تغييب القضية الحسينية بتشويه المصادر
يستبطن العنوان الرئيسي قضية أُخذت مسلمة وهي أن القضية الحسينية غائبة على مستوى الأمة، وأن ذلك تم بتخطيط ولم يأت اعتباطاً أو عفواً.. فهل ينبغي أن يسار بهذا النحو أو لا بد من الرجوع إلى الخلف لكي نرى ما إذا كانت بالفعل هذه القضية غائبة أو لا؟
إننا نفترض أن الحوادث الكبيرة في تاريخ الأمم تستدعي أن تحتفي هذه الأمم جيلاً بعد جيل بتلك الحوادث لكي تأخذ الأجيال عمن سبقها دروس تلك الحوادث، وتتشبع بقيمها، ولذلك جرت العادة بين أبناء البشر في كل منطقة جغرافية على أخذ بعض الأيام للاجتماع فيها واستذكار أحداثها.. وتختلف هذه الحوادث (من حروب وانتصارات أو مراسم دينية أو تأسيس دولة أو غيرها) لكنها تجتمع على أصل الموضوع.
ونعتقد أن أهم الأحداث التي مرت في تاريخ الأمة الإسلامية هي تلك التي ترتبط برسالة النبي المصطفى﵌، حيث كانت ترتبط من جهة بالله الذي أرسل رسوله وتكتسب عظمتها من جهة المرسِل كما أنها أيضاً تكتسب أهمية لجهة الرسول المصطفى وجهده الذي بذله، وأخيرا النجاح والتأسيس الذي تم على يده حتى صنع أمة هي خير الأمم.
لذلك كانت المناسبات المرتبطة بالنبي من ولادته الشريفة إلى بعثته المباركة إلى سائر شؤونه، مما ينبغي الاهتمام به من قبل كل مسلم ومسلمة، يستجلي منها دروس الحياة والفلاح، مثلما يعمق بواسطتها محبته ومودته لرسول الله﵌. ولقد حضّ القرآن الكريم على التأمل في حياة سيد الأنبياء بقوله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾4.
وتعتبر نهضة الامام الحسين﵇ وشهادته في كربلاء، بعد مناسبات رسول الله﵌، أهم5 الحوادث التي حدثت في تاريخ الأمة، سواء كان لجهة الشخصية الفاعلة فيها وهو ابن بنت النبي وسيد شباب أهل الجنة والامام بالحق، فإن هذا كله يجعل الحدث استثنائياً6.
كذلك فإن المهمة التي قام من أجلها الحسين وبذل مهجته ونفسه الزكية في ذلك كانت على مستوى الدين كله، والأمة بأجمعها ولم يختص ذلك بفترة زمنية وإنما كانت نتيجة عمله أن حمى الإسلام وصان بناءه من الانهدام إلى الأبد، وإلا لكان الدين الإسلامي لا يتجاوز في بقائه ما حصل للديانات الأخر من اليهودية والنصرانية عندما قام طغاة تلك الأمم بالتعاون مع كذبة الأحبار والرهبان، فضيعوا دين الله الأصيل وحرفوا كتبه! فالمهمة التي نهض لها الإمام الحسين﵇ كانت بهذا المستوى.
وأخيرا فإن الشهادة التي حصلت له والمأساة التي حلت به، وبأهل بيته وأنصاره، بل ونسائه كانت من الشناعة والضخامة ما يعيا به فم المتكلم!
هذه الجهات الثلاث؛ تستدعي أن يكون حجم الاهتمام في الأمة بالحدث الحسيني في تخليده وذكره ودراسته ورعاية أهدافه، كبيرا ومتجددا. فليست القضية مسألة تاريخية عابرة! وإنما هو اقتداء حاضر ومستمر متى ما حصل طاغوت في الزمان (مستحلا لحرام الله ناكثاً لعهد الله عاملاً في عباده بالإثم والعدوان) فإن على المسلمين أن ينهجوا نهج الحسين﵇ في التغيير عليه والانكار.