تغييب القضية الحسينية بتشويه المصادر

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

7. لاحظنا أنه نقل عن ابن سعد مقتله وصرح بذلك، وحافظ على أفكاره الأساسية من أنه الناس بايعوا يزيد وامتنع الحسين ثم اعتراضات الصحابة عليه ويرد عليه ما سبق أن قلناه في مقتل ابن سعد البغدادي، لكنه يغير قدر الامكان فيما لا يناسب آراءه ولو أدى لتشويه مقالة الحسين مثل نقله: ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، فإنها قد تغيرت عند ابن عساكر لتصبح: «ألا وإن البغي قد ركن بين اثنتين بين المسألة والذلة « وهذه الجملة لا معنى لها! كما انه استثنى كما قلنا سبع صفحات من مقتل ابن سعد فيها تفاصيل مقتل الامام الحسين﵇، كما لم يتعرض إلى حمل نسائه والرؤوس إلى الكوفة ومنها إلى الشام، ولا إلى ما نقله ابن سعد في أكثر من حديث عن كون الرأس قد حمل إلى يزيد وأنه كان يضرب ثناياه وقد اعترض عليه أبو برزة الأسلمي، وأنه كان يتمثل بأبيات ابن الزبعرى السهمي.. فهذا كله لم يذكر في ترجمة ومقتل الإمام الحسين لابن عساكر.

8. كل ما سبق تم التغاضي عنه وإغفاله لكن الخبر الكاذب الذي أشرنا إليه أكثر من مرة، ما زعموه عن أن الحسين﵇ خيرهم بين أن يسلموه إلى يزيد أو أن يبعثوه إلى الثغور ليقاتل أو..الخ، لم ينس ابن عساكر أن يذكره ويؤكد عليه كذلك إذا تم التغاضي عن ذكر يزيد في المقتل وكأنه لم يكن موجوداً في تلك الفترة الزمنية، إلا أنه لم ينس ما زُعم كذباً من أن يزيدَ أوصى ابن زياد أن يرفق بالحسين!

مقتل الامام الحسين عند ابن كثير الدمشقي

النموذج الآخر للبدائل المشوهة في المصادر التاريخية لمقتل الحسين﵇؛ ما ذكره ابن كثير الدمشقي في كتابه البداية والنهاية والذي تحول بالتدريج إلى (قرآن) للاتجاه السلفي فيما يرتبط بالتاريخ الإسلامي ولا يزال ويشهد لذلك عظم الاهتمام به، تحقيقاً وتعليقاً وشرحاً ودراسات.

وعند النظر إلى هذا المقتل الذي جاء بعنوان: قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة في طلب الامارة وكيفية مقتله والرسالة كما يقولون تقرأ من عنوانها، فسبب خروج الحسين من مكة هو طلب الإمارة ليس إلا! وجاء في سبعين صفحة (من 160 إلى 230)، وبالطبع لا يتسع المقام لعمل دراسة مفصلة فيه وإنما هي ملاحظات سريعة بمقدار ما تخدم ما نحن فيه من الموضوع.

بعض ما نلاحظه على مقتل ابن كثير:

1. انه اعتمد في معظمه في المقدمات على مقتل الحسين﵇ الوارد في طبقات ابن سعد ويرد عليه ما سبق من الملاحظات الأصل، لكنه فيما يرتبط بتفاصيل المقتل والقتال والشهداء وماذا قالوا من الرجز وخطب الامام الحسين﵇، رأى أن طبقات ابن سعد فقيرة للغاية في هذا، فاستعان بمقتل أبي مخنف الأزدي بالرغم من أن له موقفا عاماً منه، وله موقف خاص بالنسبة إلى بعض رواياته.

أما موقفه العام فقد بينه بقوله: «وللشيعة والرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة، وفيما ذكرنا كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولولا أن ابن جرير وغيره من الحفاظ والأئمة ذكروه ما سقته، وأكثره من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى وقد كان شيعياً، وهو ضعيف الحديث عند الأئمة، ولكنه أخباري حافظ، عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره، ولهذا يترامى عليه كثير من المصنفين في هذا الشأن ممن بعده والله أعلم.»