تغييب القضية الحسينية بتشويه المصادر

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

تغييب القضية الحسينية بتشويه المصادر

يستبطن العنوان الرئيسي قضية أُخذت مسلمة وهي أن القضية الحسينية غائبة على مستوى الأمة، وأن ذلك تم بتخطيط ولم يأت اعتباطاً أو عفواً.. فهل ينبغي أن يسار بهذا النحو أو لا بد من الرجوع إلى الخلف لكي نرى ما إذا كانت بالفعل هذه القضية غائبة أو لا؟

إننا نفترض أن الحوادث الكبيرة في تاريخ الأمم تستدعي أن تحتفي هذه الأمم جيلاً بعد جيل بتلك الحوادث لكي تأخذ الأجيال عمن سبقها دروس تلك الحوادث، وتتشبع بقيمها، ولذلك جرت العادة بين أبناء البشر في كل منطقة جغرافية على أخذ بعض الأيام للاجتماع فيها واستذكار أحداثها.. وتختلف هذه الحوادث (من حروب وانتصارات أو مراسم دينية أو تأسيس دولة أو غيرها) لكنها تجتمع على أصل الموضوع.

ونعتقد أن أهم الأحداث التي مرت في تاريخ الأمة الإسلامية هي تلك التي ترتبط برسالة النبي المصطفى﵌، حيث كانت ترتبط من جهة بالله الذي أرسل رسوله وتكتسب عظمتها من جهة المرسِل كما أنها أيضاً تكتسب أهمية لجهة الرسول المصطفى وجهده الذي بذله، وأخيرا النجاح والتأسيس الذي تم على يده حتى صنع أمة هي خير الأمم.

لذلك كانت المناسبات المرتبطة بالنبي من ولادته الشريفة إلى بعثته المباركة إلى سائر شؤونه، مما ينبغي الاهتمام به من قبل كل مسلم ومسلمة، يستجلي منها دروس الحياة والفلاح، مثلما يعمق بواسطتها محبته ومودته لرسول الله﵌. ولقد حضّ القرآن الكريم على التأمل في حياة سيد الأنبياء بقوله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾4.

وتعتبر نهضة الامام الحسين﵇ وشهادته في كربلاء، بعد مناسبات رسول الله﵌، أهم5 الحوادث التي حدثت في تاريخ الأمة، سواء كان لجهة الشخصية الفاعلة فيها وهو ابن بنت النبي وسيد شباب أهل الجنة والامام بالحق، فإن هذا كله يجعل الحدث استثنائياً6.

كذلك فإن المهمة التي قام من أجلها الحسين وبذل مهجته ونفسه الزكية في ذلك كانت على مستوى الدين كله، والأمة بأجمعها ولم يختص ذلك بفترة زمنية وإنما كانت نتيجة عمله أن حمى الإسلام وصان بناءه من الانهدام إلى الأبد، وإلا لكان الدين الإسلامي لا يتجاوز في بقائه ما حصل للديانات الأخر من اليهودية والنصرانية عندما قام طغاة تلك الأمم بالتعاون مع كذبة الأحبار والرهبان، فضيعوا دين الله الأصيل وحرفوا كتبه! فالمهمة التي نهض لها الإمام الحسين﵇ كانت بهذا المستوى.

وأخيرا فإن الشهادة التي حصلت له والمأساة التي حلت به، وبأهل بيته وأنصاره، بل ونسائه كانت من الشناعة والضخامة ما يعيا به فم المتكلم!

هذه الجهات الثلاث؛ تستدعي أن يكون حجم الاهتمام في الأمة بالحدث الحسيني في تخليده وذكره ودراسته ورعاية أهدافه، كبيرا ومتجددا. فليست القضية مسألة تاريخية عابرة! وإنما هو اقتداء حاضر ومستمر متى ما حصل طاغوت في الزمان (مستحلا لحرام الله ناكثاً لعهد الله عاملاً في عباده بالإثم والعدوان) فإن على المسلمين أن ينهجوا نهج الحسين﵇ في التغيير عليه والانكار.

والناظر لحال الأمة الإسلامية، ينبغي أن يميز بين مشهدين؛ مشهد لشيعة أهل البيت (وبشكل خاص الامامية) وهؤلاء بما وصل إليهم من أئمتهم، من لزوم احياء أمر الحسين﵇ يقوم بما يستطيعون، من إنفاق مالي وخطابات ونشر تبليغي وتفاعل نفسي وقلبي واستعداد روحي وأخلاقي في التخلق بخلق الحسين وأصحابه وما على الشخص الذي يريد التعرف على أنحاء هذا الاحياء إلا أن يراقب ما ينقل على الفضائيات ليرى أن الأمر أعظم من أن يوصف.

ولكننا عندما نأتي إلى الجانب الآخر وهو عامة المسلمين من غير شيعة أهل البيت وهم يشكلون الأكثرية الكبيرة في الأمة (ربما يصلون إلى 70% من المسلمين) وهذا يعني ما لا يقل عن مليار ونصف، لا تجد غير الصمت والسكوت، فقد يمر العام بعد العام ويبلغ الشاب العشرين من العمر 7 إن لم يكن أكثر من ذلك ولم يطرق سمعَه قضيةُ الإمام الحسين﵇، ويدرس التاريخ الإسلامي فلا يرى أثرا لتلك الحادثة وآثارها، ويعيش الحياة الاجتماعية فلا يلتفت إلى شيء مثير للاهتمام مرتبط بالإمام الحسين﵇. بل (بفعل فاعل) لو رأى من باب الصدفة شيئاً يرتبط بإحياء أمر الحسين فإنه لا يعتبر ذلك الشيء إسلامياً ولا يرى نفسه معنياً به!

بل وكما سيأتي تم العمل على أن تكون هذه الأيام التي استشهد فيها الامام الحسين﵇ أيام فرح ومسرات وأعياد لتغييب أي جانب من جوانب التفاعل الوجداني معها أو التأثر بدروسها.

ولو أردنا المقارنة مثلاً بين هذه الحادثة وبين الاحتفاء بعيد ميلاد السيد المسيح ﵇، في العالم بل حتى في بلاد المسلمين لرأينا أنه لا توجد جهة قياس ومقارنة لكثرة وعظمة الاحتفاء بعيد الميلاد، مقارنة بقضية الامام﵇.

وهذا هو ما نعتقد أنه كان بتخطيط ولم يكن أمرا اعتباطياً أو صدفياً!
لذلك تم التعبير عنه في العنوان الرئيس بأنه (تغييب) للقضية الحسينية!

وسيكون موضوع هذه الصفحات في عناوين متعددة:

1. كيف غُيِبت النهضة الحسينية من خلال تشويه مصادر الواقعة وتخفيف أحداثها؟
2. كيف غُيِبَت النهضة من خلال تشويه الأفكار التي ترتبط بنهضة الحسين؟
3. كيف غُيِبَت نهضة الحسين ومأساته من خلال تغيير يوم المناسبة؟

أما القول بأنه كان من خلال تخطيط وعمل فيكفي أن نورد تصريح أبي حامد الغزالي في هذا حيث يقول: «يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكايته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فإنه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم 8»! ونسأل أنه كيف يكون ذكر مقتل الحسين﵇ فيه إيغار للنفوس؟ وعلى مَن؟ وهل كان ينبغي الصلاة والتسليم على من قتل الحسين؟

إننا نعتقد أن تم التعاضد بين السلطات الرسمية (الأموية، ثم العباسية، ثم الأتراك ثم سلطات العصور المتأخرة) في إخفاء الموضوع الحسيني؛ كلٌّ بحسب دوافعه ولكن يجمع الجميع أن الحسين﵇ هو نداء المظلومين وموضع تأسي واقتداء الثائرين على الظلم، فانتشار شخصيته ومعرفة كلامه وأهدافه لا يناسب هذه السلطات التي كانت تحكم الناس بغير العدل والانصاف! وسنصطلح على هذا بالاتجاه الأموي، ولا نقصد من الاتجاه الأموي هنا أسرة خاصة، فالخط الأموي ليس بالضرورة أسرة أو مرحلة زمنية وإنما هو اتجاه ومسار مستمر إلى الآن، ونعتقد أنه فيما يرتبط بتغييب الموضوع الحسيني (شخصية وحادثة ودروسا) كان له أبلغ الأثر وقد نجح في ذلك حتى الآن.

وهذا الاتجاه لم يقتصر على الجوانب السياسية والسلطوية والمنع بواسطة القوة الجبرية، وإنما جند الاعلام المخالف، وجنّد مشايخ الدين من عبدة الدنيا والدينار لنفس الغرض وسياتي بشكل تفصيلي ما حصل.

وسوف نحاول في هذه الصفحات رصد وتتبع الأعمال التي قام بها هذا الاتجاه في تغييب القضية الحسينية.

إننا نعتقد أن تغييب القضية الحسينية عن ذهنية المسلمين، حدث على خطوات:

الأولى: تشويه المصادر التي نقلت الحادثة، بحيث تم «تخفيف» وقع الحادثة، بإغفال بعض التفاصيل الشنيعة التي تهز الوجدان! أو بإظهار الطرف المجرم بصورة «ألطف» فليس هو ذلك المجرم المصمم على الذبح إلى آخر المشوار وإنما كان «ألين» بل ربما كان في بعض الحالات في صورة دفاع عن النفس!! فكأن الأمر طبيعي!

تم اختزال الحادثة إلى حد أنها لم تأت في بعض المصادر التاريخية إلا في صفحات قليلة! وفي هذه الصفحات حصل ما سبق أن ذكرناه!

ولأجل أن يكون المدار على هذه الصورة المخفَّفة (والملطَّفة) من الحادثة، بحيث تكون هي الأصل المعتمد فقد اعتبرت بعض المصادر التاريخية دون غيرها على أنها هي الأساس.

لنأخذ مثالا في ذلك: مقتل أبي مخنف9لوط الأزدي، فإن هذا المقتل الذي نقل منه الطبري أغلب مقتل الحسين﵇ في تاريخه.. نراه يتبخر من الساحة الثقافية10! فلا توجد أي نسخة من نسخه كاملة، والموجود هو كما ذكرنا ما بقي قد دونه الطبري في تاريخه ونقله عنه.

ما هي ميزات مقتل أبي مخنف؟ 11

مما يجعل هذا الكتاب حرياً بالاهتمام أمور:

أولاً: أنه يعد من أوائل ما ألف في مقتل الحسين﵇، ومن بين أقربها إلى الحادثة فإن مؤلفه توفي على المعروف سنة 158هـ وهو يروي أحداث المقتل بواسطةٍ واحدة وهو الغالب أو واسطتين وهذا القرب الزمني يعطي قيمة مهمة للكتاب.

ثانياً: أنه قد اعتمد في المقتل طريق الرواية عن أشخاص معاصرين للحدث وشهود عيان للواقعة، فلم يسلك ما سلكه آخرون من تجميع قصة المقتل من روايات مختلفة وأشخاص متعددين، وصياغتها في ذهنه ثم كتابتها بما يشبه القصة، بحيث لا يستطيع القارئ تمييز هذه القطعة عن تلك وأنه من رواها وكيفية روايته لها! بل نجد أنه يروي عن شخص معين الرواية الخاصة حتى إذا انتهت روى غيرها عن غيره، وبالرغم من أن هذا قد يفقد الكتاب التسلسل المطلوب إلا أنه يكسبه الدقة وإمكانية محاكمة الرواية براويها ونصها!

ثالثاً: لأن رواياته جاءت عن رواة مباشرين وشهود عيان لذلك كانت غنية في تفاصيلها وإحاطتها بالجزئيات، ويشير إلى هذا المعنى فلها وزن كما نقله عنه «د. بيضون» وأعظم ما صنع أبو مخنف من حيث تقدير قيمة الروايات، هو أنه جمع طائفة كبيرة من روايات متنوعة ومن أخبار عن الشيء الواحد مختلفة في مصادرها، بحيث يستطيع الإنسان أن يوازن بينها ويعرف الصحيح المؤكد منها من غيره. وأبو مخنف قد توصّل بذلك إلى أن صارت الأشياء الثانوية تتوارى، لأنها لا تظهر إلا مرة واحدة، كما صارت الأشياء الأساسية لا تزال تزداد بروزاً، لأنها تتكرر في جميع الروايات.12

وبالرغم من هذه الميزات المهمة لجهة المؤلف وجهة الكتاب إلا أننا مع ذلك لا نجد الحضور المتميز لرواياته في نقل مقتل الإمام الحسين﵇ في أغلب الكتب التاريخية التي تصدت لرواية واقعة كربلاء.

