بينما خلقه يخجل النسيم من لطفه، إن المعروف عن رجل المعارك العسكري أنه لا يفهم غير لغة القوة والانتصار الحربي بينما علي في نفس الوقت الذي كان هكذا عندما يتحدث عن معارف التوحيد تعجز الكلمة منه أذهان العلماء الذين صرفوا عمرهم في التحقيق والتدقيق.
هذا يشير إلى أن التنميط في صورة المعصومين (بل ربما في غيرهم) ليس صحيحاً لأنه يفترض جانباً واحداً ويؤطر حياة المعصوم كلها به، ولو أخذنا مثالاً آخر هو الصورة النمطية عند الناس عن الإمام الحسين﵇ فإنهم يرون أنها صورة الثائر المضحي الذي لا يعرف غير لغة الشهادة والدم في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وهذا (كأحد الجوانب) صحيح ولا غبار عليه، لكنه ليس كامل الصورة فإن هذه الصورة إنما شكلها مدة خمسة أشهر من الزمان ليس أكثر، وهي ما كانت تقتضي الظروف حينها، لكنه في موضع آخر تجده عالماً ربانياً ومتكلماً في العقائد من طراز أبيه أمير المؤمنين، وفقيها في مسائل الفقه وهكذا، وربما نتعرض إلى الجانب العلمي في حياة الإمام الحسين في موضع آخر لكننا نورد مثالاً سريعاً هنا وهو ما جرى بين الإمام الحسين﵇ وبين أحد زعماء الخوارج وهو نافع بن الأزرق.152
فقد ذكر ابن عساكر بسنده عن ابن عباس أنه بينما هو يحدث الناس، إذ قام إليه نافع بن الأزرق فقال له: يا بن عباس تفتي الناس في النملة والقملة! صف لي إلهك الذي تعبد؟ فأطرق ابن عباس إعظامًا لقوله، وكان الحسين بن علي جالسًا ناحية، فقال: إلي يا بن الأزرق، قال: لستُ إياك اسأل. قال ابن عباس: يا بن الأزرق إنه من أهل بيت النبوة وهم ورثة العلم، فأقبل نافع نحو الحسين، فقال له الحسين: يا نافع إن من وضع دينه على القياس،153 لم يزل الدهرَ في الالتباس، سائلًا إذا كبا عن المنهاج ظاعنًا بالاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل، يا ابن الأزرق: أصف إلهي بما وصف به نفسه وأعرفه بما عرف به نفسه؛ لا يدرك بالحواس،154 ولا يقاس بالناس،155 قريبٌ غير ملتصِق، وبعيدٌ غير منتقَص، يوحَّد ولا يبعَّض، معروفٌ بالآيات، موصوفٌ بالعلامات لا إله إلا هو الكبير المتعال. فبكى ابن الأزرق وقال: يا حسين ما أحسن كلامك، قال له الحسين: بلغني أنك تشهد على أبي وعلى أخي بالكفر وعليَّ، قال ابن الأزرق: أما والله يا حسين لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام ونجوم الأحكام.
فقال له الحسين: إني سائلك عن مسألة، قال: سل، فسأله عن هذه الآية ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾156يا ابن الأزرق من حُفظ في الغلامين؟ قال ابن الأزرق: أبوهما، قال الحسين: فأبوهما خيرٌ أم رسول الله﵌؟ قال ابن الأزرق: قد أنبأ الله تعالى أنكم قوم خصمون.157
وقد تصدر الموضوع العلمي والبناء العقدي الصحيح، قائمة اهتمامات الإمام الحسين﵇، فهو بالإضافة إلى ما تقدم كان يرى المخطط الأموي يسير بشكل ممنهج في طمس خط الولاية العلوية لأمير المؤمنين﵇، فانظر إلى المسار العجيب الذي انتهت إليه الأمة، فبينما هي تتسابق لتقول: بخٍ بخٍ لك يا علي، أصبحتَ مولى كل مؤمنة ومؤمنة، فإذا بها تبعد عليّاً﵇ عن الحكم والإدارة وإذا به يرتئي بين (أن يصول بيد جذّاء -مقطوعة حيث لا ناصر- أو يصبر على طخية -شدة الظلمة- عمياء)، حتى إذا مضى واحدهم بعد الآخر ها هي تنتقض عليه من الأطراف (فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون) وجاء بعدهم رحب البلعوم ليقرر شتم الإمام سنة أموية ثابتة على كل منبر، ومنع الحديث158عن فضائل علي﵇ حتى من أقرب أقربائه وأصحابه.
وقد يتصور أن المسألة هي مجرد عداء شخصي بين معاوية والامام علي، وليس كذلك فقط وإنما الجانب المهم منه هو منهج في مقابل منهج، منهج يرى أنه (تلاقفوها كما يتلاقف الصبيان الكرة، فما من جنة ولا نار)، وأنه (هذا ابن أبي كبشة ينادى به كل يوم خمس مرات لا والله إلا دفنًا دفنًا)،159وآخر يرى أنه(اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فصول الخصام ولكن لنرد المعالم من دينك ويظهر الإصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك)160.
