سيرة الإمام الحسين من سنة ٥٠ إلى ٦٠هـ

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

شِيَمٌ ما جُمِعنَ في بَشَرٍ قَط

وَلا حازَ مِثلَهُنَّ العِبادُ

خُلُقٌ يُخجِلُ النَسيمَ مِنَ العَط

فِ وَبَأسٌ يَذوبُ مِنهُ الجَمادُ

فهو الحاكم والزاهد، وهما قلَّ أن يجتمعا، والشجاع الحليم وهما كذلك إذ لا تستدعي الشجاعة الحلم، والفاتك الناسك؛ كيف يكون ناسكاً بعيداً عن الدنيا مشغولا بالعبادة وهو فاتك في نفس الوقت؟ وفقير لكنه جواد مع أن الفقر يستدعي الحفاظ على القرش، وصاحب البأس الذي يذوب منه الجماد بينما خلقه يخجل النسيم من لطفه، إن المعروف عن رجل المعارك العسكري أنه لا يفهم غير لغة القوة والانتصار الحربي بينما علي في نفس الوقت الذي كان هكذا عندما يتحدث عن معارف التوحيد تعجز الكلمة منه أذهان العلماء الذين صرفوا عمرهم في التحقيق والتدقيق.

هذا يشير إلى أن التنميط في صورة المعصومين (بل ربما في غيرهم) ليس صحيحاً لأنه يفترض جانباً واحداً ويؤطر حياة المعصوم كلها به، ولو أخذنا مثالاً آخر هو الصورة النمطية عند الناس عن الإمام الحسين﵇ فإنهم يرون أنها صورة الثائر المضحي الذي لا يعرف غير لغة الشهادة والدم في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وهذا (كأحد الجوانب) صحيح ولا غبار عليه، لكنه ليس كامل الصورة فإن هذه الصورة إنما شكلها مدة خمسة أشهر من الزمان ليس أكثر، وهي ما كانت تقتضي الظروف حينها، لكنه في موضع آخر تجده عالماً ربانياً ومتكلماً في العقائد من طراز أبيه أمير المؤمنين، وفقيها في مسائل الفقه وهكذا، وربما نتعرض إلى الجانب العلمي في حياة الإمام الحسين في موضع آخر لكننا نورد مثالاً سريعاً هنا وهو ما جرى بين الإمام الحسين﵇ وبين أحد زعماء الخوارج وهو نافع بن الأزرق.152

فقد ذكر ابن عساكر بسنده عن ابن عباس أنه بينما هو يحدث الناس، إذ قام إليه نافع بن الأزرق فقال له: يا بن عباس تفتي الناس في النملة والقملة! صف لي إلهك الذي تعبد؟ فأطرق ابن عباس إعظامًا لقوله، وكان الحسين بن علي جالسًا ناحية، فقال: إلي يا بن الأزرق، قال: لستُ إياك اسأل. قال ابن عباس: يا بن الأزرق إنه من أهل بيت النبوة وهم ورثة العلم، فأقبل نافع نحو الحسين، فقال له الحسين: يا نافع إن من وضع دينه على القياس،153 لم يزل الدهرَ في الالتباس، سائلًا إذا كبا عن المنهاج ظاعنًا بالاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل، يا ابن الأزرق: أصف إلهي بما وصف به نفسه وأعرفه بما عرف به نفسه؛ لا يدرك بالحواس،154 ولا يقاس بالناس،155 قريبٌ غير ملتصِق، وبعيدٌ غير منتقَص، يوحَّد ولا يبعَّض، معروفٌ بالآيات، موصوفٌ بالعلامات لا إله إلا هو الكبير المتعال. فبكى ابن الأزرق وقال: يا حسين ما أحسن كلامك، قال له الحسين: بلغني أنك تشهد على أبي وعلى أخي بالكفر وعليَّ، قال ابن الأزرق: أما والله يا حسين لئن كان ذلك لقد كنتم منار الإسلام ونجوم الأحكام.

فقال له الحسين: إني سائلك عن مسألة، قال: سل، فسأله عن هذه الآية ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾156يا ابن الأزرق من حُفظ في الغلامين؟ قال ابن الأزرق: أبوهما، قال الحسين: فأبوهما خيرٌ أم رسول الله﵌؟ قال ابن الأزرق: قد أنبأ الله تعالى أنكم قوم خصمون.157