بل بالعكس وجدنا أن رجاليي ومحدثي المدرسة الرسمية طعنوا في المؤلف؛ فقد قال يحيى بن معين: «ليس بثقة»، وقال مرّة: «ليس بشيء»، وقال أبو حاتم الرازي: «متروك الحديث»، وقال الدارقطني: «ضعيف».

وقال ابن عدي -بعد أن نقل رأي يحيى بن معين في أبي مخنف-: وهذا الذي قاله ابن معين يوافقه عليه الأئمّة؛ فإنّ لوط بن يحيى معروف بكُنيته وباسمه. حدَّث بأخبار مَن تقدَّم من السلف الصالحين، ولا يبعد منه أن يتناولهم، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم.

وفي ميزان الاعتدال: لوط بن يحيى أبو مخنف أخباري تالف لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره.

وفي الضعفاء قال: لُوطٌ أبُو مِخْنَفٍ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى، حَدَّثَنا عَبّاسٌ قالَ: سَمِعْتُ يَحْيى قالَ: أبُو مِخْنَفٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وفِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَيْسَ بِثِقَةٍ. حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنا عَبّاسٌ قالَ: سَمِعْتُ يَحْيى قالَ: أبُو مِخْنَفٍ، وأبُو مَرْيَمَ، وعَمْرُو بْنُ شِمْرٍ لَيْسُوا هُمْ بِشَيْءٍ..13

كما ذكره الذهبي في (المنتقى) من منهاج السنة عن الشيخ أحمد بن تيمية تحت المعروفين بالكذب!

قال عنه ابن كثير: وقد كان شيعياً، وهو ضعيف الحديث عند الأئمّة، ولكنّه أخباري حافظ، عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره، ولهذا يترامى عليه كثير من المصنِّفين في هذا الشأن ممّن بعده.

وحيث أنهم جعلوه (شيعيًّا) فقد انطبق عليه ما ينطبق على غيره، من أن القاعدة في هؤلاء عدم الاعتماد على رواياتهم لتشيعهم! فكيف إذا وصف بأنه شيعي محترق!

ومن الطبيعي أنهم مع إسقاط المؤلف بهذا النحو فبالتبع لا بد من اسقاط الكتاب والروايات الواردة فيه.14

وكأن هذا الاتجاه لم يكتف في التاريخ بتضييع النسخ الأصلية ومصادرتها، فتعقب بعض ما بقي منها موجودا ليقضي عليه.

إحلال بدائل مشوهة:

ولأن هذه الفترات التاريخية والأحداث التي وقعت لا يمكن أن تغفل بالكامل فلا بد من رواية بديلة تحل محل تلك الروايات الأصيلة، وهذا الذي تم تقديمه للعالم الإسلامي واعتماده باعتباره هو الرواية التي تتبناها الحكومات ورجال الخلافة والسلطة وهي التي تُطبع على حساب الخزينة العامة وتُدرَّس في المناهج وتُقَص في وسائل الاعلام وتُلقَى في خطب الجمعة إن كانت هناك ضرورة لها.

بعض الكتب التاريخية تناولت مقتل الحسين بشكل لو أغفلته بالكامل لكان أفضل، مثل تاريخ خليفة ابن خياط الذي لم يتسع إلا لصفحتين!! نعم صفحتان من الكتاب 234 و 235 فقط وإذا أردت الدقة فهي 22 اثنان وعشرون سطراً.15

نعتقد أنه تم بدلاً من ذلك اعتماد ما سنصطلح عليه روايات الخط الشامي من المؤلفين، فكان كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد البغدادي16وتاريخ دمشق لابن عساكر، وتاريخ الإسلام للذهبي،17 وكتاب البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي.18

وسنعرض إلى ترجمة الإمام الحسين﵇ من كتاب طبقات ابن سعد البغدادي ونتوقف عند بعض ما عرضه في تلك الترجمة لأهمية هذا النص وكونه يتكرر أحياناً مع اختصار أو بدونه ـ في سائر الكتب التي عرضت لقضية مقتل الحسين﵇، وكأنه أصبح النموذج المرضي في مدرسة الخلفاء وعند أتباع السلطة الحاكمة.

نقول هذا بأسف لأنه حَلّ على علاته وإشكالاته، محل مقتل الامام الحسين﵇ الذي ألّفه أبو مخنف وقد سبق أن ذكرنا بعض ميزاته.

وسنعتمد على النسخة التي طبعتها مؤسسة آل البيت بتحقيق المرحوم السيد عبد العزيز الطباطبائي.

إننا نلاحظ التركيز في هذا الكتاب وفيما سيعتمد بعده من الناحية الرسمية من مؤسسات الخلفاء على عدد من الأفكار نراها في المقاتل:19

1. فمن ذلك التركيز الفج على أن أصحاب النبي والتابعين (نصحوا) الحسين بأن لا يخرج، «فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له ألّا يتحرّك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس فإنّ الجماعة خير!! ونسأل ابن عمر متى كانت بيعة يزيد (صالح ما دخل فيه الناس)؟ ومتى كانت هي (الجماعة) وهل بالفعل رأى الحسين في أبيه عبرة في خذلان الناس له؟ أو أن أبا الحسين كان المثال الأسمى لتطبيق تعاليم الدين؟

وهكذا في نقله عن أبي سعيد الخدري: غلبني الحسين على الخروج، وقد قلت له: اتق الله في نفسك! والزم بيتك، فلا تخرج على إمامك!ـ هذا إن صح عن أبي سعيد الخدري فإننا لم نجده في مصدر آخر قبله ـ ولا تساعد عليه سيرة أبي سعيد، فمتى كان يزيد (إمام) الحسين؟!

وكذلك ما زعمه ابن سعد في أن «جابراً بن عبد الله قال: كلّمت حسيناً، فقلت: اتق الله! ولا تضرب الناس بعضهم ببعض! فو الله ما حمدتم ما صنعتم، فعصاني! وهذا ينطبق عليه ما سبق فإننا لا نعتقد أن جابرا الأنصاري يتحدث بهذا المنطق ولم يذكر مصدره من أين جاء بهذا الكلام؟! وطريقة جابر وانتماؤه20 لأهل البيت﵈ يمنع أن يتحدث بطريقة أن لا تضرب الناس بعضهم ببعض! أو أنه يقول: فعصاني!

وأعجب من الجميع هذه الـ (عمرة بنت عبد الرحمن) التي «كتبت إليه تعظّم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة! وتخبره انّه إنّما يساق إلى مصرعه».

التفت عزيزي القارئ «عمرة» التي لا يفترض أنّ لها في العير أو النفير فإذا بها «تأمره بالطاعة»، لم يبقَ سوى هذه أن تأمره وتنهاه!.21

ولم ينس أن يذكر عمرو بن سعيد الأشدق في نصيحته الحسين! بل وحتى يزيد! «فأبى الحسين إلاّ أن يمضي إلى العراق»، «فقال له ابن عباس: والله إنّي لأظنّك ستقتل غداً بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته، والله انّي لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان».22

بهذه الطريقة تم عرض حركة الامام الحسين﵇، لا باعتبار أنه خرج (لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي)،23ولا باعتبار أن (يزيد رجل فاسق فاجر شارب الخمور عامل بالفجور ومثلي لا يبايع مثله). و(إنا أهل بيت النبوة بنا فتح الله وبنا يختم). كل هذا تم التجاوز عنه لتتلخص القضية عند ابن سعد في أن الأصحاب وغيرهم (نصحوا) الحسين بعدم الخروج لكنه (عصاهم) فكان نتيجة ذلك أن (قتل).

2. نلحظ أن ابن سعد في طول هذه الترجمة التي بلغت96 صفحة وخصوص المقتل الذي بلغ 43 صفحة، لم يذكر أياً من خطبه سوى عدة أسطر من مخاطبة الحسين﵇ لجيش عمر بن سعد (لا تعجلوا حتى أخبركم خبري، والله ما أتيتكم حتى أتتني كتب أماثلكم بانّ السنّة قد اُميتت، والنفاق قد نجم، والحدود قد عطّلت، فاقدم لعلّ الله تبارك وتعالى يصلح بك اُمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فأتيتكم فإذ كرهتم فانأ راجع عنكم، وارجعوا إلى أنفسكم فانظروا هل يصلح لكم قتلي أو يحلّ لكم دمي؟! ألست ابن بنت نبيّكم ابن ابن عمه، وابن أول المؤمنين إيماناً، أوليس حمزة والعباس وجعفر عمومتي، أو لم يبلغكم قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيّ وفي أخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة. فان صدقتموني والاّ فاسألوا جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وأنس بن مالك وزيد بن أرقم. ومع ملاحظة كثرة خطب الإمام﵇ ووصاياه بدءاً من خروجه من المدينة المنورة ثم بقائه في مكة وخطابه فيها، وكلماته الكثيرة في الطريق، وهكذا خطبه المتعددة في يوم عاشوراء، نتساءل ما الذي يدعو ابن سعد لذكر قول فلان وفلان للحسين من منافسيه أو مخالفيه أو حتى مبغضيه بتفصيل حتى لقد ذكر في مورد رسالة يزيد لابن عباس كلاماً مفصلاً وقصيدة طويلة! بينما ضاق الأمر عن كلمات الامام الحسين﵇ والتي كانت تبين بوضوح أهداف نهضته وغاية حركته! أنه وهو يتحدث عن (مقتل الحسين) كان عليه أن يتحرى خطب الإمام وكلماته بينما لا نجد أنه ساق حتى عشرة بالمائة من تلك الكلمات والخطب! فجاء المقتل مشوها من هذه الناحية، وكأن الأحداث كانت تجري والحسين صامت لا يتحدث ولا يقول شيئاً ولا يبدي موقفا!

ولذلك وجدنا أن بعض الذين اعتمدوا عليه التفتوا إلى هذا الخطأ أو (تعمد الخطأ) فحتى وهم ينقلون عن ابن سعد لكنهم نقلوا من مصادر أخر بعض خطب الحسين﵇ بما يتبين معه موقفه! كما صنع ابن عساكر في تاريخ دمشق.

3. التركيز على أن بيعة يزيد كانت (من الناس) وأن هناك استثناء هو الحسين! وكأنه في ذلك خارج على الاجماع، ونسي هؤلاء أو تناسوا أن من ضمن شروط المهادنة بين الحسن﵇ ومعاوية أن يكون الحكم للحسن فإن قضى الحسن فللحسين، ولا يحق بالتالي لمعاوية أن يعهد بها إلى يزيد! فتم تجاهل هذا واعتبار أن تولية معاوية ابنه أمر طبيعي وعادي فإذا خالفه أحد يكون مقصرا وخاطئاً! هذا مع أنه لم تتم هذه إلا تحت بريق السيوف في مسجد رسول الله في المدينة! وحملة اغتيالات شملت أهم الشخصيات الموجودة في تلك الفترة وقد تحدثنا عنها في فصل السيرة الحسينية. كما نجده في هذا النص قالوا: لمّا بايع معاوية بن أبي سفيان ليزيد بن معاوية كان حسين بن علي بن أبي طالب ممن لم يبايع له.

وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية كل ذلك يأبى... فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم ومرة يجمع الإقامة.24وأسوأ ما في هذا النص اظهار الامام الحسين﵇ على أنه في حالة من التردد والهموم، مرة يريد أن يسير وأخرى يجمع على الاقامة، وهذا من الكذب الصريح الذي لا شاهد تاريخي له. وقد ذكرنا مواقف الامام الحسين﵇ الثابتة في فصل السيرة، فهو في أيام معاوية صرح لمعاوية ولغيره بأنه ملتزم بالهدنة وبما عاهد عليه أخوه الحسن، وأما بعد معاوية فكان مختلفاً إذ قال (يزيد رجل فاسق فاجر شارب الخمور.. ومثلي لا يبايع مثله) فأين هي الهموم التي يزعمها ابن سعد؟

4. الزعم بأن يزيد كان قد أخبر واليه الوليد بن عتبة بأن أباه عهد إليه بالرفق بالحسين واستصلاح أمره، كما ذكر في الطبقات « فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن اويس العامري إلى الوليد بن عقبة بن أبي سفيان وهو على المدينة: أن ادع الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي، فإنّ أمير المؤمنين عهد إليّ في أمره الرفق به واستصلاحه» وهذا مخالف تماماً لما نقله باقي المؤرخين ولا سيما المؤرخ الثبت أبو مخنف، ونقله عنه الطبري، وابن الأثير، كما نقله ابن أعثم، حيث جاء عن أبي مخنف بعد الرسالة العامة «وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام»25، فأين هذا من الرفق والاستصلاح؟

5. ومن نكات الزمان!! ما ذكره في كتابه26من (توصية) مروان بن الحكم لعبيد الله بن زياد بالحسين فإنه ابن فاطمة! وما أحد أحب إليه من الحسين! ويحذره بأن لا يهيج على نفسه ما لا يسده بشيء! يعني بقتله أو إيذائه!

