فمن الواضح أنه يعترف كغيره بأن غير أبي مخنف ليس لديه، وربما لا يريد أن يكون لديه، تفاصيل المقتل لكي لا تتبين شناعة جرائم الطرف الأموي والحال أنهم في صدد التخفيف منها وإنكارها إن استطاعوا.
لكن سيبقى هذا المقتل من دون توصيف أبي مخنف بلا لون ولا طعم ولا رائحة مثلما صنع ابن تيمية34 في شرحه لمقتل الحسين بما يضحك الثكلى! ويبين سقم معرفته التاريخية أو أغراضه النفسية.
لكن ابن كثير وهو مأسور بمشكلة الشيعة ومعبأ بطريقة استاذه وشيخه ابن تيمية لم يستطع أن يصنع انسجاماً بين كلام ابن سعد في الطبقات وبين روايات أبي مخنف كما هي في الطبري وقد نقل عنه، فلكل من الرجلين منهجه وطريقته في عرض الأحداث وماذا يريد أن يخدم فيها؟ فجاء مقتل ابن كثير متضارباً يقول كلاماً في البداية لكي يخالفه في النهاية ويسوق كلاماً هنا لينقضه هناك وهكذا35.
2. كانت العقدة الشيعية تمثل الشبح الذي يطارد ابن كثير فكلما رأى مناسبة لضرب الشيعة والرافضة لا يتركها تذهب بل يؤكد ما يعتقد فيهم حتى لو كانت من الكذبات المفضوحة، فلا يهم لأنه يكتب لمن لا ينتظر منه دليلاً فقد قال36: «ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذباً فاحشاً، من كون الشمس كسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم وما رفع يومئذٍ حجر إلا وجد تحته دم، وأن أرجاء السماء احمرت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب ضرب بعضها بعضاً، وأمطرت السماء دماً أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذٍ، ونحو ذلك. وروى ابن لهيعة عن أبي قبيل المعافري: أن الشمس كسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الامارة جعلت الحيطان تسيل دما، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يمس زعفران ولا ورس بما كان معه يومئذٍ إلا احترق من مسه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء»37.
وأسوأ من ذلك الكذبة الصلعاء المجلحة التي ما سبقه فيها غير شيخه ابن تيمية عندما قال ابن كثير: وهذا يرد قول الرافضة إنهم حملوا على جنائب الإبل سبايا عرايا، حتى كذب من زعم منهم أن الإبل البخاتي38 إنما نبتت لها الأسنمة من ذلك اليوم لتستر عوراتهن من قُبلهن ودبرهن»39.
سبحان الله!! هلا جئت لنا باسم واحد ممن تسميهم الرافضة ممن يقول بذلك؟ فهذه كتبهم وسيرهم ومقاتلهم وأنت تزعم أن لديهم مبالغات وكذباً كثيراً في المقتل فهلا جئت بمصدر واحد يذكر هذه الفرية؟
والحقيقة أنه لم ترد هذه الكلمات (والزيادة عليها من عند ابن كثير) إلا فيما ذكره سائل (وقد يكون سائلاً مفترضاً) لابن تيمية في الفتاوى، وقد ذكره أيضاً في كتابه رأس الحسين (وهذا يجعلنا نشكك في وجود سائل حقيقي) ففي كتابه رأس الحسين قال «وأما ما يرويه من لا عقل له يميز به ما يقول، ولا له إلمام بمعرفة المنقول: من أن أهل البيت سبوا، وأنهم حملوا على البخاتي، وأن البخاتي نبت لها من ذلك الوقت سنامان: فهذا الكذب الواضح الفاضح لمن يقوله. فإن البخاتي لا تستر امرأة، ولا سبي أهل البيت أحد، ولا سبي منهن أحد»40.