ولذلك فإننا نعتقد أن الأئمة﵈ ومنهم الإمام الحسين عندما كانوا يدافعون عن الإمام علي﵇ وينشرون فضائله ومناقبه لم يكونوا يعملون ضمن مشروع شخصي أو عائلي، فهذا هو منطق أعدائهم وإنما كانوا يتحركون ضمن مسار رسالي مبدئي، بل إننا نعتقد أن أصل فكرة أحاديث المناقب والفضائل التي كانت عن رسول الله ﵌، كانت ضمن هذا الإطار، فلم يكن النبي قادماً ليمدح هذا أو ذاك، أو يصنع فخرا لهذه الأسرة أو تلك، وإنما الغرض هو هداية ﴿مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.161
لهذا كان الإمام الحسين﵇ يأخذ على عاتقه أمر التبشير بالمنهج الحق، المتمثل في ولاية أمير المؤمنين﵇ وولده، وكان لهذا الغرض يبشر بفضائل الإمام ومناقبه، وميزاته، وقد أورد الشيخ العطاردي في مسنده عن الإمام الحسين﵇ 69 حديثا مما روي عن الإمام الحسين﵇ في فضائل أبيه وميزاته، ولزوم اتباعه، وأيضا في أهل البيت﵈، منها 20 حديثاً في شأن الإمام علي﵇، ونورد بعضها لنبين الدور الأهم الذي اضطلع به الإمام الحسين في هذه الفترة، فمن ذلك:
1. ما صنعه في منى أيام التشريق، ونلفت نظر القارئ العزيز إلى خصوصيات في هذه الرواية، لجهة الزمان وهو أيام التشريق حيث يجتمع الناس في منى من كل القبائل والبلدان، ينتظرون يوم الإفاضة في الثاني عشر من ذي الحجة، ويفترض أنهم ليسوا مشغولين بأعمال استثنائية عبادية أو غيرها، والمكان هو منى، فإذا بالإمام الحسين﵇ يطلب من أهل بيته أن يجتمعوا وأن يدعوا الناس من مهاجرين وأنصار وأهل مكة والمدينة وغيرهما ليشهدوا ما سيقوله حتى بلغوا ما يقرب من (900 شخص) وكلفهم بإبلاغ ما يقول إلى عشائرهم وقبائلهم ومناطقهم، وكان ذلك في أواخر أيام معاوية.
فلمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن علي صلوات اللّه عليه وعبد اللّه بن عبّاس وعبد اللّه بن جعفر معه فجمع الحسين﵇ بني هاشم رجالهم ونساءهم ومواليهم ومن الأنصار ممّن يعرفه الحسين﵇ وأهل بيته، ثمّ أرسل رسلاً لا تدَعوا أحدًا ممّن حج العام من أصحاب رسول﵌ المعروفين بالصلاح والنسك الّا أجمعهم، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادقه، عامتهم من التابعين ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فقام فيهم خطيباً فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال:
أمّا بَعدُ، فَإِنَّ هذَا الطّاغِيَةَ قَد فَعَلَ بِنا وبِشيعَتِنا ما قَد رَأَيتُم وعَلِمتُم وشَهِدتُم، وإنّي اريدُ أن أسأَلَكُم عَن شَيءٍ، فَإِن صَدَقتُ فَصَدِّقوني، وإن كَذَبتُ فَكَذِّبوني: أسأَلُكُم بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيكُم وحَقِّ رَسولِ اللَّهِ وحَقِّ قَرابتي مِن نَبِيِّكُم، لَمّا سَيَّرتُم مَقامي هذا ووَصَفتُم مَقالَتي، ودَعَوتُم أجمَعينَ في أنصارِكُم مِن قَبائِلِكُم مَن أمِنتُم مِنَ النّاسِ ووَثِقتُم بِهِ، فَادعوهُم إلى ما تَعلَمونَ مِن حَقِّنا؛ فَإِنّي أتَخَوَّفُ أن يَدرُسَ هذَا الأَمرُ ويَذهَبَ الحَقُّ ويُغلَبَ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نورِهِ ولَو كَرِهَ الكافِرونَ.
وما تَرَكَ شَيئاً مِمّا أنزَلَ اللَّهُ فيهِم مِنَ القُرآنِ إلّا تَلاهُ وفَسَّرَهُ، ولا شَيئاً مِمّا قالَهُ رَسولُ اللَّهِ﵌ في أبيهِ وأخيهِ وامِّهِ وفي نَفسِهِ وأهلِ بَيتِهِ إلّا رَواهُ.