العجيب أنه لتوه قد نقل قبل صفحات بأن مروان الذي كان يدأب على لعن أمير المؤمنين عليٍّ﵇ كان قد اشتبك لفظيا مع الحسين وتسابا، فقال له مروان: إنكم أهل بيت ملعونون!! (خلافا للقرآن الذي جعلهم أهل بيت مطهرين من الرجس تطهيرا)! فكيف يقول هذا الكلام هنا ويقول ذلك الكلام هناك؟

وألم يلتفت ابن سعد وهو الذي ذكر أنه ينقل عن جماعة منهم أبو مخنف بوسائط!! فهل نسي أن أبا مخنف قد ذكر (كما في الطبري) بأن الوليد الذي أراد أن ينهي المقابلة بينه وبين الحسين بسلام.. واجهه مروان بأن يكتف الحسين ثم يطلب منه البيعة فإن أبى فليضرب عنقه، وإلا فإن مروان نفسه سيضرب عنق الحسين!! فهل من يكون هكذا في وقاحته مع الحسين سباً وشتماً وتهديداً ورغبةً في القتل، ينصح ابن زياد قائلا له: بأنه ما من أحد أحب إليه من الحسين؟

وهكذا حال عمرو بن سعيد الأشدق الشامت المتشفي بقتل الحسين، والذام له علناً أمام الناس في الخطبة! لكن التناقضات لا حدود لها عند ابن سعد في ترجمته! وهي التي سنراها تنتقل في الكتب من بعده!

6. وإذا كان هؤلاء من مروان وأضرابه بهذه الرقة والحنان في شأن الحسين﵇، فماذا يقول ابن سعد في شأن عمر بن سعد الزهري؟ لقد كان مجبورا لأنه لو لم يذهب لقتال الحسين لكان قد ضرب ابن زياد عنقه!

الغريب أنه لم يذكر هذا أي مؤرخ قبله! وغاية ما ذكروه بين مجمل ومفصل أنه كان سيعزله عن ولاية الري ويحرمه من الرئاسة وأما التهديد بالقتل فلم يذكره أحد! إلا عند ابن سعد حيث قال: «.. وقد كان استعمله قبل ذلك على الري وهمذان، وقطع ذلك البعث معه، فلمّا أمره بالمسير إلى حسين تأبّى ذلك وكرهه واستعفى منه، فقال له ابن زياد: اُعطي الله عهداً لئن لم تسر إليه وتقدم عليه لأعزلنّك عن عملك واهدم دارك واضرب عنقك! قال: إذن أفعل»!

إن المؤرخين يذكرون أنه لما استعفى طلب منه التنحي عن أمر الري! فاستمهله ليلته ونقلوا على لسانه الشعر المشهور، الذي انتصر فيه أخيرا جانب الدنيا على الدين، ولم يكن هناك تهديد بالقتل إلا إذا كان الحرمان من الرئاسة يعني بالنسبة له الموت.

7. وفي الوقت الذي ينفي فيه المؤرخون الأثبات ما زعم من أن الإمام الحسين ﵇ قد عرض على عمر بن سعد أن يذهب إلى بعض الثغور ليجاهد أو يأتي يزيد فيضع يده في يده، ينفون كل ذلك بما قاله شاهد العيان الصادق عقبة بن سمعان مولى الرباب: «صحبت حسيناً فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس».27

يخالف ذلك ابن سعد فيثبت ما هو منفي، وأنهم أصروا على أن يضع يده بيد ابن زياد لا بيد يزيد، فلم يقبل الحسين. 28

ليس هذا فحسب بل يزعم بأنه عندما بلغ ابن زياد ذلك، همّ أن يخلي عن الحسين، وقال ما عرض لشي من عملي - يعني لم يهددني بشيء-

سبحان الله فأين إذن رسائله وأوامره لعمر بن سعد بأن إذا قتل الحسين فليوطىء الخيل صدره وظهره؟ كما نقله أكثر المؤرخين؟

8. الكذب الصريح على لسان الإمام السجاد﵇:

هكذا يأتي ابن سعد فيقول: قال علي بن حسين، وكأنه كان جالسا بجانبه يحدثه! ثم ينقل قصة لا أصل لها ولا فرع! وإنما هي من مختلقات الزبيريين29، وهم تقاسموا مع العباسيين تشويه التاريخ الإسلامي لا سيما ما يرتبط بأهل البيت ﵈.

«قال علي بن حسين: فغيّبني رجل منهم وأكرم نزلي واحتضنني وجعل يبكي كلّما خرج ودخل حتى كنت أقول: ان يكن عند أحد من الناس وفاء فعند هذا، إلى أن نادى منادي ابن زياد: ألا من وجد علي بن حسين فليأت به فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم.

قال: فدخل والله عليّ وهو يبكي وجعل يربط يدي إلى عنقي! وهو يقول: أخاف! فأخرجني والله إليهم مربوطاً حتى دفعني إليهم واخذ ثلاثمائة درهم وأنا أنظر إليها».

وبالتتبع يتبين أن ابن سعد قد نقل هذه الفرية من الزبير بن بكار أو من عمه مصعب30، الذي (أحيا أم علي السجاد وجعلها معه في كربلاء!!) بالرغم من اتفاق المؤرخين على أنها ماتت في نفاسها به.. وكيف لم يلتفت لهذه القضية أبو مخنف الأزدي مع رواته الكثيرين31 الحاضرين في الحادثة؟ ثم من العجيب أن يصدقها صانعها وألّا يلتفت إلى الخلل الموجود فيها فإن السجاد وهو مسؤول عن ركب الاسارى -باعتباره أكبر الذكور الموجودين- لا يمكن أن يغيب عن النساء من كربلاء إلى الكوفة. فلا مسؤولو الجيش الأموي يسمحون بذلك، ولا النساء والأسارى سيتركون القضية هكذا وكأنه ضائع! أو أن الإمام السجاد نسي أن وراءه من النساء والأطفال من يحتاجون إليه فكان مع هذا الذي غيبه مرتاحاً ومكرم الوفادة.. حتى قال الإمام إن يكن عند أحد من الناس وفاء فعنده! إلى أن نادى منادي ابن زياد.. وبذل فيه (ثلاثمائة) درهم ولا يخفى جانب التحقير والتوهين! فهذا المبلغ لا يشترى به حتى العبد المعوق! لكن نقول: لعنة الله على الكاذبين!

9. أين رؤوس شهداء كربلاء؟

وحتى لا يتورط ابن سعد في موضوع تشهير الرؤوس وحملها من بلد إلى بلد حتى وصلت إلى الشام فإنه لم يعدم الوسيلة في دفنها (في كتابه) وحينئذ لا يبقى من معنى للحديث عن حملها في البلدان أو أن رأس الحسين﵇ قد قرعت ثناياه في مجلس ابن زياد أو يزيد.. الغريب أنه نفسه ينقل هذا وذاك! ولا أعلم هل يلتفت إلى التهافت بين النقلين والخبرين؟ قال: «وأمر عبيد الله بن زياد بحبس من قدم به عليه من بقيّة أهل حسين معه في القصر، فقال ذكوان أبو خالد: خل بيني وبين هذه الرؤوس فأدفنها ففعل فكفّنها ودفنها بالجبانة، وركب إلى أجسادهم فكفّنهم ودفنهم.

وكان زهير بن القين قد قتل مع الحسين فقالت امرأته لغلام له يقال له شجرة: انطلق فكفّن مولاك، قال: فجئت فرأيت حسيناً ملقى، فقلت: اكفن مولاي وأدع حسيناً! فكفّنت حسيناً، ثم رجعت فقلت ذلك لها، فقالت: أحسنت».

إذن في رأي ابن سعد: قد أحسن الأمويون عندما كفن ذكوان الأجساد ودفنها، وعمد إلى الرؤوس فدفنها في الجبانة! وجاء شجرة كما قال وكفن الحسين!!

فإذا كان قد تم دفن الرؤوس مرتين !!فما معنى قوله بعد ذلك «وقدم برأس الحسين محفز بن ثعلبة العائذي ـ عائذة قريش ـ على يزيد»؟ وما معنى قوله بعد ذلك «وبعث يزيد برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص وهو عامل له يومئذ على المدينة»؟

10. صورة ليزيد الحنون

ولا ينسى ابن سعد في نهاية المطاف أن يعرف الناس بالصورة الحنونة ليزيد بن معاوية، والذي زعم أنه لو كانت الأمور بيده لما حصل للحسين ما حصل وإنما السبب في ذلك هو ابن زياد!! (تقييد القضية ضد غائب)».. وقالت له سكينة بنت حسين: يا يزيد بنات رسول الله صلى الله عليه وسلّم سبايا! فقال: يا بنت أخي، هو والله عليّ أشدّ منه عليك! وقال: أقسمت بالله لو انّ بين ابن زياد وبين حسين قرابة ما أقدم عليه، ولكن فرّقت بينه وبينه سمية! وقال: قد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين، فرحم الله أبا عبد الله عجّل عليه ابن زياد، أما والله لو كنت صاحبه ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلاّ بنقص بعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه! ولوددت انّي أتيت به سلماً».

وهذا لم يكن إلا غيضاً من فيض مما جاء في هذا الكتاب الذي كما قلنا سيصبح القاعدة الأساس التي سيعتمد عليها كتاب التاريخ الرسمي32 والذي سيعتمد باعتباره النص الذي ينبغي الأخذ منه، ولا يخفى على القارئ الفطن ما الذي تنتهي إليه الأفكار التي ذكرت في هذا الصفحات والتي تتشوه معها نهضة الحسين﵇ بمقدار ما تتحسن فيه صورة الأمويين. ويا ليت بقي ما جاء به ابن سعد في كتابه، وإنما رأينا أن من جاء بعده اعتمده كقاعدة فيما يتوافق معه في الأفكار ثم زاد ونقص، بحيث صرنا كلما ابتعدنا سنوات عن مقتل ابن سعد نتوقع زيادة في الجرعة الأموية في المقاتل حذفا وتغييرا وتبديلا وزيادة! وأمامك بعض النماذج من المقاتل والتراجم التي تؤكد الحقيقة التي ذكرناها.

ترجمة الحسين ومقتله في تاريخ ابن عساكر

أخذت ترجمة الإمام الحسين﵇ في تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر33 عدداً كبيراً من الصفحات بلغ 150 صفحة؛ فقد بدأ فيها من صفحة 111 وانتهى في صفحة 261، فيما كان ما يفترض فيه المقتل يبدأ من صفحة 205. وسوف نسجل الملاحظات التالية سريعاً:

1. لا تخرج الترجمة بل المقتل عن الخط الأموي الشامي الذي ذكرنا شيئا عن أفكاره التي يبثها ويركز عليها من رفع المسؤولية عن يزيد بن معاوية وإلقائها على ابن زياد الذي تكررت أحاديث الترجمة عن أنه قرع راس الحسين﵇، بروايات متعددة وأسانيد كذلك لكل منها.

2. كذلك فإنه لم يأت على ذكر أي من فظاعات الجيش الأموي في قتل الحسين ﵇ بل لم يأت على (مقتل الحسين) فلا ذكر فيه لأحداث يوم عاشوراء أصلاً. ولذلك قد لا يصح أن نطلق عليه من هذه الجهة مقتلاً بالرغم من أنه ينقل من مقتل محمد بن سعد كما صرح بذلك بدءا من صفحة 205!

3. وحيث أن الرسالة تقرأ من عنوانها فقد عنون الترجمة بقوله: وفد على معاوية وتوجه غازيًا إلى القسطنطينية في الجيش الذي كان أميره يزيد بن معاوية.

وحيث كانت البداية كذلك فمن الطبيعي ألا يذكر قتل يزيد إياه ولا تسيير رأسه الشريف ونساءه إليه في الشام!

بل سينقل ما لا تصدقه الحقائق من وفود الحسنين على معاوية وإكرامه إياهما بالمال الوفير، وكل هذه العناوين لا مصداقية لها.

