تغييب القضية الحسينية بتشويه المصادر

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

والناظر لحال الأمة الإسلامية، ينبغي أن يميز بين مشهدين؛ مشهد لشيعة أهل البيت (وبشكل خاص الامامية) وهؤلاء بما وصل إليهم من أئمتهم، من لزوم احياء أمر الحسين﵇ يقوم بما يستطيعون، من إنفاق مالي وخطابات ونشر تبليغي وتفاعل نفسي وقلبي واستعداد روحي وأخلاقي في التخلق بخلق الحسين وأصحابه وما على الشخص الذي يريد التعرف على أنحاء هذا الاحياء إلا أن يراقب ما ينقل على الفضائيات ليرى أن الأمر أعظم من أن يوصف.

ولكننا عندما نأتي إلى الجانب الآخر وهو عامة المسلمين من غير شيعة أهل البيت وهم يشكلون الأكثرية الكبيرة في الأمة (ربما يصلون إلى 70% من المسلمين) وهذا يعني ما لا يقل عن مليار ونصف، لا تجد غير الصمت والسكوت، فقد يمر العام بعد العام ويبلغ الشاب العشرين من العمر 7 إن لم يكن أكثر من ذلك ولم يطرق سمعَه قضيةُ الإمام الحسين﵇، ويدرس التاريخ الإسلامي فلا يرى أثرا لتلك الحادثة وآثارها، ويعيش الحياة الاجتماعية فلا يلتفت إلى شيء مثير للاهتمام مرتبط بالإمام الحسين﵇. بل (بفعل فاعل) لو رأى من باب الصدفة شيئاً يرتبط بإحياء أمر الحسين فإنه لا يعتبر ذلك الشيء إسلامياً ولا يرى نفسه معنياً به!

بل وكما سيأتي تم العمل على أن تكون هذه الأيام التي استشهد فيها الامام الحسين﵇ أيام فرح ومسرات وأعياد لتغييب أي جانب من جوانب التفاعل الوجداني معها أو التأثر بدروسها.

ولو أردنا المقارنة مثلاً بين هذه الحادثة وبين الاحتفاء بعيد ميلاد السيد المسيح ﵇، في العالم بل حتى في بلاد المسلمين لرأينا أنه لا توجد جهة قياس ومقارنة لكثرة وعظمة الاحتفاء بعيد الميلاد، مقارنة بقضية الامام﵇.

وهذا هو ما نعتقد أنه كان بتخطيط ولم يكن أمرا اعتباطياً أو صدفياً!
لذلك تم التعبير عنه في العنوان الرئيس بأنه (تغييب) للقضية الحسينية!

وسيكون موضوع هذه الصفحات في عناوين متعددة:

1. كيف غُيِبت النهضة الحسينية من خلال تشويه مصادر الواقعة وتخفيف أحداثها؟
2. كيف غُيِبَت النهضة من خلال تشويه الأفكار التي ترتبط بنهضة الحسين؟
3. كيف غُيِبَت نهضة الحسين ومأساته من خلال تغيير يوم المناسبة؟

أما القول بأنه كان من خلال تخطيط وعمل فيكفي أن نورد تصريح أبي حامد الغزالي في هذا حيث يقول: «يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكايته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فإنه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم 8»! ونسأل أنه كيف يكون ذكر مقتل الحسين﵇ فيه إيغار للنفوس؟ وعلى مَن؟ وهل كان ينبغي الصلاة والتسليم على من قتل الحسين؟

إننا نعتقد أن تم التعاضد بين السلطات الرسمية (الأموية، ثم العباسية، ثم الأتراك ثم سلطات العصور المتأخرة) في إخفاء الموضوع الحسيني؛ كلٌّ بحسب دوافعه ولكن يجمع الجميع أن الحسين﵇ هو نداء المظلومين وموضع تأسي واقتداء الثائرين على الظلم، فانتشار شخصيته ومعرفة كلامه وأهدافه لا يناسب هذه السلطات التي كانت تحكم الناس بغير العدل والانصاف! وسنصطلح على هذا بالاتجاه الأموي، ولا نقصد من الاتجاه الأموي هنا أسرة خاصة، فالخط الأموي ليس بالضرورة أسرة أو مرحلة زمنية وإنما هو اتجاه ومسار مستمر إلى الآن، ونعتقد أنه فيما يرتبط بتغييب الموضوع الحسيني (شخصية وحادثة ودروسا) كان له أبلغ الأثر وقد نجح في ذلك حتى الآن.

وهذا الاتجاه لم يقتصر على الجوانب السياسية والسلطوية والمنع بواسطة القوة الجبرية، وإنما جند الاعلام المخالف، وجنّد مشايخ الدين من عبدة الدنيا والدينار لنفس الغرض وسياتي بشكل تفصيلي ما حصل.