تغييب القضية الحسينية بتشويه المصادر

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

5. من غرائب ابن كثير أنه بينما يرى عبيد الله بن زياد أهلاً لأن يخطب خطبة بليغة 46بقوله: «وقد كان عبيد الله قبل أن يخرج من البصرة بيوم خطب أهلها خطبة بليغة ووعظهم فيها وحذرهم وأنذرهم من الاختلاف والفتنة والتفرق، وذلك لما رواه هشام بن الكلبي وأبو مخنف»47 نراه يستكثر على الامام الحسين﵇ ما جاء في خطابه لأهل البصرة من قوله: «إلى أشراف أهل البصرة فيه أما بعد فإن الله اصطفى محمداً على خلقه وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به، وكنا أهله وأولياءه وورثته وأحق الناس به وبمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق فرحم الله وغفر لنا ولهم، وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، فتسمعوا قولي وتطيعوا أمري، فإن فعلتم أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله «ويراه من صناعة بعض رواة الشيعة وأنه كلام مطرز، فقال معلقاً على الرواية التي نقلها أبو مخنف: «وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أنه مطرز بكلام مزيد من بعض رواة الشيعة»48.

6. كما ذكرنا فإن ظاهرة التعثر والاضطراب في هذا المقتل ترجع إلى عوامل متعددة؛ منها النقل من نظامين وفكرتين لا تنسجمان؛ مقتل أبي مخنف الأزدي، ومقتل ابن سعد البغدادي، ومنها غلبة العقيدة على الرواية التاريخية فإن ابن كثير يكتب التاريخ وفي ذهنه تثبيت آرائه وأفكاره ونفي ومعارضة أفكار غيره، بغض النظر عن أن الرواية التاريخية تساعده أو تعارضه، فهو يختار الروايات التي تساعده وإن كانت ضعيفة ولا قرائن عليها ويستبعد الروايات التي تخالفه في المعتقد حتى لو كانت أسانيدها تامة والقرائن عليه كثيرة!

فخذ هذا المثال فإنه في أول المقتل مع أنه نقل عن الزبير بن بكار وهو عنده معتمد «أنه كتب يزيد49 إلى ابن زياد: إنه قد بلغني أن حسيناً قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلى به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت أنت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبداً كما ترق العبيد وتعبد، فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه».

وأضاف ابن كثير قائلا: قلت: والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام كما سيأتي50.

لكنه فيما بعد هذا بنحو ثلاثين صفحة يقول «وقد اختلف العلماء بعدها في رأس الحسين هل سيره ابن زياد إلى الشام إلى يزيد أم لا، على قولين، الأظهر منهما أنه سيره إليه، وقد ورد في ذلك آثار كثيرة فالله أعلم»51 فلا نعلم أي الصفحتين نصدق؟