4. وأما ما هو واضح الوضع والكذب على الإمام الحسين﵇ والذي وصفه بأنه حديث منكر ولا يرى إسناده متصلاً إلى الحسين؛ ولا أعلم ماذا كان الهدف من نقله في الترجمة مع كونه غير متصل الاسناد وواهي المعنى ومنكراً، فهو ما نقله عمن أقسم كاذبا بأنه رأى الحسين بعينه وسمعه بأذنه يصدق قول معاوية بأنه خال المؤمنين وأنه من شيعة آل محمد إلى آخر الكذبات! ومثله الحديث الآخر الذي رواه عن الحسين﵇ عن جده كما زعم في الترجمة ولم يعلق عليه والذي يقول فيه: لا تسبوا فلانا وفلانا فإنهما سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين.. مع أنه مما تظافرت روايات الأئمة على كذب هذا الحديث ووضعه على رسول الله﵌.

5. تكرار أحاديث أن رأس الحسين﵇ قد أدخل على ابن زياد وأنه ضربه بعود، أو فرق بين أسنانه به وأمثال ذلك بمناسبة ذكر شبه الحسين﵇ بجده رسول الله﵌. والحديث المفصل عن أن العراقيين هم الذين قتلوا الحسين بينما يسألون عن دم البعوض! بالطبع هذا لا بد أن يضاف إلى ما كتبه ابن عساكر في فضائل الشام وأهلها في مقدمة كتابه وأنها البلدة المقدسة وأن منها يبعث كذا وكذا إلى الجنة والناس لما يحشروا وغير ذلك. ولا بد أن نلاحظ أن الإطار العام المعروف عن الشام أنها أموية في مقابل أن العراق شيعي وعلوي وينتج ذلك ما سيقال فيما بعد من أن الذين قتلوا الحسين هم أهل العراق، وأما يزيد بن معاوية والأمويون فلم يصنعوا شيئا أبدا!

6. احتوت الترجمة على ما ظاهره مدح الحسين وواقعه ذم الحسن﵉، وفي حديث آخر بالعكس فقد كُذب على أمير المؤمنين بقوله: أما الحسن فلا يغني في الحرب حبالة عصفور! مع أن الثابت في حرب الجمل شجاعة الإمام الحسن، وأنه طعن الجمل. وفي حديث آخر ذم الحسنين بلسان المدح فالحسن يمدح الحسين بشدة قلبه وأنه لم يؤت ذلك ويتمنى لو كان له ما للحسين من شدة القلب، بينما يتمنى الحسين أن يكون له بعض ما للحسن من بسط لسانه من الفصاحة والبلاغة! وهذه ظاهرها مدح وباطنها ذم في كلا الإمامين.

وينقل حديثاً مكذوباً عن تهاجر الحسنين ثلاثة أيام (ومن المعلوم أن هجر المؤمن أخاه ثلاثة أيام يوجب براءته منه كما نقلوا)! وأن الحسن كتب إلى الحسين يعيب عليه إعطاء الشعراء قال فكتب إليه الحسين إن خير المال ما وقى العرض!!

7. لاحظنا أنه نقل عن ابن سعد مقتله وصرح بذلك، وحافظ على أفكاره الأساسية من أنه الناس بايعوا يزيد وامتنع الحسين ثم اعتراضات الصحابة عليه ويرد عليه ما سبق أن قلناه في مقتل ابن سعد البغدادي، لكنه يغير قدر الامكان فيما لا يناسب آراءه ولو أدى لتشويه مقالة الحسين مثل نقله: ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، فإنها قد تغيرت عند ابن عساكر لتصبح: «ألا وإن البغي قد ركن بين اثنتين بين المسألة والذلة « وهذه الجملة لا معنى لها! كما انه استثنى كما قلنا سبع صفحات من مقتل ابن سعد فيها تفاصيل مقتل الامام الحسين﵇، كما لم يتعرض إلى حمل نسائه والرؤوس إلى الكوفة ومنها إلى الشام، ولا إلى ما نقله ابن سعد في أكثر من حديث عن كون الرأس قد حمل إلى يزيد وأنه كان يضرب ثناياه وقد اعترض عليه أبو برزة الأسلمي، وأنه كان يتمثل بأبيات ابن الزبعرى السهمي.. فهذا كله لم يذكر في ترجمة ومقتل الإمام الحسين لابن عساكر.

8. كل ما سبق تم التغاضي عنه وإغفاله لكن الخبر الكاذب الذي أشرنا إليه أكثر من مرة، ما زعموه عن أن الحسين﵇ خيرهم بين أن يسلموه إلى يزيد أو أن يبعثوه إلى الثغور ليقاتل أو..الخ، لم ينس ابن عساكر أن يذكره ويؤكد عليه كذلك إذا تم التغاضي عن ذكر يزيد في المقتل وكأنه لم يكن موجوداً في تلك الفترة الزمنية، إلا أنه لم ينس ما زُعم كذباً من أن يزيدَ أوصى ابن زياد أن يرفق بالحسين!

مقتل الامام الحسين عند ابن كثير الدمشقي

النموذج الآخر للبدائل المشوهة في المصادر التاريخية لمقتل الحسين﵇؛ ما ذكره ابن كثير الدمشقي في كتابه البداية والنهاية والذي تحول بالتدريج إلى (قرآن) للاتجاه السلفي فيما يرتبط بالتاريخ الإسلامي ولا يزال ويشهد لذلك عظم الاهتمام به، تحقيقاً وتعليقاً وشرحاً ودراسات.

وعند النظر إلى هذا المقتل الذي جاء بعنوان: قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة في طلب الامارة وكيفية مقتله والرسالة كما يقولون تقرأ من عنوانها، فسبب خروج الحسين من مكة هو طلب الإمارة ليس إلا! وجاء في سبعين صفحة (من 160 إلى 230)، وبالطبع لا يتسع المقام لعمل دراسة مفصلة فيه وإنما هي ملاحظات سريعة بمقدار ما تخدم ما نحن فيه من الموضوع.

بعض ما نلاحظه على مقتل ابن كثير:

1. انه اعتمد في معظمه في المقدمات على مقتل الحسين﵇ الوارد في طبقات ابن سعد ويرد عليه ما سبق من الملاحظات الأصل، لكنه فيما يرتبط بتفاصيل المقتل والقتال والشهداء وماذا قالوا من الرجز وخطب الامام الحسين﵇، رأى أن طبقات ابن سعد فقيرة للغاية في هذا، فاستعان بمقتل أبي مخنف الأزدي بالرغم من أن له موقفا عاماً منه، وله موقف خاص بالنسبة إلى بعض رواياته.

أما موقفه العام فقد بينه بقوله: «وللشيعة والرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة، وفيما ذكرنا كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولولا أن ابن جرير وغيره من الحفاظ والأئمة ذكروه ما سقته، وأكثره من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى وقد كان شيعياً، وهو ضعيف الحديث عند الأئمة، ولكنه أخباري حافظ، عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره، ولهذا يترامى عليه كثير من المصنفين في هذا الشأن ممن بعده والله أعلم.»

فمن الواضح أنه يعترف كغيره بأن غير أبي مخنف ليس لديه، وربما لا يريد أن يكون لديه، تفاصيل المقتل لكي لا تتبين شناعة جرائم الطرف الأموي والحال أنهم في صدد التخفيف منها وإنكارها إن استطاعوا.

لكن سيبقى هذا المقتل من دون توصيف أبي مخنف بلا لون ولا طعم ولا رائحة مثلما صنع ابن تيمية34 في شرحه لمقتل الحسين بما يضحك الثكلى! ويبين سقم معرفته التاريخية أو أغراضه النفسية.

لكن ابن كثير وهو مأسور بمشكلة الشيعة ومعبأ بطريقة استاذه وشيخه ابن تيمية لم يستطع أن يصنع انسجاماً بين كلام ابن سعد في الطبقات وبين روايات أبي مخنف كما هي في الطبري وقد نقل عنه، فلكل من الرجلين منهجه وطريقته في عرض الأحداث وماذا يريد أن يخدم فيها؟ فجاء مقتل ابن كثير متضارباً يقول كلاماً في البداية لكي يخالفه في النهاية ويسوق كلاماً هنا لينقضه هناك وهكذا35.

2. كانت العقدة الشيعية تمثل الشبح الذي يطارد ابن كثير فكلما رأى مناسبة لضرب الشيعة والرافضة لا يتركها تذهب بل يؤكد ما يعتقد فيهم حتى لو كانت من الكذبات المفضوحة، فلا يهم لأنه يكتب لمن لا ينتظر منه دليلاً فقد قال36: «ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذباً فاحشاً، من كون الشمس كسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم وما رفع يومئذٍ حجر إلا وجد تحته دم، وأن أرجاء السماء احمرت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب ضرب بعضها بعضاً، وأمطرت السماء دماً أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذٍ، ونحو ذلك. وروى ابن لهيعة عن أبي قبيل المعافري: أن الشمس كسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الامارة جعلت الحيطان تسيل دما، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يمس زعفران ولا ورس بما كان معه يومئذٍ إلا احترق من مسه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء»37.

وأسوأ من ذلك الكذبة الصلعاء المجلحة التي ما سبقه فيها غير شيخه ابن تيمية عندما قال ابن كثير: وهذا يرد قول الرافضة إنهم حملوا على جنائب الإبل سبايا عرايا، حتى كذب من زعم منهم أن الإبل البخاتي38 إنما نبتت لها الأسنمة من ذلك اليوم لتستر عوراتهن من قُبلهن ودبرهن»39.

سبحان الله!! هلا جئت لنا باسم واحد ممن تسميهم الرافضة ممن يقول بذلك؟ فهذه كتبهم وسيرهم ومقاتلهم وأنت تزعم أن لديهم مبالغات وكذباً كثيراً في المقتل فهلا جئت بمصدر واحد يذكر هذه الفرية؟

والحقيقة أنه لم ترد هذه الكلمات (والزيادة عليها من عند ابن كثير) إلا فيما ذكره سائل (وقد يكون سائلاً مفترضاً) لابن تيمية في الفتاوى، وقد ذكره أيضاً في كتابه رأس الحسين (وهذا يجعلنا نشكك في وجود سائل حقيقي) ففي كتابه رأس الحسين قال «وأما ما يرويه من لا عقل له يميز به ما يقول، ولا له إلمام بمعرفة المنقول: من أن أهل البيت سبوا، وأنهم حملوا على البخاتي، وأن البخاتي نبت لها من ذلك الوقت سنامان: فهذا الكذب الواضح الفاضح لمن يقوله. فإن البخاتي لا تستر امرأة، ولا سبي أهل البيت أحد، ولا سبي منهن أحد»40.

وجاء ابن كثير ليرقص على هذه النغمة، ومن أجمل الجواب ما أجاب به العلامة الأميني رضوان الله تعالى عليه حيث قال « لا أحسب أن في الشيعة معتوها يزعم أن الأسنمة الموجودة في الإبل بخاتيها وعرابيها منذ كونت حدثت بعد واقعة الطف، الشيعة لا يقول ذلك وإنما يأفك بهم من أفك، وهو يريد الوقيعة فيهم بإسناد التافهات إليهم، ولا يعتقد الشيعي أن حرائر النبوة وإن سلبن الحلي، والحلل، والأزر، والأخمرة، مضين في السبي عراة، واستقبلهن شيء من مظاهر الخزي، فإن عطف المولى لهن كان يأبى ذلك كله.

نعم: انتابتهن محن ونوائب وكوارث وشدائد في سبيل جهادهن كما انتابت رجالهن في سبيل جهادهم، وكلما ينتاب المجاهد بعين الله وفي سبيله فهي مأثرة له لا مخزاة فإنهن شاركن الرجال في تلك النهضة المقدسة التي أسفرت عن فضيحة الأمويين ومكائدهم ونواياهم السيئة على الدين والمسلمين، وإضمارهم إرجاع الملأ الديني إلى الجاهلية الأولى»41.

3. ضمن هذا الاتجاه الاموي يبدأ ابن كثير قصة مقتل الحسين﵇ بجملة من الأفكار؛ منها أن الحسين كان مخالفًا للحسن﵉ في الموقف من بني أمية والصلح وأن الحسن أراد لذلك أن يسجن أخاه الحسين! 42.

