الغريب أنه لم يذكر هذا أي مؤرخ قبله! وغاية ما ذكروه بين مجمل ومفصل أنه كان سيعزله عن ولاية الري ويحرمه من الرئاسة وأما التهديد بالقتل فلم يذكره أحد! إلا عند ابن سعد حيث قال: «.. وقد كان استعمله قبل ذلك على الري وهمذان، وقطع ذلك البعث معه، فلمّا أمره بالمسير إلى حسين تأبّى ذلك وكرهه واستعفى منه، فقال له ابن زياد: اُعطي الله عهداً لئن لم تسر إليه وتقدم عليه لأعزلنّك عن عملك واهدم دارك واضرب عنقك! قال: إذن أفعل»!
إن المؤرخين يذكرون أنه لما استعفى طلب منه التنحي عن أمر الري! فاستمهله ليلته ونقلوا على لسانه الشعر المشهور، الذي انتصر فيه أخيرا جانب الدنيا على الدين، ولم يكن هناك تهديد بالقتل إلا إذا كان الحرمان من الرئاسة يعني بالنسبة له الموت.
7. وفي الوقت الذي ينفي فيه المؤرخون الأثبات ما زعم من أن الإمام الحسين ﵇ قد عرض على عمر بن سعد أن يذهب إلى بعض الثغور ليجاهد أو يأتي يزيد فيضع يده في يده، ينفون كل ذلك بما قاله شاهد العيان الصادق عقبة بن سمعان مولى الرباب: «صحبت حسيناً فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس».27
يخالف ذلك ابن سعد فيثبت ما هو منفي، وأنهم أصروا على أن يضع يده بيد ابن زياد لا بيد يزيد، فلم يقبل الحسين. 28
ليس هذا فحسب بل يزعم بأنه عندما بلغ ابن زياد ذلك، همّ أن يخلي عن الحسين، وقال ما عرض لشي من عملي - يعني لم يهددني بشيء-
سبحان الله فأين إذن رسائله وأوامره لعمر بن سعد بأن إذا قتل الحسين فليوطىء الخيل صدره وظهره؟ كما نقله أكثر المؤرخين؟
8. الكذب الصريح على لسان الإمام السجاد﵇:
هكذا يأتي ابن سعد فيقول: قال علي بن حسين، وكأنه كان جالسا بجانبه يحدثه! ثم ينقل قصة لا أصل لها ولا فرع! وإنما هي من مختلقات الزبيريين29، وهم تقاسموا مع العباسيين تشويه التاريخ الإسلامي لا سيما ما يرتبط بأهل البيت ﵈.
«قال علي بن حسين: فغيّبني رجل منهم وأكرم نزلي واحتضنني وجعل يبكي كلّما خرج ودخل حتى كنت أقول: ان يكن عند أحد من الناس وفاء فعند هذا، إلى أن نادى منادي ابن زياد: ألا من وجد علي بن حسين فليأت به فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم.
قال: فدخل والله عليّ وهو يبكي وجعل يربط يدي إلى عنقي! وهو يقول: أخاف! فأخرجني والله إليهم مربوطاً حتى دفعني إليهم واخذ ثلاثمائة درهم وأنا أنظر إليها».