وهذه الفكرة يتم التعبير عنها بأساليب مختلفة إذ لما كانت من السوء في دركات، كان كل درَك يحتاج لتعبير خاص به:
فعندما يأتي ابن تيمية ليتحدث عن هذه الفكرة (تخطئة الامام الحسين وحركته!!) يقول:
«.. ولَمْ يَكُنْ فِي الخُرُوجِ لا مَصْلَحَةُ دِينٍ ولا مَصْلَحَةُ دُنْيا، بَلْ تَمَكَّنَ أُولَئِكَ الظَّلَمَةُ الطُّغاةُ مِن سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ﵌ حَتّى قَتَلُوهُ مَظْلُومًا شَهِيدًا، وكانَ فِي خُرُوجِهِ وقَتْلِهِ مِنَ الفَسادِ ما لَمْ يَكُنْ حَصَلَ لَوْ قَعَدَ فِي بَلَدِهِ، فَإنَّ ما قَصَدَهُ مِن تَحْصِيلِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ شَيْءٌ، بَلْ زادَ الشَّرُّ بِخُرُوجِهِ وقَتْلِهِ، ونَقَصَ الخَيْرُ بِذَلِكَ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشَرٍّ عَظِيمٍ»77.
وهذا نحو من التعبير يستعمل فيه التلبيس والمواربة حتى لا يقال هو يهاجم الامام الحسين، فلقد اعتبر هؤلاء بما حصل لابن العربي حينما عبر بنحو يستفاد منه أن الحسين قتل بسيف جده فصارت صدمة لمن يقرأ ذلك الكلام فاضطر بعض هؤلاء لأن يعبروا عن آرائهم بنحو لا يكون مباشرًا، وهنا هذا الذي حصل فالقارئ ينتهي إلى هذه المجموعة من الآراء: خروج الحسين لا مصلحة دنيوية ولا دينية فيه (يعني هو خروج عبثي لا يترتب عليه فائدة ولا أجر) وكان ينبغي عليه أن يقعد في بلده إذ لو قعد هناك لما حصل قتله! بل إن هذا الخروج زاد في الفساد الموجود حينئذ ونقص من الخير وصار سببا لشر عظيم!! ماذا تفهم عزيزي القارئ من هذا الكلام؟ ثم لا بأس لتغطية هذه السوءات أن يقال: فقتلوه مظلوما شهيدا!!
وهناك دَرَك أسوأ من هذا وقع فيه الشيخ محمد الخضري78 « حين قال: وعلى الجملة فإنّ الحسين أخطأ خطأً عظيمًا في خروجه هذا، الذي جرّ على الأمّة وبال الفرقة والاختلاف، وزعزع عماد ألفتها إلى يومنا هذا، وقد أكثر الناس من الكتابة في هذه الحادثة لا يريدون بذلك إلّا أن تشتعل النيران في القلوب، فيشتدّ تباعدها. غاية ما في الأمر أنّ الرجل طلب أمرا لم يهيّأ له، ولم يعدّ له عدّته، فحيل بينه وبين ما يشتهي وقتل دونه، وقبل ذلك قتل أبوه، فلم يجد من أقلام الكاتبين ومن يبشّع أمر قتله ويزيد به نار العداوة تأجيجاً، وقد ذهب الجميع إلى ربّهم يحاسبهم على ما فعلوا، والتاريخ يأخذ من ذلك عبرة وهي: أنّه لا ينبغي لمن يريد عظائم الأمور أن يسير إليها بغير عدّتها الطبيعيّة، فلا يرفع سيفه إلّا إذا كان معه من القوّة ما يكفل النجاح أو يقرب من ذلك، كما أنّه لا بدّ أن تكون هناك أسباب حقيقيّة لمصلحة الأمّة، بأن يكون جور ظاهر لا يحتمل، وعسف شديد ينوء الناس بحمله، أمّا الحسين فإنّه خالف يزيد وقد بايعه الناس، ولم يظهر منه ذلك الجور ولا العسف عند إظهار هذا الخلاف»79
ونحن هنا لا نقول شيئا كثيراً ولكن نعتقد أن من يخطّئ الإمام الحسين﵇ «خطأً عظيمًا» لا ريب أنه لا يلتقي معه في نهج واحد ولا في نتيجة واحدة فإذا كان الحسين سيد شباب أهل الجنة فماذا يكون مكان من يخطئه خطأ عظيماً ويرى الحسين قد جر على الأمة وبال الفرقة والاختلاف إلى يومنا هذا؟! ولا غرابة في ذلك فيمن تكون النزعة الأموية عنده طاغية إلى حد لا يستطيع فيه أن يجامل كما صنع من سبقه ممن نقلنا كلماتهم، فإذا كان بعض أولئك يترضون أو يترحمون فلا مجال عند هذا الرجل لمثل ذلك 80