وضمن نفس الأفكار التي يشيعها أتباع الخط الأموي ليس فقط أن الإمامين كانا منسجمين مع معاوية بن أبي سفيان بل كان هو في طرف الاحسان لهما والإكرام والعطاء المالي السخي!43 وأنه أعطاهما في يوم واحد مائتي ألف! وأعجب من ذلك قوله إنه بعد وفاةالحسن كان الحسين يفد على معاوية كل سنة فيعطيه ويكرمه! يعني أنه خلال هذه المدة ذهب إليه عشر مرات! ولا أعلم هل كان ذلك لتهنئته على اغتياله الامام الحسن أو على مباركته له بمحاولاته استئصال شيعة أبيه؟!44

4. كذلك لا ينسى ابن كثير أن يورد ما ذكره ابن سعد -بالتفصيل الممل- عن (نصح) الصحابة ونظرائهم للحسين بل (الناس) ألا يخرج فإن في خروجه الفتنة، فقال «ولما استشعر الناس خروجه أشفقوا عليه من ذلك، وحذروه منه، وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق، وأمروه بالمقام بمكة، وذكروه ما جرى لأبيه وأخيه معهم».45

5. من غرائب ابن كثير أنه بينما يرى عبيد الله بن زياد أهلاً لأن يخطب خطبة بليغة 46بقوله: «وقد كان عبيد الله قبل أن يخرج من البصرة بيوم خطب أهلها خطبة بليغة ووعظهم فيها وحذرهم وأنذرهم من الاختلاف والفتنة والتفرق، وذلك لما رواه هشام بن الكلبي وأبو مخنف»47 نراه يستكثر على الامام الحسين﵇ ما جاء في خطابه لأهل البصرة من قوله: «إلى أشراف أهل البصرة فيه أما بعد فإن الله اصطفى محمداً على خلقه وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به، وكنا أهله وأولياءه وورثته وأحق الناس به وبمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق فرحم الله وغفر لنا ولهم، وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، فتسمعوا قولي وتطيعوا أمري، فإن فعلتم أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله «ويراه من صناعة بعض رواة الشيعة وأنه كلام مطرز، فقال معلقاً على الرواية التي نقلها أبو مخنف: «وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أنه مطرز بكلام مزيد من بعض رواة الشيعة»48.

6. كما ذكرنا فإن ظاهرة التعثر والاضطراب في هذا المقتل ترجع إلى عوامل متعددة؛ منها النقل من نظامين وفكرتين لا تنسجمان؛ مقتل أبي مخنف الأزدي، ومقتل ابن سعد البغدادي، ومنها غلبة العقيدة على الرواية التاريخية فإن ابن كثير يكتب التاريخ وفي ذهنه تثبيت آرائه وأفكاره ونفي ومعارضة أفكار غيره، بغض النظر عن أن الرواية التاريخية تساعده أو تعارضه، فهو يختار الروايات التي تساعده وإن كانت ضعيفة ولا قرائن عليها ويستبعد الروايات التي تخالفه في المعتقد حتى لو كانت أسانيدها تامة والقرائن عليه كثيرة!

فخذ هذا المثال فإنه في أول المقتل مع أنه نقل عن الزبير بن بكار وهو عنده معتمد «أنه كتب يزيد49 إلى ابن زياد: إنه قد بلغني أن حسيناً قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلى به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت أنت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبداً كما ترق العبيد وتعبد، فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه».

وأضاف ابن كثير قائلا: قلت: والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام كما سيأتي50.

لكنه فيما بعد هذا بنحو ثلاثين صفحة يقول «وقد اختلف العلماء بعدها في رأس الحسين هل سيره ابن زياد إلى الشام إلى يزيد أم لا، على قولين، الأظهر منهما أنه سيره إليه، وقد ورد في ذلك آثار كثيرة فالله أعلم»51 فلا نعلم أي الصفحتين نصدق؟

ونحتمل أن ابن كثير قد تورط ما بين (رأي واعتقاد) شيخه ابن تيمية وبين الروايات الكثيرة المتظافرة والقرائن الكثيرة المتوفرة على أن رأس الحسين﵇ قد حمل إلى الشام وأنه نكته يزيد بن معاوية بعود الخيزران، فماذا يصنع؟ هل ينفي رأي شيخه أو ينفي الروايات؟ لا سيما وأن رأي ابن تيمية جازم قاطع متجاوز لكل الروايات والمؤرخين من الفريقين، فماذا يصنع؟ إن ابن تيمية لا يمانع أن يلغي مقتل الأزدي والطبري وابن سعد والبلاذري وابن الجوزي وغيرهم لأجل شخص سمّاه، وقد نعته الذهبي بأنه متهم في نقله! ويكفي لمعرفة مستوى وثاقته وصدقه دعواه «إجماع الذين صنفوا في مقتل الحسين» على أن الرأس لم يغترب، ولو لم يكن في كل كلامه إلا هذه لكفت في عدم الاعتماد عليه، جاء به ابن تيمية ليستدل به على أن الرأس لم يغترب!52 أي لم يُسفَّر إلى الشام.

وقال ابن تيمية مكذباً حمل الرأس ونكت يزيد ثناياه بقضيب بأنه لم ينقل بإسناد معروف، وإنما هو إسناد منقطع وقد عارضه ما هو أثبت وأظهر!!53 ولأن الأمر أكبر من أن يرقع فقد اكتفى (محقق الكتاب) وهو من تلامذته الفكريين بنقل ما عن ابن جرير الطبري في هامش الكتاب، من إثبات ما نفاه ابن تيمية! ولم يقل شيئا!! وكذلك نقل كلام المسعودي في مروج الذهب بنفس المؤدى.

والحقيقة إني أتعجب من حجم التناقض بل العناد في شخصية هذا الرجل فهو من جهة يمدح محمد بن سعد صاحب الطبقات -كاتب الواقدي كما سماه- فيقول: «ومن المعلوم: أن الزبير بن بكار، صاحب كتاب الأنساب، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، صاحب الطبقات ونحوهما من المعروف بالعلم والثقة والاطلاع: أعلم بهذا الباب، وأصدق فيما ينقلوا به من المجاهيل والكذابين، وبعض أهل التواريخ الذين لا يوثق بعلمهم ولا أصدقهم، بل قد يكون الرجل صادقاً، ولكن لا خبرة له بالأسانيد»54، ثم لا ينظر لتحقيق هذه المسألة التي نفاها بضرس قاطع إلى ما قاله من رآه أعلم وأصدق وأهل ثقة واطلاع، فلو كلف نفسه لينظر إلى ترجمة الامام الحسين في طبقات ابن سعد لرأى فيه هذا النص: «وقدم برأس الحسين محفز بن ثعلبة العائذي -عائذة قريش- على يزيد، فقال: أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم، فقال يزيد: ما ولدت اُم محفز أحمق وألأم، لكنّ الرجل لم يقرأ كتاب الله «تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء». ثم قال بالخيزرانة بين شفتي الحسين وأنشأ يقول:

يفلقن هاما من رجال أعزّة

علينا وهم كانوا أعق وأظلما

والشعر لحصين بن الحمام المري، فقال له رجل من الأنصار- حضره-: ارفع قضيبك هذا فانّي رأيت رسول﵌يقبّل الموضع الذي وضعته عليه.

قال: أخبرنا كثير بن هشام، قال: حدّثنا جعفر بن برقان، قال: حدّثنا يزيد بن أبي زياد، قال: لما أُتي يزيد بن معاوية برأس الحسين بن علي جعل ينكت بمخصرة معه سنّه ويقول: ما كنت أظنّ أبا عبد الله يبلغ هذا السنّ!55

فإذا كان ابن سعد كما وصفته، فهلا قبلت كلامه؟ وأين الاسناد المنقطع؟ وأين الروايات المعارضة التي هي أكثر وأظهر؟

مقتل الذهبي56 في كتابه تاريخ الإسلام

1. نلاحظ عليه: كأنه استكثر على الامام الحسين﵇ وأصحابه في مقتلهم وما حدث على نسائه أن يخصص لكل هؤلاء أكثر من 15 صفحة من كتابه تاريخ الإسلام الذي جاء في 52 مجلداً! وأما نفس المقتل فلم يزد فيه على خمسة أسطر!57 إن صح أن يسمى ما كتبه (مقتلاً)!

ويُعَد كما أرى من أسوء ما كتب حول حادثة كربلاء وما تلاها، فلك أن تتصور أن شخصاً يريد أن يكتب عن كل الحادثة في خمسة عشر صفحة، لا شك يخرج القارئ بشيء غير واضح عما حدث ولماذا حدث ما حدث؟! وكيف حدث ما حدث؟!

لا سيما مع عدم ترتيب لاعتماده الأخبار المتقطعة فأحياناً تجد خبراً عن رأس الحسين وأين صار؟ بينما هو حتى الآن لم يتحدث عن الواقعة والقتل!

2. يبدأ الحوادث بالإشارة إلى ما اورده ابن سعد في الطبقات، ثم يأتي بنفس الكلام والمقدمات حتى لتكاد تكون بالنص فيما يرتبط (بنهي الصحابة) الحسين عن الخروج، وقد أشرنا إلى ذلك عند الحديث عن مقتل الحسين في طبقات ابن سعد ونذكّر بأن التركيز على هذه الجهة في كل المقاتل (المختصر منها والمفصل) يستبطن في داخله إدانة للحسين الذي (عصى) نصح الناصحين، وأصر على الخروج! ومن الطبيعي أن من يقرأ المقتل ويرى حشد الأسماء بطريقة توحي بموقف معاند وأنه كان ينبغي أن يسمع كلامهم! خصوصاً مع إغفال وترك خطب الامام الحسين وكلماته التي تبين مواقفه وسبب خروجه والأخطار التي كانت تتهدد الإسلام بولاية يزيد وما قاله﵇ من أنه (وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة بوال مثل يزيد) لقد تم تجاهل كلمات الحسين﵇ التي تبين أهدافه ومنطلقاته حتى وصيته المشهورة التي أوصى بها أخاه محمداً بن الحنفية (وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي) لكنهم بدل ذلك يروون أن محمد بن الحنفية لم يخرج مع الحسين ومنع أبناءه من الخروج!! وذلك لكي يزعموا أن (خطأ) الحسين في موقفه كان واضحا حتى لبعض أهل بيته!

3. التأكيد على ما كذبه شاهد العيان الرئيس عقبة بن سمعان، من أن الحسين طلب منهم أن يسمحوا له بواحدة من ثلاث: كما زعم الذهبي ناقلاً عن أبي معشر نجيح58عن بعض مشيخته، إن الحسين قال لعمر بن سعد: يا عمر اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تتركني أن أرجع، أو أن تسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده، فيحكم فيما أرى، فإن أبيت فسيرني إلى الترك، فأقاتلهم حتى أموت عن أن يسير إلى ثغر من الثغور او يسلم يده في يد يزيد..)،59فأول ما في هذا الخبر هو أبو معشر وتجد وصفهم له بالضعف بل الكذب في الهامش، وهو ينقله عن بعض مشيخته الذين لا نعلم من هم؟ ثم يعتمد عليه الذهبي في مسألة بغاية الأهمية كالتي ذكرت وكأنّ الحسين﵇ متهالك على أن يقبلوا منه أي واحدة من الخصال التي لا ريب أن الحسين يرفضها كلها، وقد كذبها عقبة بن سمعان مولى الحسين﵇ بما أشرنا إليه في فصل السيرة الحسينية.

4. التأكيد من قبل مؤرخي الخط الرسمي للخلافة والشامي على وجه التحديد على تأسف يزيد وحزنه بل بكائه على الحسين لما وصل الأسارى للشام! واعتمادهم في ذلك على ما رواه الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن حسن المخزومي قال: لما أدخل ثقل الحسين على يزيد ووضع رأسه بين يديه بكى يزيد وقال:

نفلق هاما من رجال أحبة

إلينا وهم كانوا أعق وأظلما60

ولأنه يتكرر في كل هذه المصادر فمن المهم الاشارة إلى أن من يسمى بمحمد بن الحسن المخزومي ويلقب بزبالة والذي اعتمد عليه الزبير بن بكار قد وصف عند الرجاليين61 تارة بالكذاب وأخرى بأنه ليس بثقة وهكذا.

ولا نعلم هل أن من البكاء نكت ثنايا الحسين﵇؟62 وهل من البكاء قوله لزينب: إنما خرج من الدين أبوك وأخوك؟63

إن من ميزات هذا الخط (الشامي) رفع المسؤولية عن يزيد إلى الحد الذي جعلوه يبكي على الحسين، ورفعوا عنه جريمة ضرب رأس الحسين بالقضيب، وتحميل ذلك لابن زياد مثلما رأينا في (جهاد) ابن تيمية لنفي مسؤولية يزيد! وهكذا هنا التهالك على رواية الزبير بن بكار وإثبات أن الذي ضرب الرأس هو ابن زياد، وينفرد في هذه المسألة الخط الشامي المسكون بالاتجاه الأموي عن سائر المؤرخين حتى عند من يعتمدون عليه كابن سعد الذي ثبت في مقتله ضرب يزيد رأس الحسين في أكثر من رواية، لكنهم (يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ)64.