وكُلُّ ذلِكَ يَقولُ الصَّحابَةُ: اللَّهُمَّ نَعَم، قَد سَمِعنا وشَهِدنا. ويَقولُ التّابِعِيُّ: اللَّهُمَّ قَد حَدَّثَني بِهِ مَن اصَدِّقُهُ وأَئتَمِنُهُ مِنَ الصَّحابَةِ. فَقالَ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ إلّا حَدَّثتُم بِهِ مَن تَثِقونَ بِهِ وبِدينِهِ. قالَ سُلَيمٌ: فَكانَ فيما ناشَدَهُمُ الحُسَينُ﵇ وذَكَّرَهُم أن قالَ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، أتَعلَمونَ أنَّ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ﵇ كانَ أخا رَسولِ اللَّهِ﵌ حينَ آخى بَينَ أصحابِهِ، فَآخى بَينَهُ وبَينَ نَفسِهِ، وقالَ: أنتَ أخي وأنَا أخوكَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قال: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، هَل تَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ اشتَرى مَوضِعَ مَسجِدِهِ ومَنازِلِهِ فَابتَناهُ، ثُمَّ ابتَنى فيهِ عَشَرَةَ مَنازِلَ؛ تِسعَةً لَهُ، وجَعَلَ عاشِرَها في وَسَطِها لِأَبي، ثُمَّ سَدَّ كُلَّ بابٍ شارِعٍ إلَى المَسجِدِ غَيرَ بابِهِ، فَتَكَلَّمَ في ذلِكَ مَن تَكَلَّمَ، فَقالَ﵌: «ما أنَا سَدَدتُ أبوابَكُم وفَتَحتُ بابَهُ، ولكِنَّ اللَّهَ أمَرَني بِسَدِّ أبوابِكُم وفَتحِ بابِهِ»، ثُمَّ نَهَى النّاسَ أن يَناموا فِي المَسجِدِ غَيرَهُ، وكانَ يُجنِبُ فِي المَسجِدِ ومَنزِلُهُ في مَنزِلِ رَسولِ اللَّهِ﵌، فَوُلِدَ لِرَسولِ اللَّهِ﵌ ولَهُ فيهِ أولادٌ؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قال: أفَتَعلَمونَ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ حَرَصَ عَلى كَوَّةٍ قَدرَ عَينِهِ يَدَعُها مِن مَنزِلِهِ إلَى المَسجِدِ، فَأَبى عَلَيهِ، ثُمَّ خَطَبَ﵌ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ أمَرَ موسى أن يَبنِيَ مَسجِداً طاهِراً لا يَسكُنُهُ غَيرُهُ وغَيرُ هارونَ وَابنَيهِ، وإنَّ اللَّهَ أمَرَني أن أبنِيَ مَسجِداً طاهِراً لا يَسكُنُهُ غَيري وغَيرُ أخي وَابنَيهِ»؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قالَ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ نَصَبَهُ يَومَ غَديرِ خُمٍّ، فَنادى لَهُ بِالوِلايَةِ وقالَ: «لِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ»؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قالَ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ قالَ لَهُ في غَزوَةِ تَبوكَ: «أنتَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى، وأنتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤمِنٍ بَعدي»؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قالَ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ حينَ دَعَا النَّصارى مِن أهلِ نَجرانَ إلَى المُباهَلَةِ، لَم يَأتِ إلّا بِهِ وبِصاحِبَتِهِ وَابنَيهِ؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم.
قالَ: أنشُدُكُمُ اللَّهَ، أتَعلَمونَ أنَّهُ دَفَعَ إلَيهِ اللِّواءَ يَومَ خَيبَرَ، ثُمَّ قالَ: «لَأَدفَعُهُ إلى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسولُهُ ويُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ، كَرّارٍ غَيرِ فَرّارٍ، يَفتَحُهَا اللَّهُ عَلى يَدَيهِ»؟ قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قالَ: أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ بَعَثَهُ بِبَراءَةَ، وقالَ: «لا يُبَلِّغُ عَنّي إلّا أنَا أو رَجُلٌ مِنّي»؟
قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم. قالَ: أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ لَم تَنزِل بِهِ شِدَّةٌ قَطُّ إلّا قَدَّمَهُ لَها ثِقَةً بِهِ، وأنَّهُ لَم يَدعُهُ بِاسمِهِ قَطُّ إلّا أن يَقولَ: يا أخي، وَادعوا لي أخي؟
قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم.
قالَ: أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ قَضى بَينَهُ وبَينَ جَعفَرٍ وزَيدٍ، فَقالَ لَهُ: «يا عَلِيُّ، أنتَ مِنّي وأنَا مِنكَ، وأنتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤمِنٍ ومُؤمِنَةٍ بَعدي »؟
قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم.
قالَ: أتَعلَمونَ أنَّهُ كانَت لَهُ مِن رَسولِ اللَّهِ﵌ كُلَّ يَومٍ خَلوَةٌ وكُلَّ لَيلَةٍ دَخلَةٌ؛ إذا سَأَلَهُ أعطاهُ، وإذا سَكَتَ أبدَأَهُ؟
قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم.
قالَ: أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ فَضَّلَهُ عَلى جَعفَرٍ وحَمزَةَ حينَ قالَ لِفاطِمَةَ﵍: «زَوَّجتُكِ خَيرَ أهلِ بَيتي؛ أقدَمَهُم سِلماً، وأعظَمَهُم حِلماً، وأكثَرَهُم عِلماً»؟
قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم.
قالَ: أتَعلَمونَ أنَّ رَسول َاللَّهِ﵌ قالَ: «أنَا سَيِّدُ وُلدِ آدَمَ، وأخي عَلِيٌّ سَيِّدُ العَرَبِ، وفاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِساءِ أهل ِالجَنَّةِ، وَابنايَ الحَسَنُ وَالحُسَينُ سَيِّدا شَبابِ أهلِ الجَنَّةِ»؟
قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم.
قالَ: أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ أمَرَهُ بِغُسلِهِ، وأخبَرَهُ أنَّ جَبرَئيلَ يُعينُهُ عَلَيهِ؟
قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم.
قالَ: أتَعلَمونَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ﵌ قالَ في آخِرِ خُطبَةٍ خَطَبَها: «أيُّهَا النّاسُ: إنّي تَرَكتُ فيكُمُ الثَّقَلَينِ؛ كِتابَ اللَّهِ وأهلَ بَيتي، فَتَمَسَّكوا بِهِما لَن تَضِلّوا»؟
قالوا: اللَّهُمَّ نَعَم.
فَلَم يَدَع شَيئاً أنزَلَهُ اللَّهُ في عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ﵇ خاصَّةً وفي أهلِ بَيتِهِ مِنَ القُرآنِ ولا عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ﵌ إلّا ناشَدَهُم فيهِ، فَيَقولُ الصَّحابَةُ: اللَّهُمَّ نَعَم، قَد سَمِعنا، ويَقولُ التّابِعِيُّ: اللَّهُمَّ قَد حَدَّثَنيهِ مَن أثِقُ بِهِ، فُلانٌ وفُلانٌ.
