تغييب القضية الحسينية بتشويه المصادر

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

ونحتمل أن ابن كثير قد تورط ما بين (رأي واعتقاد) شيخه ابن تيمية وبين الروايات الكثيرة المتظافرة والقرائن الكثيرة المتوفرة على أن رأس الحسين﵇ قد حمل إلى الشام وأنه نكته يزيد بن معاوية بعود الخيزران، فماذا يصنع؟ هل ينفي رأي شيخه أو ينفي الروايات؟ لا سيما وأن رأي ابن تيمية جازم قاطع متجاوز لكل الروايات والمؤرخين من الفريقين، فماذا يصنع؟ إن ابن تيمية لا يمانع أن يلغي مقتل الأزدي والطبري وابن سعد والبلاذري وابن الجوزي وغيرهم لأجل شخص سمّاه، وقد نعته الذهبي بأنه متهم في نقله! ويكفي لمعرفة مستوى وثاقته وصدقه دعواه «إجماع الذين صنفوا في مقتل الحسين» على أن الرأس لم يغترب، ولو لم يكن في كل كلامه إلا هذه لكفت في عدم الاعتماد عليه، جاء به ابن تيمية ليستدل به على أن الرأس لم يغترب!52 أي لم يُسفَّر إلى الشام.

وقال ابن تيمية مكذباً حمل الرأس ونكت يزيد ثناياه بقضيب بأنه لم ينقل بإسناد معروف، وإنما هو إسناد منقطع وقد عارضه ما هو أثبت وأظهر!!53 ولأن الأمر أكبر من أن يرقع فقد اكتفى (محقق الكتاب) وهو من تلامذته الفكريين بنقل ما عن ابن جرير الطبري في هامش الكتاب، من إثبات ما نفاه ابن تيمية! ولم يقل شيئا!! وكذلك نقل كلام المسعودي في مروج الذهب بنفس المؤدى.

والحقيقة إني أتعجب من حجم التناقض بل العناد في شخصية هذا الرجل فهو من جهة يمدح محمد بن سعد صاحب الطبقات -كاتب الواقدي كما سماه- فيقول: «ومن المعلوم: أن الزبير بن بكار، صاحب كتاب الأنساب، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، صاحب الطبقات ونحوهما من المعروف بالعلم والثقة والاطلاع: أعلم بهذا الباب، وأصدق فيما ينقلوا به من المجاهيل والكذابين، وبعض أهل التواريخ الذين لا يوثق بعلمهم ولا أصدقهم، بل قد يكون الرجل صادقاً، ولكن لا خبرة له بالأسانيد»54، ثم لا ينظر لتحقيق هذه المسألة التي نفاها بضرس قاطع إلى ما قاله من رآه أعلم وأصدق وأهل ثقة واطلاع، فلو كلف نفسه لينظر إلى ترجمة الامام الحسين في طبقات ابن سعد لرأى فيه هذا النص: «وقدم برأس الحسين محفز بن ثعلبة العائذي -عائذة قريش- على يزيد، فقال: أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم، فقال يزيد: ما ولدت اُم محفز أحمق وألأم، لكنّ الرجل لم يقرأ كتاب الله «تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء». ثم قال بالخيزرانة بين شفتي الحسين وأنشأ يقول:

يفلقن هاما من رجال أعزّة

علينا وهم كانوا أعق وأظلما

والشعر لحصين بن الحمام المري، فقال له رجل من الأنصار- حضره-: ارفع قضيبك هذا فانّي رأيت رسول﵌يقبّل الموضع الذي وضعته عليه.

قال: أخبرنا كثير بن هشام، قال: حدّثنا جعفر بن برقان، قال: حدّثنا يزيد بن أبي زياد، قال: لما أُتي يزيد بن معاوية برأس الحسين بن علي جعل ينكت بمخصرة معه سنّه ويقول: ما كنت أظنّ أبا عبد الله يبلغ هذا السنّ!55

فإذا كان ابن سعد كما وصفته، فهلا قبلت كلامه؟ وأين الاسناد المنقطع؟ وأين الروايات المعارضة التي هي أكثر وأظهر؟

مقتل الذهبي56 في كتابه تاريخ الإسلام