تغييب القضية الحسينية بتشويه المصادر

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

وسوف نحاول في هذه الصفحات رصد وتتبع الأعمال التي قام بها هذا الاتجاه في تغييب القضية الحسينية.

إننا نعتقد أن تغييب القضية الحسينية عن ذهنية المسلمين، حدث على خطوات:

الأولى: تشويه المصادر التي نقلت الحادثة، بحيث تم «تخفيف» وقع الحادثة، بإغفال بعض التفاصيل الشنيعة التي تهز الوجدان! أو بإظهار الطرف المجرم بصورة «ألطف» فليس هو ذلك المجرم المصمم على الذبح إلى آخر المشوار وإنما كان «ألين» بل ربما كان في بعض الحالات في صورة دفاع عن النفس!! فكأن الأمر طبيعي!

تم اختزال الحادثة إلى حد أنها لم تأت في بعض المصادر التاريخية إلا في صفحات قليلة! وفي هذه الصفحات حصل ما سبق أن ذكرناه!

ولأجل أن يكون المدار على هذه الصورة المخفَّفة (والملطَّفة) من الحادثة، بحيث تكون هي الأصل المعتمد فقد اعتبرت بعض المصادر التاريخية دون غيرها على أنها هي الأساس.

لنأخذ مثالا في ذلك: مقتل أبي مخنف9لوط الأزدي، فإن هذا المقتل الذي نقل منه الطبري أغلب مقتل الحسين﵇ في تاريخه.. نراه يتبخر من الساحة الثقافية10! فلا توجد أي نسخة من نسخه كاملة، والموجود هو كما ذكرنا ما بقي قد دونه الطبري في تاريخه ونقله عنه.

ما هي ميزات مقتل أبي مخنف؟ 11

مما يجعل هذا الكتاب حرياً بالاهتمام أمور:

أولاً: أنه يعد من أوائل ما ألف في مقتل الحسين﵇، ومن بين أقربها إلى الحادثة فإن مؤلفه توفي على المعروف سنة 158هـ وهو يروي أحداث المقتل بواسطةٍ واحدة وهو الغالب أو واسطتين وهذا القرب الزمني يعطي قيمة مهمة للكتاب.

ثانياً: أنه قد اعتمد في المقتل طريق الرواية عن أشخاص معاصرين للحدث وشهود عيان للواقعة، فلم يسلك ما سلكه آخرون من تجميع قصة المقتل من روايات مختلفة وأشخاص متعددين، وصياغتها في ذهنه ثم كتابتها بما يشبه القصة، بحيث لا يستطيع القارئ تمييز هذه القطعة عن تلك وأنه من رواها وكيفية روايته لها! بل نجد أنه يروي عن شخص معين الرواية الخاصة حتى إذا انتهت روى غيرها عن غيره، وبالرغم من أن هذا قد يفقد الكتاب التسلسل المطلوب إلا أنه يكسبه الدقة وإمكانية محاكمة الرواية براويها ونصها!

ثالثاً: لأن رواياته جاءت عن رواة مباشرين وشهود عيان لذلك كانت غنية في تفاصيلها وإحاطتها بالجزئيات، ويشير إلى هذا المعنى فلها وزن كما نقله عنه «د. بيضون» وأعظم ما صنع أبو مخنف من حيث تقدير قيمة الروايات، هو أنه جمع طائفة كبيرة من روايات متنوعة ومن أخبار عن الشيء الواحد مختلفة في مصادرها، بحيث يستطيع الإنسان أن يوازن بينها ويعرف الصحيح المؤكد منها من غيره. وأبو مخنف قد توصّل بذلك إلى أن صارت الأشياء الثانوية تتوارى، لأنها لا تظهر إلا مرة واحدة، كما صارت الأشياء الأساسية لا تزال تزداد بروزاً، لأنها تتكرر في جميع الروايات.12

وبالرغم من هذه الميزات المهمة لجهة المؤلف وجهة الكتاب إلا أننا مع ذلك لا نجد الحضور المتميز لرواياته في نقل مقتل الإمام الحسين﵇ في أغلب الكتب التاريخية التي تصدت لرواية واقعة كربلاء.

بل بالعكس وجدنا أن رجاليي ومحدثي المدرسة الرسمية طعنوا في المؤلف؛ فقد قال يحيى بن معين: «ليس بثقة»، وقال مرّة: «ليس بشيء»، وقال أبو حاتم الرازي: «متروك الحديث»، وقال الدارقطني: «ضعيف».