ثُمَّ ناشَدَهُم أنَّهُم قَد سَمِعوهُ﵌ يَقولُ: «مَن زَعَمَ أنَّهُ يُحِبُّني ويُبغِضُ عَلِيّاً فَقَد كَذَبَ، لَيسَ يُحِبُّني وهُوَ يُبغِضُ عَلِيّاً»، فَقالَ لَهُ قائِلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، وكَيفَ ذلِكَ؟
قالَ: «لِأَنَّهُ مِنّي وأنَا مِنهُ، مَن أحَبَّهُ فَقَد أحَبَّني ومَن أحَبَّني فَقَد أحَبَّ اللَّهَ، ومَن أبغَضَهُ فَقَد أبغَضَني ومَن أبغَضَني فَقَد أبغَضَ اللَّهَ»؟
فَقالوا: «اللَّهُمَّ نَعَم، قَد سَمِعنا. وتَفَرَّقوا عَلى ذلِكَ».162
الإمام الحسين وتعريف الأمة بالأئمة
وتتكثر الروايات عن الإمام الحسين﵇ في شأن المعصومين من بعد النبي، فقد روى الإمام الباقر عن أبيه عنه﵈ قال: قال رسول﵌ لعليٍّ بن أبي طالب﵇ يا علي أنا وأنت وابناك الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين أركان الدين ودعائم الاسلام، من تبعنا نجا ومن تخلّف عنا في النار163.
وإذا كان البعض يريد أن يميع موقف الإمام وأهل بيته من الذين تآمروا عليه وتعاهدوا وتواثقوا على إبعاده، فإن الحسين﵇ يصرح بذلك لأحد الأسديين كما نقلته ابنته فاطمة بنت الحسين، فعنها أنها قالت: جاء رجل من بنى أسد إلى أبي﵇، فقال ما بال القوم يأمروك (في المصدر هكذا ويحتمل أنها يأمرون) على أبيك ولم يؤمّروه؟ فقال: إن القوم تعاهدوا وتواثقوا أن لا يولّوها أبي.164
ولأجل الاطلاع على تفاصيل هذا الدور وهو توضيح الخط الصحيح في الأمة، والدلالة على القيادة العادلة المعصومة، يمكن مراجعة كتاب مسند الإمام الحسين ﵇، ففيه ما يبتغيه الطالب.
2. فضح المخطط الأموي في تحريف الإسلام والقضاء على حقيقته، بالرغم من أن الإمام الحسين﵇ كأخيه الحسن التزم بالعهد الموقع بين الإمام الحسن ومعاوية فلم يغير فيه شيئًا ولم يحرك ساكناً مع أن وفودًا كثيرة جاءت من الكوفة والبصرة، واستنهضته للثورة على الحكم الأموي وكان بعضهم من خُلَّص الشيعة، وعرضوا بين يديه مفاسد معاوية ولكن كانت اجابة الإمام واحدة المعنى وإن اختلفت ألفاظها؛ «فالصقوا بالأرض وأخفوا الشّخص واكتموا الهوى واحترسوا من الأظِنّاء ما دام ابن هند حيّاً، فإن يحدث به حدث -وأنا حيّ- يأتكم رأيي إن شاء اللّه».165وأجاب على كتب آخرين بما ذكره مؤرخون من أنه: «لما مات الحسن﵇ تحرّكت الشّيعة بالعراق، وكتبوا إلى الحسين﵇ في خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر: إنّ بينه وبين معاوية عهدًا وعقدًا لا يجوز له نقضه، حتّى تمضي المدّة، فإذا مات معاوية نظر في ذلك».166
ويجدر بنا أن نعرض باختصار للمخطط الأموي الذي رعاه معاوية بن أبي سفيان، في تغيير خط الخلافة ليكون أمويًّا وراثيًّا، بحيث يأتي من بعده يزيد ابنه، كخليفة للأمة فقد قام لذلك بالأمور التالية:
1. للتمهيد لمبايعة يزيد من بعده، قام بقتل من استطاع من المنافسين المحتملين ليزيد، بشكل هادئ وعلى طريقة التسميم الخفي، فبعد أن تعاون مع الأشعث بن قيس الكندي ليدس السم للإمام الحسن بن علي عن طريقة زوجته جعدة والتي تكون بنت الأشعث، مع وعد لها بأموال طائلة، وبزواجها من يزيد ابنه، فأغرى الأب والبنت بذلك ونفذت تلك الزوجة الخائنة ما أراد، فتخلص من الإمام الحسن الذي كان المنافس الأكبر لأنه قد تم التعاقد في وثيقة المهادنة على أن الحكم للحسن بن علي بعد معاوية.
وكان عبد الرحمن بن أبي بكر من أشد المعارضين لبيعة يزيد، وقد تصدى لمروان بن الحكم167 والي المدينة من قبل معاوية عندما قرأ على الناس كتابا يطالبهم بالبيعة ليزيد، فلما فرغ من قراءته نهض عبد الرحمن بن أبي بكر وقال: « والله ما الأخيار أردتم لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل، ولما وصل معاوية خبر موقف عبد الرحمن أرسل إليه يحمل مائة ألف درهم، يريد أن يتألفه بها، فرفضها وقال لرسول معاوية: ارجع اليه وقل له: ان عبد الرحمن لا يبيع دينه بدنياه.
