وقد تصدر الموضوع العلمي والبناء العقدي الصحيح، قائمة اهتمامات الإمام الحسين﵇، فهو بالإضافة إلى ما تقدم كان يرى المخطط الأموي يسير بشكل ممنهج في طمس خط الولاية العلوية لأمير المؤمنين﵇، فانظر إلى المسار العجيب الذي انتهت إليه الأمة، فبينما هي تتسابق لتقول: بخٍ بخٍ لك يا علي، أصبحتَ مولى كل مؤمنة ومؤمنة، فإذا بها تبعد عليّاً﵇ عن الحكم والإدارة وإذا به يرتئي بين (أن يصول بيد جذّاء -مقطوعة حيث لا ناصر- أو يصبر على طخية -شدة الظلمة- عمياء)، حتى إذا مضى واحدهم بعد الآخر ها هي تنتقض عليه من الأطراف (فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون) وجاء بعدهم رحب البلعوم ليقرر شتم الإمام سنة أموية ثابتة على كل منبر، ومنع الحديث158عن فضائل علي﵇ حتى من أقرب أقربائه وأصحابه.
وقد يتصور أن المسألة هي مجرد عداء شخصي بين معاوية والامام علي، وليس كذلك فقط وإنما الجانب المهم منه هو منهج في مقابل منهج، منهج يرى أنه (تلاقفوها كما يتلاقف الصبيان الكرة، فما من جنة ولا نار)، وأنه (هذا ابن أبي كبشة ينادى به كل يوم خمس مرات لا والله إلا دفنًا دفنًا)،159وآخر يرى أنه(اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فصول الخصام ولكن لنرد المعالم من دينك ويظهر الإصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك)160.
ولذلك فإننا نعتقد أن الأئمة﵈ ومنهم الإمام الحسين عندما كانوا يدافعون عن الإمام علي﵇ وينشرون فضائله ومناقبه لم يكونوا يعملون ضمن مشروع شخصي أو عائلي، فهذا هو منطق أعدائهم وإنما كانوا يتحركون ضمن مسار رسالي مبدئي، بل إننا نعتقد أن أصل فكرة أحاديث المناقب والفضائل التي كانت عن رسول الله ﵌، كانت ضمن هذا الإطار، فلم يكن النبي قادماً ليمدح هذا أو ذاك، أو يصنع فخرا لهذه الأسرة أو تلك، وإنما الغرض هو هداية ﴿مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.161
لهذا كان الإمام الحسين﵇ يأخذ على عاتقه أمر التبشير بالمنهج الحق، المتمثل في ولاية أمير المؤمنين﵇ وولده، وكان لهذا الغرض يبشر بفضائل الإمام ومناقبه، وميزاته، وقد أورد الشيخ العطاردي في مسنده عن الإمام الحسين﵇ 69 حديثا مما روي عن الإمام الحسين﵇ في فضائل أبيه وميزاته، ولزوم اتباعه، وأيضا في أهل البيت﵈، منها 20 حديثاً في شأن الإمام علي﵇، ونورد بعضها لنبين الدور الأهم الذي اضطلع به الإمام الحسين في هذه الفترة، فمن ذلك:
1. ما صنعه في منى أيام التشريق، ونلفت نظر القارئ العزيز إلى خصوصيات في هذه الرواية، لجهة الزمان وهو أيام التشريق حيث يجتمع الناس في منى من كل القبائل والبلدان، ينتظرون يوم الإفاضة في الثاني عشر من ذي الحجة، ويفترض أنهم ليسوا مشغولين بأعمال استثنائية عبادية أو غيرها، والمكان هو منى، فإذا بالإمام الحسين﵇ يطلب من أهل بيته أن يجتمعوا وأن يدعوا الناس من مهاجرين وأنصار وأهل مكة والمدينة وغيرهما ليشهدوا ما سيقوله حتى بلغوا ما يقرب من (900 شخص) وكلفهم بإبلاغ ما يقول إلى عشائرهم وقبائلهم ومناطقهم، وكان ذلك في أواخر أيام معاوية.