الأفكار المشبوهة وتغييب النهضة الحسينية

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

الأفكار المشبوهة وتغييب النهضة الحسينية

كان من أشكال تغييب القضية الحسينية عن ذاكرة المسلمين وتقليص حضورها فيهم تفسيرها بحزمة خاطئة من الأفكار، بحيث بدل أن تكون مثالاً أعلى يحتذى في البطولة والفداء ونصر الدين ومقاومة المنكر، تتحول إلى محل سؤال: هل هي مشروعة أو غير مشروعة؟ وهل كان ينبغي أن يقوم الحسين بما قام به أو كان ينبغي أن يترك ذلك؟ هل عادت بالنفع أو المضرة عليه وعلى الأمة؟ وبالطبع ستنتهي كل تلك الأجوبة إلى الجانب السلبي!

وهذا الجانب قد يكون أكثر تأثيراً من الجانب السابق وهو تشويه مصادر الواقعة، وسبب ذلك أن تشويه مصادر الواقعة إنما يتعامل معه المتخصصون والباحثون في التاريخ، لكنهم هنا في تشويه النهضة الحسينية من خلال بث الأفكار الخاطئة يتعاملون مع عامة الناس.

وذلك أن الحدث مهما كان إنما يراد منه الفكرة التي تستنتج منه، وتستفاد من حصوله وهو ما يسميه القرآن الكريم العِبرة، فقصص القرآن سواء كانت عن الانبياء والمرسلين أو عن الطغاة والفاسدين أو عن عامة المجتمعات إنما يراد منها فكرة القصة وعبرة الحادثة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)69.

ونشير في هذه الصفحات إلى بعض الأفكار المشبوهة التي بثها الاتجاه الأموي والرسمي70في الأمة حول نهضة الحسين﵇:

1. الزعم بأن حركة الامام الحسين كانت من أجل السيطرة على الحكم:

سوف نأتي على ذكر بعض المصادر والكلمات التي قيلت في هذا الصدد، لكن نشير إلى الهدف من بث هذه الفكرة.

إن تجاوز الحقيقة والتعامي عنها في أهداف النهضة الحسينية والتي كانت لطلب الإصلاح في الأمة، ورفع المنكر الأموي عنها، مما تحدثنا عنه في فصل السيرة الحسينية، وتحويل القضية إلى حركة من أجل السيطرة على الحكم ليس إلا، سينتهي إلى القول بأنه ما دام الأمر هكذا، فلماذا أتعاطف وأتفاعل معها؟ ولماذا أحزن وأبكي على شخص قام لأجل السلطة والرئاسة والدنيا فقتل؟

سيكون حاله حال سائر الأشخاص الذين طلبوا الرئاسة والدنيا فلم يتهيأ لهم أن يحصلوا عليها ما الفرق بينه وبين غيره حتى يختص بكل هذا الاهتمام؟

بل سيقال على أثر ذلك كما قيل: مثلما أن الحسين قام لأجل السيطرة على الحكم ولأجل الإمارة فإن دفاع يزيد وابن زياد عما كان في يدهم منها هو دفاع مشروع، وقضاؤهم على الحسين كان أمرًا طبيعيًّا! بل هو المدان في هذه الحالة!

وعندما تتحول المسألة من كونها نهضة لإنقاذ الإسلام، ومحاربة الانحراف إلى حركة سياسية لأجل السيطرة على الحكم، تنتقل من خانة القيم والشهادة إلى خانة السياسة وألعابها وأدواتها! في الحالة الأولى المنطق السائد فيها هو: هوَّن عليّ ما نزل بي أنه بعين الله! وشعارها: رضا بقضائك وتسليما لأمرك! وبيانها الأساس: إنا على الحق.. فلا نبالي وقعنا على الموت أم وقع الموت علينا!

من هنا نفهم لماذا كانت كلمات الامام الحسين﵇ حول أهداف نهضته وبواعثها كثيرة ومتعددة الأساليب وفي مختلف المناطق (المدينة، مكة، الطريق إلى كربلاء، في كربلاء) حتى لو فات البعض في مكان يسمعونها في مكان آخر ولو لم تُنقَل في مكان أو بواسطة أشخاص تنقل في مكان آخر بواسطة آخرين وهكذا مثل قوله ﵇ في المدينة (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن رد عليّ أصبر). و-إنما- هي أداة حصر كما يقول علماء اللغة العربية، بمعنى لهذا السبب ليس إلا، وتراه في كربلاء يقول (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فصول الخصام ولكن لنري المعالم من دينك ويظهر الإصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك)،71 فليست القضية لأجل السيطرة على الحكم والرئاسة أو في طلب الامارة!