الطريف في الأمر أن المؤرخين يقولون إن عبد الرحمن بعدها خرج قاصداً مكة، فمات هكذا فجأة قبل الوصول إليها، تماما مثلما مات سعد بن أبي وقاص فجأة، ومثلما مات عبد الرحمن بن خالد الوليد فجأة، ومثلما مات قبلهم الإمام الحسن﵇، ويغفل هؤلاء أو يتغافلون عن أن سياسة معاوية كانت تقوم على أساس الاغتيال إن لم تنفع الاستمالة، ولقد نبّه المرحوم العلامة العسكري لهذا المعنى في كتابه أحاديث أم المؤمنين عائشة وهو يحلل موقفها من الدولة الأموية، حيث يقول: «وفي المستدرك رقد في مقيل قاله فذهبوا يوقظونه فوجدوه قد مات فدخل نفس عائشة تهمة أن يكون صنع به شر وعجل عليه فدفن وهو حي، دَبَ الخلاف بين أم المؤمنين وبني أمية من جديد، ووقع الشر، وخسرت أم المؤمنين في هذه المعركة شقيقها عبد الرحمن، حيث مات ميتة مجهولة، بل ميتة معلومة حين مات في طريقه إلى مكة، كما مات الأشتر في طريقه إلى مصر، مات عبد الرحمن بن أبي بكر كما مات عبد الرحمن بن خالد، وسعد بن أبي وقاص، والحسن بن علي، مات هؤلاء جميعاً ليفسحوا المجال لأخذ البيعة ليزيد».168
ولم يكن سعد بن أبي وقاص أحسن حالاً منه، فإن سعداً وإن كان قد تخلف عن أمير المؤمنين عليّ﵇ إلا أنه لم يتداخل بالكامل مع السياسة الأموية، ويعرف له موقف سلبي من سبهم عليًّا بن أبي طالب﵇، وكان عند الناس يعتبر من كبار الصحابة، فإذا كان هناك مفاضلة بينه وبين يزيد من الطبيعي أن يُفضل على يزيد بل على أبيه! فهذا شخص من جهة له اعتبار اجتماعي وديني بين الناس، وليس متواصلاً بالكامل مع السلطة الأموية، لذلك يمكن أن يشكل خطراً على بيعة يزيد، ولذلك يقول الاصفهاني في مقاتل الطالبيين: «دس معاوية إليه -يعني للإمام الحسن- حين أراد أن يعهد إلى يزيد بعده وإلى سعد بن أبي وقاص سمًّا فماتا منه في أيام متقاربة».169
وثالث القوم كان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فبالرغم من شدة اخلاصه لمعاوية حيث قاتل إلى جانبه في صفين، وتولى له حمص وكان شديد الوطأة على شيعة الإمام علي﵇ وله معهم مواقف في غاية السوء، فإنه كان مثالاً لما هو معروف (من أعان ظالما سلطه الله عليه) هلمّ فلنستمع ما يقوله ابن عبد البر: «لما أراد معاوية البيعة ليزيد ابنه، خطب أهل الشام وقال لهم: يا أهل الشام، إنه قد كبرت سني وقرب أجلي، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظامًا لكم، وإنما أنا رجل منكم فأروا رأيكم، فأصفقوا واجتمعوا، وقالوا: رضينا بعبد الرحمن بن خالد، فشق ذلك على معاوية، وأسرها في نفسه، ثم أن عبد الرحمن مرض، فأمر معاوية طبيباً عنده يهوديًا-وكان عنده مكينًا- أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فانحرق بطنه، فمات».170
2. ومن تمهيده لبيعة يزيد تهيئة كبار ولاته، فإن بعضهم -وقد هزلت الخلافة إلى هذا المستوى- كان يطمع فيها ويتطلع لها، فأما المغيرة بن شعبه فقد اتخذها سلّمًا ليبقى والياً على الكوفة فلا يعزل بغيره، وأعطاه معاوية ما أراد بعدما أخبره المغيرة بأنه يكفيه أمر الدعوة لبيعة يزيد في الكوفة، ومروان سبق أن ذكرنا أن معاوية كلفه بالدعوة لبيعة ابنه وكان معاوية يرى نفسه في الربح على التقديرين فإن استجاب مروان لذلك ودعا لبيعة يزيد فلا معنى أن يتطلع للخلافة، وإن تقاعس عن هذه الدعوة كان ذلك مبررًا لعزله عن ولاية المدينة ثم لا يساوي فلسًا! بين الناس، وبقي زياد بن أبيه (الذي صار ابن أبي سفيان وأخًا لمعاوية) غير أنه ما لبث أن مات في الكوفة فأغلق ملفه!
3. وخلال تلك المدة حاول معاوية تلميع صورة يزيد بأمره إياه بأن يظهر بمظهر الصالحين وأن لا يتعالن بالفسق والفجور، فإنه كان معروفا به حتى قيل إن زياداً بن أبيه بعدما أمره معاوية أن يأخذ بيعة أهل البصرة ليزيد، أنف من ذلك وأجابه: «ما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبغات، ويدمن الشراب، ويمشي على الدفوف وبحضرتهم الحسين بن عليّ، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، ولكن تأمره يتخلق بأخلاق هؤلاء حولا أو حولين فعسينا أن نموه على الناس».171
فكان أن أمره بالذهاب إلى الحج في احدى السنوات، وأن يذهب مع الجيش ليغزو (في الصيف)172 وكان كلا الأمرين فضيحة جديدة له.