فمن جهة هم يسعون قدر الإمكان إلى تغييب الفظاعات والجرائم التي ارتكبها الجيش الأموي، وتخفيف شناعة ما تم ارتكابه في أهل بيت النبي وسيد شباب أهل الجنة على وجه الخصوص ولذلك فهم لا يعرضون بشكل تفصيلي لما جرى على الحسين وأهل بيته، وإنما يختصرون الحدث ببضع كلمات كما فعل الذهبي في مقتل الحسين﵇، وفي المقابل يؤكدون على حزن يزيد وبكائه على ما حصل ويلقون باللوم على ابن زياد!

مقتل البلاذري65 في أنساب الأشراف

1. يمكن اعتباره من أفضل ما دونه مؤرخو مدرسة الخلفاء في مقتل الحسين لجهات متعددة؛ منها أنه جاء مفصلاً في 89 حديثاً و87 صفحة، وهذا مكن المؤلف من إعطاء المقتل حقه من التفصيل، كما أنه جاء مرتبا بشكل تفوق في هذا على مقتل الطبري (أبي مخنف) وعلى ابن سعد وسائر المقاتل الأخرى بحيث يستشعر القارئ أنه يسير خطوة خطوة من بداية الخروج من المدينة بل قبلها أيام معاوية، إلى أن رجع ركب الأسارى إلى المدينة.

وبشكل سريع يمكن الإشارة إلى أهم المحطات التي ذكرها البلاذري، فقد بدأ حديث 1 الى 13 حول صلح الحسن وآراء الشيعة فيه وما قاله من اعتراضهم عليه واستثارتهم الحسين للنهضة بعد وفاة الحسن وإصرار الحسين على الالتزام بالميثاق مادام معاوية موجوداً.

ومن حديث 14 إلى 18 حول وفاة معاوية وخروج الحسين من المدينة إلى مكة ومجيء كتب أهل الكوفة وارساله مسلماً بن عقيل للكوفة.

ومن حديث 19 الى 24 استعان بما ذكره ابن سعد وغيره من ذكره نصيحة الاصحاب ألّا يخرج إلى العراق.

وحديث 25 حول خروج الحسين من مكة واشتباك شرطة عمرو بن سعيد الاشدق معه ثم قضية قيس بن مسهر الصيداوي والقبض عليه ثم التحاق زهير بن القين مع الحسين في الطريق، والتقاء عسكر الحسين بجيش الحر بن يزيد الرياحي حيث سقاهم الحسين وخيولهم.

تعرض إلى وصول الحسين إلى كربلاء، ثم وصول عمر بن سعد وبمناسبة ذلك عرض إلى نزاعه الداخلي ومشورة الاقربين له في ترك مقاتلة الحسين وأنه اختار ملك الري، ولم يأت على ما ذكره غيره خطأ من أن ابن زياد هدده بالقتل.

أشار أيضاً إلى تفاصيل تحشيد ابن زياد لحرب الحسين واستدعاء قادة الكوفة من شبث بن ربعي واسماء بن خارجة والحصين بن نمير وكثير بن شهاب وعمرو بن الحجاج وغيرهم لبعثهم لكربلاء.

أشار إلى دعوة حبيب بن مظاهر ليلة العاشر الأسديين لنصرة الحسين، ونتيجة ذلك، كما اشار إلى منع الماء عن أصحاب الحسين قبل ثلاث من عاشوراء، وإلى قيام العباس وبني هاشم بجلب الماء من الشريعة تحت قوة السيف.

كذلك ذكر ما جاء به شمر من رسالة التصعيد من ابن زياد وتهديده بأن يعزل من الجيش، ونداءه العباس وإخوته بالقول: اين بنو اختنا؟

كما تحدث عن ليلة عاشوراء وعرض الحسين عليهم أن يتفرقوا وثباتهم على نصرته وذكر بعض أقوالهم في ذلك، وأخيرا عرض إلى ذكر المقتل بدءا بصباح يوم عاشوراء ناقلاً عن الحسين مقطعاً من خطبته الأولى الاحتجاجية، وانتقال الحر الرياحي إلى صف الحسين وكلامه مع جيش عمر بن سعد، ثم شهادته.

وكان ذكره تفاصيل المعركة بنحو جيد من حيث أسماء أنصار الحسين المقاتلين ورجزهم وشعرهم.

ثم مقتل آل أبي طالب من العباس واخوته وعليّ الأكبر وأبناء الحسن وآل عقيل وأخيرا مقتل الحسين بما نجده في اللهوف والارشاد وغيره من التفاصيل المحزنة مما لا نجد ذلك في طبقات ابن سعد ولا غيره.

2. بالرغم من ما ذكرنا من النقاط الايجابية في مقتل البلاذري إلا أنه لا يعني خلوه من الأخطاء فقد وقع كغيره في ما زعم من أن الحسين «ناشدهم الحسين أن يسيروه إلى يزيد فيضع يده في يده فأبوا إلا حكم ابن زياد»66.

ومثله حديث آخر أنهم قالوا أن الحسين عندما اجتمع مع عمر بن سعد قال لهم: «اختاروا مني الرجوع إلى المكان الذي أقبلت منه، أو أن أضع يدي في يد يزيد فهو ابن عمي ليرى رأيه فيّ وإما أن تسيروني إلى ثغر من ثغور المسلمين فأكون رجلاً من أهله لي ما له وعليّ ما عليه»67وهو ما سبق أن ذكرنا خطأه والمصدر الباطل الذي أشاعه، نعم قد أضاف البلاذري قوله «ويقال انه لم يسأله إلا أن يشخص إلى المدينة فقط.

3 إثباته تسيير الرؤوس إلى الشام وضرب يزيد رأس الحسين بالقضيب فإنه بعدما نقل ما تمثل به يزيد (نفلق هاما..) ذاكراً في عدة أحاديث أنه وضع رأس الحسين أمامه قال أخيراً: «وجعل يزيد ينكت بالقضيب ثغر الحسين حين وضع رأسه بين يديه فقال أبو برزة الأسلمي أتنكت ثغر الحسين؟ لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً! ربما رأيت رسول﵌يرشفه أما أنك يا يزيد تجيء يوم القيامة وشفيعك ابن زياد، ويجيء الحسين وشفيعه محمد، ثم قام (وخرج من مجلس يزيد)68.

4. باستثناء ما سبق ذكره فإن القارئ يلحظ بوضوح أن المقتل فيه قدر كبير من الانصاف ونقل الصورة القريبة من الحقيقة، كما يلحظ موقف التعظيم والاحترام للإمام الحسين﵇ وأصحابه في هذا المقتل.

