سيرة الإمام الحسين من سنة ٥٠ إلى ٦٠هـ

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

فلما وصل الكتاب إلى الحسين﵇، كتب إليه: (أما بعد فقد بلغني كتابك، تذكر أنه قد بلغت عني أمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير، فإن الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد إليها إلا الله. وأما ما ذكرت أنه انتهى إليك عني، فإنه إنما رقاه إليك الملاقون المشاؤون بالنميم، وما أريد لك حرباً ولا عليك خلافاً، وأيم الله إني لخائف الله في ترك ذلك، وما أظن الله راضياً بترك ذلك ولا عاذراً بدون إلا عذار فيه إليك، وفي أوليائك القاسطين الملحدين حزب الظلمة وأولياء الشياطين، ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الإيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة، لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ولا بإحنة تجدها في نفسك؟ أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله﵌، العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، واصفر لونه، بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه، ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل؟ ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافاً بذلك العهد، أو لست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله﵌: (الوالد للفراش وللعاهر الحجر) فتركت سنة رسول الله﵌ تعمداً، وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلطته على العراقين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك؟ أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم كانوا على دين عليٍّ صلوات الله عليه، فكتبت إليه: (أن أُقتل كل من كان على دين علي) فقتلهم ومثل بهم بأمرك، ودين علي﵇ والله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي جلست، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين. وقلت فيما قلت (انظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد، واتق شق عصا هذه الأمة وأن تردهم إلى فتنة) وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني، ولأمة محمد﵌ علينا أفضل من أن أجاهدك، فإن فعلت فإنه قربة إلى الله، وإن تركته فإني أستغفر الله لذنبي وأسأله توفيقه لإرشاد أمري. وقلت فيما قلت (إني إن أنكرتك تنكرني، وإن أكدك تكدني) فكدني ما بدا لك، فإني أرجو أن لا يضرني كيدك فيّ، وأن لا يكون على أحد أضر منه على نفسك علي، إنك قد ركبت بجهلك، وتحرصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والايمان، والعهود والمواثيق، فقتلهم من غير أن يكونوا قاتلوا أو قتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا، فابشر يا معاوية بالقصاص واستيقن بالحساب، واعلم أن لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وليس الله بناس لأخذك بالظنة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب، لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك وتبرت دينك وغششت رعيتك وأخرجت أمانتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقي لأجلهم، والسلام).