ماذا عمل الإمام الحسين في مواجهة هذا المخطط؟
لإفشال أي مخطط يدبر في السر ومن وراء الكواليس ما عليك إلا أن تعلنه وتعلن أشخاصه وأعمالهم على الملأ، وعندها سيفشل بالكامل أو سيتعسر تنفيذه، وهذا ما نعتقد أن الإمام الحسين﵇ قد صنعه، فإنه بدأ أولا برأس النظام الأموي فأرسل له رسالة كشف فيها جرائمه بحق الناس والدين، وبالطبع عندما تنتشر هذه الرسالة بين الناس ويعلمون عنها فإنها تحقق أغراضا متعددة؛ منها أنها تكسر حاجز الخوف عن الكلام والتصريح، وهذا ما تخافه السلطات، فقد قال أحدهم (إن لسان هذا أشد عليّ من مئة ألف سيف) وفي نفس الوقت تكشف ما وراء الثياب الظاهرية من قبائح.
إن الرسالة التي وجهها الإمام الحسين﵇ لمعاوية هي بمثابة محاكمة له ولعهده؛ عدد فيها بعنوان.. ألَسْتَ؟ ألَسْتَ؟ ما قام به معاوية في عهده.
غير أن الضربة الأكبر كانت لمخططه في البيعة لابنه يزيد، وهي عندما جاء إلى المدينة لكي يخبر الناس عن عزمه في ذلك، وذلك عندما جاء معاوية إلى المدينة بنفسه، فطلب أهم شخصيات المدينة حينها وفي طليعتهم الإمام الحسين﵇ وابن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر، وبعد أن اجتمعوا أخذ يتحدث عن يزيد، وعن نفعه للأمة، وأنه نظر إلى هذه الأمة، وقد كبر سنه، فرأى أنه لا بد أن يولي عليها أحداً، فلا يصح أن تترك هذه الأمة بلا وال، وأنه وجد يزيد الرجل المناسب لذلك وأخذ بمدحه، قالوا: إن ابن عباس أراد أن يقوم، لكن الإمام الحسين أشار إليه بالجلوس، فجلس بينما قام الحسين﵇ يرد على معاوية. فقال: بعد أن حمد الله وصلى على الرسول﵌ أما بعد يا معاوية فلن يؤدي القائل -وإن أطنب- في صفة الرسول﵌ من جميع جزءا، قد فهمت ما ألبست به الخلف بعد الرسول﵌من إيجاز الصفة، والتنكب عن استبلاغ البيعة، وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجرت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حق من أتم حقه بنصيب حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمة محمد﵌، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوباً أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المتهارشة عند التحارش، والحمام السبق لأترابهن، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصراً ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق أكثر مما أنت لاقيه، فو الله ما برحت تقدم باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص.173
والإمام الحسين﵇ هنا بعد أن وجه الاتهام لمعاوية بأنه استأثر حتى أجحف بسائر الناس، ومنع حتى بخل، وجار حتى تجاوز، عطف الكلام على يزيد الذي جاء أبوه يسوّقه بين من يعرفه ويعرف سيرته. فقال له: «كَأَنَّكَ تَصِفُ مَحْجُوبًا أَوْ تَنْعَتُ غَائِبًا»، أي: كأنك تتحدث عن أحد ليس معروفاً عندنا، كلا الرجل معروف عندنا تمامًا، وموقعه وخبراته وتوجهاته نعرفها، فينبغي أن تتركه مع ما هو خبير فيه من التحريش بين الكلاب المتهارشة، والسباق بين الحمام والطيور كما يفعل البطالون، والفتيات المغنيات وأدوات اللهو، فهذه الميادين تشهد بخبرته فيها، وأما الخلافة وسياسة الناس فهذا أمر غريب عنه وليس من قماشه ونسيجه!
ثم حذره بأن يومه قريب فلا ينبغي أن يجمع فوق سيئاته سيئات ابنه، وأوزاراً فوق أوزاره، إلا أن معاوية الذي أشرب قلبه حب ابنه، ورأى فيه الامتداد لوجوده لم يكن في وارد أن يسمع نصيحة من ناصح، وإنما حذر الحسين﵇ وباقي من حضر بأنه سيتحدث في المسجد عن هذا وسيقيم على رأس كل واحد منهم سيّافا فإن تكلم منهم أحد بكلمة ضرب عنقه من دون انتظار أمر وقد أعذر من أنذر.
معاوية يمضي لأمره تحت تهديد السيف
فأرسل إليهم، وأوعز إلى رئيس الحرس، فقال له: هؤلاء أربعة، اجعل على رأس كل واحد منهم اثنين من الحرس، بيدهم السيف، فلو قام واحد منهم ليتكلم بتصديق أو تكذيب، فليضربوا عنقه، من دون الرجوع إليك، ولا الرجوع إلي -أي لا يسألوا في ذلك الوقت أنضرب عنقه أم لا- فهذا أمر ناجز وجاهز، ولا بد أن يضرب عنقه مباشرة، وبالفعل كان ذلك، ولم يقم أحد من الجماعة، وبالتالي لو أن الحسين -في هذه الأثناء- قام لكان قد أهدر دم نفسه من دون فائدة تذكر، لكن التصدي من الإمام﵇ كان بهذا المستوى، وحاول أن يفسد خطة معاوية، وأن يبلغ هذا الأمر بين الناس، وهو بنفسه أيضاً لم يقبل هذه الولاية إلى أن مات معاوية في الخامس عشر من رجب سنة 60 هجرية.
لتبدأ المرحلة الثانية من المعارضة للمخطط الأموي، وبها ستبدأ مسيرة النهضة الحسينية ضد حكم يزيد.