الهوامش

  1. 4. الأحزاب: 21.
  2. 5. المحمودي، محمد جواد: ترتيب الأمالي، ٥ /١٨٧روي عن الإمام علي بن الحسين السجاد: أنه قال: ما من يوم أشدّ على رسول﵌ من يوم أحد، قتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمّه جعفر بن أبي طالب ثمّ قال﵇: «ولا يوم كيوم الحسين﵇، ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنّهم من هذه الامّة، كلّ يتقرّب إلى اللّه عزّ وجلّ بدمه، وهو باللّه يذكّرهم فلا يتّعظون، حتّى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا».
  3. 6. لعل هذا أحد الأسباب التي كان يشير فيها الإمام إلى نسبه الشريف وحسبه المنيف بالقول: أوَ ليس حمزة سيد الشهداء عمَّ أبي.. أوَ ليس جعفر الطيار عمّي؟ أو لم يبلغكم قول رسول الله فيّ وفي أخي الحسن هذان سيدا شباب أهل الجنة؟.
  4. 7. في إحدى صفحات الفيسبوك ذكر صاحبها مقتل الحسين بالرؤية الأموية -من تاريخ ابن كثير- ومع ذلك قال بعض المعلقين إن عمره احدى وعشرون سنة ولأول مرة يسمع بهذه الأحداث! وهذا نموذج عن الكثير من شباب المسلمين من غير شيعة أهل البيت.
  5. 8. الصواعق المحرقة 2/640.
  6. 9. لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف الأزدي الغامدي ويكنى بأبي مخنف (وكنيته أشهر من اسمه) ومِخنف بكسر الميم يعني من كان في أنفه ميلان وانحراف، كوفي توفي سنة 157 هـ، ولأجل هذا وصفه الرجاليون بأنه من أصحاب الباقر والصادق﵉ بمعنى معاصرته لهما كما هو في المصطلح الرجالي، وصفه الشيخ النجاشي بانه «شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم وكان يُسكن إلى ما يرويه » وأقر له مخالفوه مذهبيا بالاحاطة والتتبع وبأن عنده ما ليس عند غيره من الأخبار. وإن كان الاتجاه العام عندهم تضعيفه لأجل مذهبه! يعد من أهم المؤرخين الذين أثّروا في تلامذتهم، فيمكن عدّ هشام بن محمد بن السائب الكلبي ـ وهو راوي المقتل ـ من تلامذته وكذلك ابو الحسن المدائني، ذكروا في كتبه نحو 50 عنوانا وربما يظهر من عناوينها السبب الذي جعلها تباد وتفقد؛ فمنها كتاب السقيفة، كتاب الردّة، كتاب فتوح الإسلام، كتاب فتوح العراق، كتاب فتوح خراسان، كتاب الشورى، كتاب قتل عثمان، كتاب الجمل، كتاب صفّين، كتاب النهر، كتاب الحكمين، كتاب الغارات، كتاب مقتل أمير المؤمنين﵇، كتاب قتل الحسن﵇، كتاب قتل الحسين﵇، كتاب مقتل حجر بن عدي، كتاب أخبار زياد، كتاب أخبار المختار.. وغيرها. ولم يبق من تلك الكتب سوى ما نقل عنه من روايات في كتب أخرى كتاريخ الطبري الذي أكثر من النقل عنه. يعد في التصنيف العام من مؤرخي الشيعة وإن كان بعض الباحثين يشكك في كونه كذلك ويرى أنه شيعي بالمعنى السياسي العام. لا بمعنى كونه إماميا. ولمن أراد التفصيل في شأن أبي مخنف ومقتله فليرجع للدراسة المفيدة التي كتبها الشيخ الغروي، وكذلك دراسة الشيخ عامر الجابري في موقع العتبة الحسينية (https: //www.warithanbia.com/?id=651#_ftnref110).
  7. 10. موضوع فقد النسخ مع العلم بتأليفها وبموضوعها ومؤلفها، قد يكون راجعا إلى ما مر على الأمة الإسلامية من حروب وفتن وما يرافقها من تدمير للحضارة وأقربها المكتبات ودور العلم، وما نقل مثلا أيام الاجتياح المغولي للبلاد الإسلامية، وهذا واضح! إلا أننا نعتقد أنه كان هناك سبب آخر لم يسلط عليه الاهتمام كما ينبغي وهو قيام السلطات السياسية الحاكمة (وأحيانا بالتشاور مع بعض علماء البلاط والسلطة) في مصادرة وإتلاف قسم من الكتب لوجود أفكار أو معلومات في هذه الكتب لا ترضى عنها السلطة، فينتهي الأمر بجمع هذه الكتب ـ وهو من السهل بمكان في تلك الأزمنة حيث لم تكن الطباعة موجودة ـ فيتم اتلاف هذه النسخ، ويضيع ما لم يتم اتلافه. وهذا موضوع مناسب أن يتوجه له الباحثون ليروا أي نوع من الكتب كانت (تفقد) نسخها! وفيما يرتبط بمقتل أبي مخنف فإن الباحثين يرون أنه كان موجودا إلى القرن الرابع الهجري، ثم فقد بعد ذلك ولعل الفترة الزمنية التي شهدت صراعات مذهبية واضحة ومواجهات حادة تشير لنا إشارة أخرى بالإضافة إلى ما ذكرناه من عناوين كتب أبي مخنف وملامستها لقضايا حساسة، لماذا « فقد» أو أتلف هذا الكتاب وأمثاله؟
  8. 11. لا بد من التمييز بين كتاب مطبوع باسم (مقتل أبي مخنف الأزدي) ويبدأ بالقول قال أبو مخنف: حدثنا أبو المنذر هشام بن محمد.. وهذا الكتاب لا تصح نسبته إلى أبي مخنف كما اتفق عليه المحققون من العلماء. إذ جعل كاتب الكتاب الأستاذ تلميذا والتلميذ استاذا!! وبين ما استخلص من تاريخ الطبري عن أبي مخنف وهذا هو الذي نتحدث عنه وهو جزء من كتاب ابي مخنف الأصلي. وقد كتب العلامة الشيخ الغروي دراسة جيدة مفصلة عن المؤلف والكتاب وطبع ما جاء في الطبري وغيره مما صح عنده نسبته لأبي مخنف في كتاب مستقل جاء في طبعته الأولى سنة 1411 هـ باسم (وقعة الطف) بطباعة مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم، في 280 صفحة.
  9. 12. بيضون؛ د. لبيب موسوعة كربلاء 1/36.
  10. 13. العقيلي المكي، محمد بن عمرو: الضعفاء الكبير 4/18.
  11. 14. في كتاب صحيح وضعيف تاريخ الطبري لمحمد بن طاهر البرزنجي، بمجرد ان يمر مؤلفه على رواية في سندها ابو مخنف يعقب عليه بالقول: في سندها لوط بن يحيى التالف الهالك.. ومعنى هذا أن كامل مقتل الحسين﵇ في تاريخ الطبري لا يعتمد عليه!! وبالطبع سينطبق على كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير نفس المقاس لأنه اعتمد اعتمادا كبيرا على مقتل أبي مخنف إما من خلال الطبري أو غيره.
  12. 15. الشيباني، خليفة بن خياط: تاريخ خليفة بن خياط 234.
  13. 16. هو محمد بن سعد بن منيع البصري ولادةً (البغدادي) توفي سنة 230 هـ، ويعرف بكاتب الواقدي وصاحبه، فعنه أخذ وأكثر وعليه تتلمذ، ومع أن الاتجاه العام في مدرسة الخلفاء يضعّف استاذه الواقدي (محمد بن عمر بن واقد المدني) بكلمات قوية إلا أنه بنفس المقدار يوثق محمد بن سعد ويثني عليه، ينمى في ولائه للعباسيين.وأما على المستوى الشيعي فهناك رأيان في شأنه؛ الأول يعتمد على ما قاله في شأنه ابن النديم؛ وهو ما يظهر من الشيخ عباس القمي في كتابه الكنى والألقاب 1/306 حيث وصفه « بأنه أحد الفضلاء الاجلاء، كان كثير العلم غزير الحديث والرواية كثير الكتب « والشيخ عبد الله المامقاني بنحو أوضح في تنقيح المقال 3/120 حجرية، فإنه بعد أن نقل كلام ابن النديم وهو أن ابن سعد«كان ثقة مستورا عالما بأخبار الصحابة» استنتج (أن توثيقه المطلق يكشف عن كونه إماميا عدلا). والثاني من الأقوال: ما ذهب إليه الشيخ محمد تقي التستري في قاموس الرجال9/285؛ فإنه استظهر كونه عاميا بل رأى أنه ناصبي شديد، وعلق على مقالة الشيخ المامقاني بالقول:..ما ذكره غلط عظيم.. إلى أن يقول وكيف يكون إماميا عدلا وهو عامي عنيد وناصبي شديد كما لا يخفى على من راجع طبقاته فإنه بدّل أمر النبي بسد الأبواب إلا باب أمير المؤمنين﵇ بباب ابي بكر الذي كان من أخبار وضعته البكرية كما اعترف به ابن ابي الحديد. وقال في غزوة تبوك مع كون استخلاف النبي لأمير المؤمنين فيها اجماعيا كما أقر به الطبري أن النبي استخلف محمد بن مسلم، وقال: هو أثبت عندنا من قال استخلف غيره! أراد بذلك إخفاء قول النبي في المتواتر لأمير المؤمنين أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي! ولم يقنع بما فعل فزاد في الجعل (أن النبي استخلف أبا بكر الصديق يصلي بعسكره) فأي معنى للاستخلاف مع حضوره بنفسه وعدم عروض مرض له؟ انتهى كلام التستري.أقول: إني أحتمل أنه شكل الخط الوسط الذي أخذ من الواقدي (التشيع العام بمعنى مدح أسرة النبي، مع عدم التركيز على ما يرتبط بولاية وإمامة أمير المؤمنين) وتعامل مع العباسيين في قضية خلق القرآن بل عمل لهم في القضاء، وأخذ من الخط السني العام قضية التفضيل والاعتقاد بعدالة الصحابة وتصحيح خلافة الخلفاء، وحاول أن يوازن في المسائل الحرجة مثل قضايا بني أمية وما شاكلها، فهو لا يشدد النكير على معاوية لئلا يستثير الخط الرسمي، وفي نفس الوقت لا ينزه مثل يزيد، وكان يمارس التقية ليس فقط في خلق القرآن كما قالوا عندما دعي للاقرار بما يعتقد المأمون العباسي فأجابهم لذلك، وإنما كان كما أظن يمارس التقية بالنسبة للأطراف كلها. مع أن التقية من مرتكزات الشيعة، ولم يكن منهم!! فهو أقرب للحالة البراجماتية في هذا الجانب. ويذكّر في هذا بما قاله بعضهم عن البخاري صاحب الصحيح من أنه حاول أن يجمع من سنة النبي ما لا يختلف فيه أتباع مدرسة الخلفاء فكان محل اجماع لهذا السبب!
  14. 17. محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، ولد في دمشق وتوفي فيها سنة 748 هـ، تعلم لدى الشيخ أبي الحجاج المزي والشيخ أحمد بن تيمية وغيرهما، ولكن كان هذان أكثر تأثيرا فيه حيث جمع بينهم الاهتمام في نشر المذهب الحنبلي والاتجاه السلفي وكان كثير التأليف لكن كتب الذهبي والتي أوصلها بعضهم إلى مائتي كتاب، كان ثلثها مختصرات لأمهات الكتب التاريخية المؤلفة قبله، فقد اختصر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق لابن عساكر، وتاريخ نيسابور لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وتاريخ مصر لابن يونس، وكتاب الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة، والتكملة لوفيات النقلة للمنذري، وأسد الغابة لابن الأثير.
  15. 18. ويرى باحثون أن هذا الاختصار لم يخل من «نخل وتصفية» روايات تلك الكتب مما يخالف توجهات الذهبي ويخل بالمعنى أحيانا مثلما ذكر عن ابن سعد في قوله « كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون رجلا رضي الله عنه، فلما ولي هو أمسك عن ذلك /بينما في الأصل عن ابن سعد اسم علي﵇ مذكور. فللدفاع عن بني أمية أفسد الخبر! يعتبر ابن كثير وابن رجب الحنبلي وعبد الوهّاب السبكي من تلامذته. كما يعتبر تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، وسير أعلام النبلاء من أهم كتبه. وكما سبق أن ذكرنا يلحظ الدفاع عن الاتجاه الأموي والرسمي في كتبه، نعم لم يكن بنفس الدرجة التي كان عليها ابن تيمية والذي قيل إن الذهبي وجه له رسالة ناقدة قوية! بالرغم من أن الذهبي قد اختصر كتاب ابن تيمية منهاج السنة في كتاب له بعنوان منهاج الاعتدال!
  16. 19. هو إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، توفي سنة 774 هـ، مُحدّث ومفسر وفقيه، يعتبر من أهم تلامذة الشيخ أحمد بن تيمية كما يشير إلى ذلك في كتبه، وكتبه تعد من أهم مصادر الاتجاه السلفي إلى اليوم، لا سيما في ما لم يؤلف فيه ابن تيمية كالتاريخ أو تمام التفسير، وبالرغم من أن الأشاعرة والسلفية يتنازعانه إلا أن الناظر في كتبه لا يخطئ الأثر السلفي الواضح فيها، كما لا يخطئ فيها الدفاع عن مدرسة الخلفاء بقوة، ولذلك فلا يتوقف في عدم السماع والأخذ من شخص صادق وثقة إذا كان لديه نقد على الخليفتين كما صرح بذلك في قوله عن ابن عقدة كان (يُمْلِي مَثالِبَ الصَّحابَةِ - أوْ قالَ: الشَّيْخَيْنِ - فَتَرَكْتُ حَدِيثَهُ لا أُحَدِّثُ عَنْهُ بِشَيْءٍ.) هذا مع أنه قال قبل هذا ناقلا عن (الدارقطني: أجْمَعَ أهْلُ الكُوفَةِ أنَّهُ لَمْ يُرَ مِن زَمَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إلى زَمانِ ابْنِ عُقْدَةَ أحْفَظُ مِنهُ) البداية والنهاية ١٥/١٥٩. مع ميل واضح وصريح للاسرة الأموية، فهو القائل (كانت سوق الجهاد قائمة في بني أمية، ليس لهم شغل الا ذلك، وقد اذلوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعباً، لا يتوجه المسلمون الى قطر من الأقطار الا اخذوه..) البداية والنهاية 9/104. له من الكتب: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، وطبقات الشافعية، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، والسيرة النبوية، وله رسالة في الجهاد..
  17. 20. نلاحظ أثر ذلك في مقتل ابن كثير الدمشقي، في كتابه البداية والنهاية الذي يكاد يكون نسخة ملخصة من طبقات ابن سعد! وكذلك الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام سير أعلام النبلاء.
  18. 21. لمعرفة قوة انتماء جابر الانصاري والتزامه خط أهل البيت﵈ يراجع كتابنا رجال حول أهل البيت﵈.
  19. 22. الحسين الذي هو حجة الله على خلقه، والذي هو سيد شباب أهل الجنة، والذي هو إمام قام أو قعد! أصبحت المسماة عمرة تأمره وتنهاه!!
  20. 23. فيا موت زر إن الحياة ذميمةويا نفس جدي إن دهرك هازل
  21. 24. هذه الكلمات جاءت في ترجمة الإمام الحسين لابن سعد من ص 57 إلى 59.
  22. 25. راجع في فصل السيرة الحسينية الدوافع التي حركت الإمام الحسين﵇ للقيام بتلك النهضة.
