ويظهر أن تبادل هاتين الرسالتين كان في وقت مبكر بعد سنة 50هـ بحسب ما يظهر منها، فإن الوقائع التي ذكرت فيها بعضها في حدود سنة 46هـ (ادعاء زياد وتوليته الكوفة)، وبعضها في أول سنة 50هـ (شهادة عمرو بن الحق الخزاعي) وبعضها في حدود 51هـ (شهادة حجر بن عدي الكندي)، ومع ذلك فإنها تعكس سياسة كلٍّ من الطرفين تجاه خصمه، فإن معاوية بالفعل لم يكن في صدد خوض معركة مفتوحة وعنيفة ضد الإمام الحسين﵇، وإن كان يسعى لقتل كبار شيعة أمير المؤمنين والتضييق عليهم وفي نفس الوقت لم يكن يلزم نفسه بقانون أو وثيقة عهد، وكذلك يتحرك في تثبيت أسس الحكم الأموي.
وفي المقابل كان الإمام الحسين﵇، مع التزامه بنفس خطة الإمام الحسن المجتبى﵇ التي سار عليها خلال عشر سنوات (من سنة 40هـ إلى سنة 50هـ)، لا يرغب في مواجهة ساخنة أو تصعيد عسكري في زمان معاوية، مع إعلانه انحرافه عن المنهج القويم، إلى الحد الذي يرى أن فتنة ولايته أعظم فتنة ابتليت بها الأمة، وأنه لو كان ينبغي أن يستغفر من ذنب لكان من عدم نهوضه في وجهه.
ويقرر الباحثون أن الطريقة التي أدار بها الإمام الحسين﵇ قضايا المجتمع وشؤون الامامة في الفترة ما بين (50هـ - 60هـ) هي نفس الطريقة التي كان قد سار عليها الإمام الحسن المجتبى في الفترة ما بعد المهادنة مع معاوية، وذلك أننا نعتقد أن القائد الحكيم لو نظر إلى تلك الظروف وقدّرها لم يكن ليتجاوز الخطوط التي سار عليها الإمام الحسن﵇، والظروف هي نفسها استمرت إلى ما بعد شهادته، فاستمر الحسين﵇ في نفس تلك السياسة، ولو نظرنا إلى هذه الرسالة ولاحظنا طريقة الإمام الحسن سواء في محاوراته مع معاوية أو مخاطباته لوجدنا نفس الأسلوب حتى أنه ليكاد يمكن نسبة خطاب كل من الإمامين للآخر.
أن أئمة الهدى﵈ بما نعتقده فيهم من التسديد الإلهي لأدوارهم،151 وبمقتضى الحكمة العالية التي كانوا يملكونها، كان كل منهم لو فرض وجوده في نفس ظروف الاخر لاتخذ الخطة والأسلوب الذي اتخذها الإمام الآخر.
فلو فرضنا جدلاً أن الإمام الصادق﵇ كان في زمان الإمام الحسن، لكان يتخذ نفس الطريقة التي مارس فيها الإمام الحسن دوره لماذا؟ لجهة إلهية تسديدية، ولمقتضى الحكمة. وهكذا لو انعكس الأمر بأن كان الإمام الحسن في زمان الإمام الصادق لقام بما تقتضيه الحكمة والتسديد الإلهي من دور مشابه للدور الذي قام به الإمام الصادق على أرض الواقع.
وهذا ينفي ما زعمه البعض من أن الإمام الفلاني مثلاً كان مزاجه مزاج مهادنة ومسالمة، فاتخذ هذا الطريق، ومزاج الإمام الآخر كان مزاجاً حربياً وعسكرياً، فاتخذ طريق الثورة، ومزاج الإمام الثالث كان مزاج التعليم والتدريس فاتخذ طريق التدريس.
لم يكن الأمر هكذا مزاجياً أو خاضعاً للجهات الشخصية، وإنما نعتقد فيه جانبين: جانب إلهي من التسديد وجانب حِكَمي تقتضيه أفضل أساليب إدارة الصراع في ذلك الوقت.
هذا مع أن تشكيل صورة نمطية أحادية البعد لهذا الإمام أو ذاك هو أمر غير صحيح، ولا يصدقه التاريخ فضلاً عن العقيدة، فإن التاريخ يشير إلى أن أمير المؤمنين﵇ مع أن الصورة النمطية المتشكلة له عند الناس هو أنه البطل المغوار خواض الحروب قالع باب خيبر وقاتل عمرو بن عبد ود.. الخ. لكنه هو نفسه ذلك الذي وصفه صفي الدين الحلي:
زاهِدٌ حاكِمٌ حَليمٌ شُجاعٌ
ناسِكٌ فاتِكٌ فَقيرٌ جَوادُ