الهوامش
- 150. لجنة التأليف، المجمع العالمي لأهل البيت : أعلام الهداية 4/68.
- 151. البخاري في مناقب عثمان - رقم الحديث: (1167 وصحيح مسلم - الحدود - حد الخمر - رقم الحديث: (3220 ح).
- 152. قال في مروج الذهب: إن الوليد بن عقبة كان يشرب مع ندمائه ومغنيه من أول الليل إلى الصباح، فلما آذنه المؤذنون بالصلاة خرج متفضلا في غلائله، فتقدم إلى المحراب في صلاة الصبح، فصلى بهم أربعا، وقال: أتريدون أن أزيدكم؟ وقيل: إنه قال في سجوده -وقد أطال-: اشرب واسقني.
- 153. فقال له بعض من كان خلفه في الصف الأول: ما تزيد! لا زادك الله من الخير، والله لا أعجب إلا ممن بعثك إلينا واليا، وعلينا أميرا. وكان هذا القائل عتاب بن غيلان الثقفي...وأشاعوا بالكوفة فعله، وظهر فسقه ومداومته على شرب الخمر، فهجم عليه جماعة من المسجد، منهم: أبو زينب بن عوف الأزدي، وجندب بن زهير الأزدي، وغيرهما، فوجدوه سكران مضطجعا على سريره، لا يعقل، فأيقظوه من رقدته، فلم يستيقظ. ثم تقيأ عليهم ما شرب من الخمر، فانتزعوا خاتمه من يده، وخرجوا من فورهم إلى المدينة؛ فأتوا عثمان بن عفان، فشهدوا عنده على الوليد أنه شرب الخمر.فقال عثمان: وما يدريكما أنه شرب خمرا؟!فقالا: هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية؛ وأخرجا خاتمه، فدفعاه إليه، فزجرهما، ودفع في صدورهما، وقال: تنحيا عني.فخرجا من عنده وأتيا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وأخبراه بالقصة. فأتى عثمان وهو يقول: دفعت الشهود، وأبطلت الحدود!!فقال له عثمان: فما ترى؟قال: أرى أن تبعث إلى صاحبك فتحضره، فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه ولم يدرأ عن نفسه بحجة أقمت عليه الحد!فلما حضر الوليد، دعاهما عثمان: فأقاما الشهادة عليه، ولم يدل بحجة، فألقى عثمان السوط إلى علي...فلما نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحد عليه؛ توقيا لغضب عثمان؛ لقرابته منه، أخذ عليٌّ السوط ودنا منه. فلما أقبل نحوه سبه الوليد، وقال: يا صاحب مكس.
- 154. المسعودي؛ مروج الذهب ومعادن الجوهر ٢/٣٤١:..وأمر عثمان ان يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة، فلما طلع عن المدينة ومروان يسيره عنها طلع عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعه ابناه الحسن والحسين وعقيل اخوه وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر، فاعترض مروان فقال: يا علي إن أمير المؤمنين قد نهى الناس ان يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك، فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط وضرب بين أذني راحلته، وقال: تنحَّ نحاك الله إلى النار، ومضى مع أبي ذر فشيعه ثم ودعه وانصرف، فلما أراد علي الانصراف بكى أبو ذر، وقال: رحمكم الله أهل البيت، إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرت بكم رسول الله﵌، فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب، فقال عثمان: يا معشر المسلمين من يعذرني من علي؟ ردَّ رسولي عما وجهته له، وفعل كذا، والله لنعطينه حقه، فلما رجع علي استقبله الناس، فقالوا له: إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر، فقال علي: غضب الخيل على اللجُم.. (أي لا يهمني ذلك ولا يؤثر فيّ).
- 155. البلاذري؛ أنساب الأشراف 5/498 قال: (إن عثمان شكا عليًّا إلى العباس فقال له: يا خال إن عليا قد قطع رحمي وألب الناس ابنُك والله لئن كنتم يا بني عبد المطلب أقررتم هذا الأمر في أيدي بني تيم وعدي، فبنو عبد مناف أحق أن لا تنازعوهم فيه ولا تحسدوهم عليهم).
- 156. ابن خلدون؛ تاريخ ابن خلدون ٢ق١ /١٢٩.
- 157. الطبري؛ تاريخ الطبري ٣/٣١٤.
- 158. المدني، ضامن بن شدقم الحسيني، وقعة الجمل /١٢٥.
- 159. من كلام أمير المؤمنين﵇: «فلمّا نهضتُ بالأمر نكثت طائفة، ومرقت اُخرى، وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله سبحانه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
- 160. المنقري، ابن مزاحم: وقعة صفين: 115.
- 161. المنقري /٢٤٩.