  23. 26. لاحظ عزيزي القارئ هنا تصوير الإمام الحسين شخصا مترددا مرة يهم بالنهضة وأخرى يتركها، زعم القائل إنه أقام على ما هو عليه من الهموم مع أن ذلك تكذبه الوقائع التاريخية فإن كلمة الإمام الحسين ﵇ كانت واحدة وهو أنه ليكن كل منكم حلسا من أحلاس بيته يعني مثلما أن الفراش ثابت في المنزل فلتكونوا هكذا! وتعليل ذلك بأن بينه وبين معاوية عهدا وميثاقا هو الذي عقده الامام الحسن﵇.
  24. 27. الطبري، محمد بن جرير تاريخ الطبري ٤/٢٥٠.
  25. 28. ابن سعد: ترجمة الإمام الحسين 62: كتب مروان إلى عبيد الله بن زياد: أمّا بعد، فانّ الحسين بن علي قد توجّه إليك وهو الحسين بن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبالله ما أحد يسلّمه الله أحبّ إلينا من الحسين! فاياك أن تهيج على نفسك مالا يسدّه شيء، ولا تنساه العامة ولا تدع ذكره، والسلام.
  26. 29. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: أمّا بعد، فقد توجّه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق، أو تسترقّ كما تسترقّ العبيد.
  27. 30. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري ٤/٣١٣.
  28. 31. «فلمّا رأى الحسين عمر بن سعد قد قصد له فيمن معه قال: يا هؤلاء اسمعوا يرحمكم الله، ما لنا ولكم! ما هذا بكم يا أهل الكوفة؟! قالوا: خفنا طرح العطاء، قال: ما عند الله من العطاء خير لكم، يا هؤلاء دعونا فلنرجع من حيث جئنا، قالوا: لا سبيل إلى ذلك، قال فدعوني أمضي إلى الريّ فأجاهد الديلم، قالوا: لا سبيل إلى ذلك، قال: فدعوني أذهب إلى يزيد بن معاوية فأضع يدي في يده، قالوا: لا، ولكن ضع يدك في يد عبيد الله بن زياد!
  29. 32. قال: امّا هذه فلا، قالوا: ليس لك غيرها.وبلغ ذلك عبيد الله، فهمّ أن يخلّي عنه، وقال: والله ما عرض لشيء من عملي، وما أراني إلاّ مخل سبيله يذهب حيث شاء.
  30. 33. ابن الجوزي، المنتظم:5/344: أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص قال: أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي قال: حدثنا الزبير بن بكار قالَ: حدثني عمي مصعب بْن عَبْد اللَّهِ قالَ: كان علي بن الحسين الأصغر مع أمه، وهو يومئذ ابن ثلاث وعشرين سنة، وكان مريضا، فلما قتل الحسين قالَ عمر بن سعد: لا تعرضوا لهذا المريض، قالَ علي بن الحسين: فغيبني رجل منهم فأكرم منزلي واختصني وجعل يبكي كلما دخل وخرج، حتى كنت أقول: إن يكن عند أحد خير فعند هذا. إلى أن نادى منادي عبيد الله بن زياد: ألا من وجد علي بن الحسين فليأت به، فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم. قالَ: فدخل عليّ والله وهو يبكي، وجعل يربط يدي إلى عنقي ويقول أخاف. وأخرجني إليهم مربوطا حتى دفعني إليهم وأخذ ثلاثمائة درهم وأنا أنظر..
  31. 34. فإن أول ما في هذا الخبر انه من غير إسناد إذ بين شهادة الإمام السجاد سنة 95 هـ وبين موت مصعب بن عبد الله الزبيري 236 هـ نحو 140 سنة، فكيف يتحدث عن الواقعة بعنوان قال علي بن الحسين؟ وكيف لم يلتفت قائل الخبر إلى أن علي بن الحسين السجاد هو المسؤول عن النساء والأطفال بعد أبيه الحسين﵇ وأنه لا يمكن أن يغيب عنهن ولا أن يغبن عنه هذه المدة؟ والإمام جالس !! معه مرتاح في الاكرام! وأنه إن كان عند أحد وفاء فعند هذا !! الخبر غير صادق والكذب فيه فج غير متقن!
  32. 35. قال السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه أبو هريرة ص ١٢٢في شأنهما ما يلي : «الزبير» ابن بكار ممن عرف بالعداوة لعلي وأهل البيت وهو الذي استحلفه رجل من الطالبيين بين القبر والمنبر الشريفين فحلف كاذبا فرماه الله بالبرص وكان ينال من العلويين ومن جدهم علي. فأجمعوا على قتله فهرب منهم إلى عمه مصعب بن عبد الله بن مصعب فسأله ان يكلم المعتصم في تأمينه فلم يجد عنده ما أراد إذ لم يكن عمه على رأيه في مكاشفة العلويين ذكر ذلك ابن الأثير في سيرة المعتصم من تاريخه الكامل. اما أبوه بكار فقد كان من المكاشفين للرضا في النصب والعداوة فدعا عليه الرضا فسقط من قصره فاندق عنقه، وأما جده عبد الله ابن مصعب فهو الذي أفتى هارون الرشيد بقتل يحيى بن عبد الله بن الحسن، فقال : اقتله يا أمير المؤمنين وفي عنقي دمه، فقال الرشيد : ان عنده صكا مني أعطيته فيه الأمان، فقال عبد الله بن مصعب : لا أمان له يا أمير المؤمنين وعمد إلى يحيى فانتزع الصك منه قهرا ومزقه بيده عداوة ورثوها عن جدهم، ورثها عدو عن عدو عن عدو من عبد الله بن الزبير حتى انتهت إلى الزبير بن بكار، وبها نال الحظوة عند المتوكل فاختاره لتأديب ولده الموفق..»
  33. 36. ذكر الشيخ الغروي اليوسفي في مقدمة كتابه واقعة الطف (مقتل أبي مخنف) أن أبا مخنف الذي روى عنه الطبري في تاريخه 65 حديثاً مسنداً، قد رواها بالمباشرة وبالواسطة عن 39 راوياً، وقد وضع الغروي قوائم تفصيليّة ستًّا بأسماء الرواة الوسائط بين أبي مخنف والأحداث.
  34. 37. يلحظ الأثر فيما كتب بعده، سواء في ترتيب المقاتل أو في معلوماتها وتفاصيلها بل في الأفكار -في الجملة- التي تستهدفها فالناظر لترجمة الحسين﵇ في تاريخ دمشق لابن عساكر ت 571 هـ ومختصره لابن منظور يلاحظ ذلك، ومثلها في البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي.
  35. 38. علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي توفي 571 هـ، له كتب كثيرة لكن أهمها تاريخ مدينة دمشق الذي قيل إنه كان مشروع حياته حيث ابتدأ فيه منذ شبابه وإلى شيخوخته، والكتاب طبع في 70 مجلدا بالطبع الحديث (مع مستدركاته 80 مجلدا) ووصف من قبل رجاليي مدرسة الخلفاء بأنه؛ كبير العلم، غزير الفضل، حافظ، ثقة، متقن، ديّن، خيّر، حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، صحيح القراءة، متثبت..
  36. 39. قال في كتابه رأس الحسين ص ٢٨ فلما ذهب الحسين رضي الله عنه، وأرسل ابن عمه عقيل (!) إليهم، وتابعه طائفة. ثم لما قدم عبيد الله بن زياد الكوفة، قاموا مع ابن زياد، وقتل عقيل (مرة أخرى قتل عقيل!!) وغيرهما. فبلغ الحسين ذلك، فأراد الرجوع، فوافه سرية عمر بن سعد، وطلبوا منه أن يستأسر لهم، فأبى، وطلب أن يردوه إلى يزيد بن عمه، حتى يضع يده في يده، أو يرجع من حيث جاء، أو يلحق ببعض الثغور، فامتنعوا من إجابته إلى ذلك، بغيا وظلما وعدوانا. وكان من أشدهم تحريضا عليه: شمر بن الجوشن. ولحق بالحسين طائفة منهم وقع القتل حتى أكرم الله الحسين ومن أكرمه من أهل بيته بالشهادة، رضي الله عنهم وأرضاهم.» ويكفي هذا النص ليتوج قائله بلقب شيخ الإسلام!! ففيه من الخلل والخطل ما لا يحتاج لبيان.
  37. 40. من ذلك قوله: البداية والنهاية، ج ٨، ابن كثير، ص ١٨٦ «.. وهذه صفة مقتله مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب قال أبو مخنف عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين..» ومن الواضح أن أبا مخنف شيعي وإن كان بالمعنى العام ـ كما سبقت الاشارة إليه ـ بل كما وصفه ابن كثير نفسه!
  38. 41. ابن كثير، البداية والنهاية ٨/٢١٩.
  39. 42. لا نحتاج إلى ذكر كثير من المصادر غير الشيعية التي ذكرت كل ما ذكر أعلاه، فيكفي ما جاء في ترجمة الإمام الحسين﵇ في تاريخ مدينة دمشق حيث ذكر عددا غير قليل من الروايات حول بعض الظواهر الغيبية التي رافقت مقتل الحسين﵇، وما حصل لمن شارك في قتله، وكذلك ما ذكره في كتاب الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة، أحمدُ بن حجر الهيتمي المكي، ص ١٩٦ وهو في شدته على الشيعة والتشيع لا يقصر عن ابن كثير فهو يقول في كتابه ذاك: «ومما ظهر يوم قتله من الآيات أيضا أن السماء اسودت اسودادا عظيما حتى رؤيت النجوم نهارا ولم يرفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط. وأخرج أبو الشيخ أن الورس الذي كان في عسكرهم تحول رمادا وكان في قافلة من اليمن تريد العراق فوافيتهم حين قتله.
  40. 43. وحكى ابن عيينة عن جدته أن جمالا ممن انقلب ورسه رمادا أخبرنا بذلك ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها مثل الفيران فطبخوها فصارت مثل العلقم وأن السماء احمرت لقتله وانكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار وظن الناس أن القيامة قد قامت ولم يرفع حجر في الشام إلا رؤي تحت دم عبيط.. وأخرج عثمان بن أبي شيبة أن السماء مكثت بعد قتله سبعة أيام ترى على الحيطان كأنها ملاحف معصفرة من شدة حمرتها وضربت الكواكب بعضها بعضا.ونقل ابن الجوزي عن ابن سيرين أن الدنيا أظلمت ثلاثة أيام ثم ظهرت الحمرة في السماء.وقال أبو سعيد ما رفع حجر من الدنيا إلا وجد تحته دم عبيط ولقد مطرت السماء دما بقي أثره في الثياب مدة حتى تقطعتواخرج الثعلبي وأبو نعيم ما مر من أنهم مطروا دما. زاد أبو نعيم فأصبحنا وحبابنا وجرارنامملوءة دما..وفي رواية أنه مطر كالدم على البيوت والجدر بخراسان والشام والكوفة وأنه لما جيء برأس الحسين إلى دار زياد سالت حيطانها دما.. وقريب من ذلك نقله الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام 5/15 وهو من هو في شدته على الشيعة والتشيع!
  41. 44. يقسمون الإبل إلى قسمين؛ عراب وبخاتي ، والعراب هي الابل المشهورة عند العرب، بينما البخاتي هي الابل ذات السنامين.
  42. 45. ابن كثير: البداية والنهاية ٨/٢١٣.
  43. 46. ابن تيمية؛ أحمد: رأس الحسين ص ٣٦ ومثله في مجموعة الفتاوى ٤/٥٠٦.
  44. 47. الأميني؛ عبد الحسين: الغدير٣/٢٥٧.
  45. 48. اقرأ واعجب! سيد شباب أهل الجنة يريد أن يسجن سيد شباب الجنة الآخر كرامة لبني أمية!! هذا مع أن الصحيح هو موقفهما في غاية التكامل إلى الدرجة التي التزم فيها الإمام الحسين بما عقده أخوه الحسن﵉ حتى بعد شهادة الحسن المجتبى لمدة عشر سنين! فهل من يفعل هذا يحتاج إلى سجن (ابن كثير)؟
  46. 49. ابن كثير: البداية والنهاية ٨/١٦١ «.. فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراما زائدا، ويقول لهما: مرحبا وأهلا، ويعطيهما عطاء جزيلا، وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند... ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه، وقد كان في الجيش الذين غزوا القسطنطينية مع ابن معاوية يزيد، في سنة إحدى وخمسين..»
  47. 50. في فصل السيرة الحسينية تجد تفاصيل موقف الإمام الحسين﵇ من معاوية بن ابي سفيان.
  48. 51. ابن كثير:البداية والنهاية ٨/١٧٢.
  49. 52. قد ذكرنا في فصل السيرة الحسينية ما صرح به المؤرخون من أن ابن زياد كان من المشهورين باللحن وكان يرتضخ لكنة فارسية.. لكن ابن كثير يرى من الطبيعي أن يخطب خطبة بليغة أما الحسين الذي هو ابن أبيه وقيل فيه لو وقف عامة نهاره يخطب لما عيّ أو حصر.. يرى ابن كثير تلك الرسالة كثيرة عليه! .
  50. 53. ابن كثير: البداية والنهاية ٨/١٧٠.
  51. 54. نفس المصدر والصفحة
  52. 55. في طبقات ابن سعد أن الذي كتب هو عمرو بن سعيد الأشدق.
  53. 56. ابن كثير: البداية والنهاية ٨/١٧٨.
  54. 57. نفس المصدر ٨/٢٠٩.
  55. 58. ابن تيمية: رأس الحسين ٢٥.
  56. 59. نفس المصدر ٣٤.
  57. 60. نفس المصدر ص ٢٦.
  58. 61. ترجمة الإمام الحسين ومقتله من طبقات ابن سعد ص 82
  59. 62. مرت ترجمته فيما سبق.
  60. 63. الذهبي، تاريخ الإسلام ٥/٩ «.. وكان معه من أهل بيته تسعة عشر رجلاً، وقتل عامة أصحابه حوله، وذلك في يوم الجمعة يوم عاشوراء، وبقي عامة نهاره لا يقدم عليه أحد، وأحاطت به الرجالة، فكان يشد عليهم فيهزمهم، وهم يتدافعونه، يكرهون الإقدام عليه، فصاح بهم شمر: ثكلتكم أمهاتكم ماذا تنتظرون به فطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته، ثم انتزع الرمح وطعن في بواني صدره، فخر رضي الله عنه صريعاً، واحتز رأسه خولي الأصبحي، لا﵏ ولا رضي عنه». هذا كل ما قدر الذهبي على روايته من يوم عاشوراء!!
  61. 64. جاء في سير أعلام النبلاء عنه: قال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو داود والنسائي: ضعيف. وقال يزيد: سمعت أبا جزء بن طريف يقول: أبو معشر أكذب من في السماء والأرض!!. وفي الكامل في ضعفاء الرجال للجرجاني: كان يَحْيى لا يحدث، عَن أَبِي مَعْشَر المديني ويستضعفه جدا ويضحك إذا ذكره.
  62. 65. الذهبي، تاريخ الإسلام ٥/٩.
  63. 66. نفس المصدر ص ١٨.
  64. 67. الجرجاني، عبد الله بن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال ٦/١٧١: محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي مديني، حدثنا محمد بن علي حدثنا عثمان سألت يحيى بن معين عن محمد بن الحسن بن أبي الحسن المخزومي بن زبالة فقال: ليس بثقة.. حدثنا ابن حماد وعبد الرحمن بن أبي بكر قالا ثنا عباس عن يحيى قال ابن زبالة ليس بثقة كان يسرق الحديث واسمه محمد بن الحسن مديني وكان كذابا..
  65. 68. الطبري 4/356.