وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية كل ذلك يأبى... فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم ومرة يجمع الإقامة.24وأسوأ ما في هذا النص اظهار الامام الحسين﵇ على أنه في حالة من التردد والهموم، مرة يريد أن يسير وأخرى يجمع على الاقامة، وهذا من الكذب الصريح الذي لا شاهد تاريخي له. وقد ذكرنا مواقف الامام الحسين﵇ الثابتة في فصل السيرة، فهو في أيام معاوية صرح لمعاوية ولغيره بأنه ملتزم بالهدنة وبما عاهد عليه أخوه الحسن، وأما بعد معاوية فكان مختلفاً إذ قال (يزيد رجل فاسق فاجر شارب الخمور.. ومثلي لا يبايع مثله) فأين هي الهموم التي يزعمها ابن سعد؟
4. الزعم بأن يزيد كان قد أخبر واليه الوليد بن عتبة بأن أباه عهد إليه بالرفق بالحسين واستصلاح أمره، كما ذكر في الطبقات « فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن اويس العامري إلى الوليد بن عقبة بن أبي سفيان وهو على المدينة: أن ادع الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي، فإنّ أمير المؤمنين عهد إليّ في أمره الرفق به واستصلاحه» وهذا مخالف تماماً لما نقله باقي المؤرخين ولا سيما المؤرخ الثبت أبو مخنف، ونقله عنه الطبري، وابن الأثير، كما نقله ابن أعثم، حيث جاء عن أبي مخنف بعد الرسالة العامة «وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام»25، فأين هذا من الرفق والاستصلاح؟
5. ومن نكات الزمان!! ما ذكره في كتابه26من (توصية) مروان بن الحكم لعبيد الله بن زياد بالحسين فإنه ابن فاطمة! وما أحد أحب إليه من الحسين! ويحذره بأن لا يهيج على نفسه ما لا يسده بشيء! يعني بقتله أو إيذائه!
العجيب أنه لتوه قد نقل قبل صفحات بأن مروان الذي كان يدأب على لعن أمير المؤمنين عليٍّ﵇ كان قد اشتبك لفظيا مع الحسين وتسابا، فقال له مروان: إنكم أهل بيت ملعونون!! (خلافا للقرآن الذي جعلهم أهل بيت مطهرين من الرجس تطهيرا)! فكيف يقول هذا الكلام هنا ويقول ذلك الكلام هناك؟
وألم يلتفت ابن سعد وهو الذي ذكر أنه ينقل عن جماعة منهم أبو مخنف بوسائط!! فهل نسي أن أبا مخنف قد ذكر (كما في الطبري) بأن الوليد الذي أراد أن ينهي المقابلة بينه وبين الحسين بسلام.. واجهه مروان بأن يكتف الحسين ثم يطلب منه البيعة فإن أبى فليضرب عنقه، وإلا فإن مروان نفسه سيضرب عنق الحسين!! فهل من يكون هكذا في وقاحته مع الحسين سباً وشتماً وتهديداً ورغبةً في القتل، ينصح ابن زياد قائلا له: بأنه ما من أحد أحب إليه من الحسين؟
وهكذا حال عمرو بن سعيد الأشدق الشامت المتشفي بقتل الحسين، والذام له علناً أمام الناس في الخطبة! لكن التناقضات لا حدود لها عند ابن سعد في ترجمته! وهي التي سنراها تنتقل في الكتب من بعده!
6. وإذا كان هؤلاء من مروان وأضرابه بهذه الرقة والحنان في شأن الحسين﵇، فماذا يقول ابن سعد في شأن عمر بن سعد الزهري؟ لقد كان مجبورا لأنه لو لم يذهب لقتال الحسين لكان قد ضرب ابن زياد عنقه!