- 162. الطبري 4/218. حدثني عمر قال حدثنا علي بن محمد عن جويرة بن أسماء عن أشياخه أن معاوية كان يغري بين مروان وسعيد بن العاص فكتب إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة اهدم دار مروان فلم يهدمها فأعاد عليه الكتاب بهدمها فلم يفعل فعزله وولى مروان! وفي تفصيل القصة قال: أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص يأمره بقبض أموال مروان كلها فيجعلها صافية ويقبض فدك منه وكان وهبها له فراجعه سعيد بن العاص في ذلك وقال قرابته قريبة فكتب إليه ثانية يأمره باصطفاء أموال مروان فأبى وأخذ سعيد بن العاص الكتابين فوضعهما عند جارية فلما عزل سعيد عن المدينة فوليها مروان كتب معاوية إلى مروان بن الحكم يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص بالحجاز وأرسل إليه بالكتاب مع ابنه عبدالملك فخبره أنه لو كان شيئا غير كتاب أمير المؤمنين لتجافيت فدعا سعيد بن العاص بالكتابين اللذين كتب بهما معاوية إليه في أموال مروان يأمره فيهما بقبض أمواله فذهب بهما إلى مروان فقال هو كان أوصل لنا منا له وكف عن قبض أموال سعيد.وكتب سعيد بن العاص إلى معاوية العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا أن يضغن بعضنا على بعض فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأجنبيين وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء وتوارث الأولاد ذلك فوالله لو لم نكن بني أب واحد إلا بما جمعنا الله عليه من نصر الخليفة المظلوم واجتماع كلمتنا لكان حقا علينا أن نرعى ذلك والذي أدركنا به خير فكتب إليه يتنصل من ذلك وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده.
- 163. في الكافي 1/327 باب فيه أن الأئمة﵈ لم يفعلوا شيئا ولا يفعلون إلا بعهد من الله عز وجل وأمر منه لا يتجاوزونه.
- 164. نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري. مؤسس فرقة الأزارقة إحدى فرق الخوارج. قتل سنة 65هـ، بعد أن شارك الخوارج عبد الله بن الزبير في حربه للأمويين انقسموا إلى فرق منها ما سمي فيما بعد بالأزارقة نسبة إليه، ومع أنهم حاربوا مع عبد الله بن الزبير أول أمرهم إلا انهم ما لبثوا أن حاربوا أنصاره في جنوب ايران، واصطدموا مع الأمويين بقيادة المهلب بن أبي صفرة، وقتل نافع هذا في إحدى معارك الأهواز.
- 165. انتقاد منهج القياس وتخطئته كان منذ زمان أمير المؤمنين﵇ فإنه تنقل عنه كلمة تشبهها كلمة الإمام الحسين﵇ هنا. ولا يعود إلى زمان الإمام الصادق وأيام أبي حنيفة النعمان، ولعل الانتقاد لهذا المنهج باعتبار أن التيار القرشي كان يوظف هذا المنهج في العقائد وهو أسوأ من توظيفه في الفقه والفروع.
- 166. فيه رد على القائلين بإمكان رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، في تفسيرهم الظاهري لقوله تعالى إلى ربها ناظرة.
- 167. فإن هؤلاء شبهوا ربهم بخلقه، فكما فسروا مثل آية ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ باليد (عضو البدن) وزعموا أنها يد متناسبة مع عظمة الله!! فانتهوا إلى التجسيم، بل أكثر من هذا لقد شبهوه تشبيها كاملا بخلقه فأحدهم قد كتب كتابا في أن عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن، ذكر فيه الأحاديث الصحيحة الواردة في خلق آدم على صورة الرحمن وفيما يتعلق بمجيء الرحمن يوم القيامة على صورته وأوضح أن الضمير في الحديث في خلق آدم على صورته يعود إلى الله عز وجل!! أقول: لقد تعرضنا لمنبع هذه الفكرة وأساسها في كتابنا: من قصة الديانات والرسل، فليراجع.
- 168. سورة الكهف: آية 82.
- 169. ( ابن عساكر؛ تاريخ مدينة دمشق ١٤/١٨٤ وكذلك الشيخ الصدوق في التوحيد/٨٠.
- 170. ابن أبي الحديد؛ شرح نهج البلاغة ١١/٤٤ «وروى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتاب (الاحداث) قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليًّا ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي﵇ فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي﵇».
- 171. روى الزبير بن بكار في الموفقيات /576 ونقله كذلك المسعودي في مروج الذهب 3/454 ما يلي: قال المطرف بن المغيرة بن شعبة:دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه فيتحدّث معه، ثم ينصرف اليّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتمّا فانتظرته ساعة، وظننت أنه لأمر حدث فينا فقلت: ما لي أراك مغتمّا منذ الليلة؟ فقال يا بنيّ، جئت من أكفر الناس وأخبثهم. قلت: وما ذاك؟ قال :قلت له وقد خلوت به: انك قد بلغت سنّا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا، وبسطت خيرا فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى اخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فو اللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه، وانّ ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه؟ فقال: هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك، حتى هلك ذكره الّا أن يقول قائل: أبو بكر.ثم ملك أخو عديّ، فاجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، الّا أن يقول قائل: عمر.وانّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرات (أشهد أنّ محمدا رسول اللّه) فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟ لا واللّه الّا دفنا دفنا!.
- 172. الوافي 15/179.
- 173. الجميل أن الآيات المباركات في قضية الأجر ومودة ذوي القربى تأخذ الواحدة منها بعنق الأخرى لتنتج نتيجة مهمة، فهو من جهة يقول:﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ الشورى: 23 فهذا هو بمثابة الأجر، لكنه هل هو عائد لي أنا النبي أو هو عائد لكم؟ تجيبنا آية أخرى على ذلك ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ سبأ: 47 فما دام لكم نفعه ونتائجه، هل هو لكل الخلائق؟ كلا وإنما هناك فئة يمكن أن تتخذ المودة طريقا للنجاة عندما تنسجم مع تلك القرابة وتقبل هديها وإرشادها إذ لا يتصور أن يعادي أحد شخصا ثم يتبعه في حياته ومساره، وإنما لكي يتبعه فلا بد أن يواده ويحبه، فهم فئة أرادوا أن يتخذوا سبيلا إلى الله وطريقا له ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ الفرقان: 57.