وقد يكون تفسير النهضة الحسينية بهذا النحو المادي والسياسي الدنيوي مفهوماً إذا جاء من دراسات المستشرقين الذين تناولوا هذه الفترة التاريخية بالبحث والدراسة، فإنهم يتعاملون مع كل هذه القضايا بعيدًا عن دائرة المقدس ومنطلقات القيم الروحية.. لكننا لا نستطيع تفهم أن يقوم بهذا مؤرخون مسلمون هم أنفسهم يقدمون قبل مقتل الحسين عشرات الأحاديث عن رسول الله﵌ في حق الحسين ﵇ وأنه سيد شباب أهل الجنة وأن رسول الله رُؤي في المنام باكيًا وأنّ جبرئيل أو ملك القطر قد نعيا الحسين لرسول الله وأتيا له بتربة من قبره وأن النبي بكى على إثر ذلك! بل وقد نقلوا من الروايات ما نقلوا في الأمور الكونية التي حصلت بعد شهادة الحسين من الدم العبيط في الأرض وأمثال ذلك.

ما الذي يجعل الكون يتفاعل لأجل مقتل شخص خرج للسيطرة على الحكم والتمتع بميزات الرئاسة ثم لم يستطع ذلك؟ هل يستحق مثل هذا بكاء من النبي أو نعياً من ملائكة السماء أو تفاعلاً من الكون؟

كأحد الشواهد على هذا الاتجاه فإن العنوان الذي جعله ابن كثير الدمشقي لتاريخ مقتل الحسين في كتابه البداية والنهاية كان بهذا النحو: قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة في طلب الامارة وكيفية مقتله.

الأسوأ من فكرة أن خروج الحسين وبالتالي مقتله كان في طلب الامارة والرئاسة والصراع على السلطة ما سيأتي من ترقّي (ولا رقي في ذلك) بعض أتباع الاتجاه الأموي في المسلمين ليشير بالصراحة أو بالمواربة إلى أن:

2. خروج الحسين كان خروج بغي على إمام للمسلمين!

والذي قال هذه الفكرة بالصراحة كان ابن العربي المالكي72في كتابه العواصم من القواصم، فإنه رأى أن الذين خرجوا لقتاله قد خرجوا لذلك بفكرة واجتهاد في الدين ومعرفة بالأدلة الشرعية! ومنها أن خروجه كان فتنة على الأمة - في نظر ابن العربي وابن زياد ويزيد - وتفرقة لوحدتها وأن ذلك يدخل تحت كلام النبي في أن من يفعل ذلك يجب أن يقتل بالسيف كائنا من كان! وهكذا الجيش الذي خرج لقتاله، فلم يخرج أولئك الناس إلا بمثل هذا، ولم يقتلوا الحسين لأنهم طامعون في المال أو خائفون من عقوبة ابن زياد وإنما لأنهم كانوا مجتهدين ولهم أدلتهم في لزوم الوحدة!

ومن خلال كلامه فهم غير واحد من العلماء والمؤرخين أنه ينتهي إلى القول بأن الحسين إنما قتل بسيف جده رسول الله، فقالوا إنه قال ذلك73، وهو وإن لم يقل هذا بالنص والحرف لكن هذا المعنى واضح في كلامه، قال -عامله الله بما يستحق- في حق الإمام الحسين﵇ «ما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر من الدخول في الفتن. وأقواله في ذلك كثيرة: منها قوله﵌ «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان». فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله. ولو أن عظيمها وابن عظيمها وشريفها وابن شريفها الحسين وسعه بيته أو ضيعته أو إبله -ولو جاء الخلق يطلبونه ليقوم بالحق، وفي جملتهم ابن عباس وابن عمر- لم يلتفت إليهم، وحضره ما أنذر به النبي﵌ وما قال في أخيه ورأى أنها خرجت عن أخيه ومعه جيوش الأرض وكبار الخلق يطلبونه، فكيف ترجع إليه بأوباش الكوفة، وكبار الصحابة ينهونه وينأون عنه؟

قادة هذا الاتجاه الأموي هم على قسمين؛ من يعلن الأمر بالصراحة؛ تخطئة الحسين بوضوح واعلان أن الإمام الشرعي هو يزيد بن معاوية74، وخروج الحسين عليه خروج بغي وفتنة والموقف الطبيعي هو أن يقتل الخارج الباغي الممزق للأمة، وهذا هو توجيه النبي وهو معنى أن الحسين قتل بسيف جده كما قال ابن العربي المالكي.

والقسم الثاني يرى هذه المقالة فجة، وهي أوقح من أن تُقبَل بهذه الصيغة، فيتم تخفيفها بالنحو التالي: يزيد بايعه الناس بعد تولية أبيه إياه فهو إمام شرعي، وانفرد الحسين وخمسة نفر بعدم البيعة، فهم مخطئون في ذلك، ثم خُدع الحسين بشيعته وأهل الكوفة، ولم يستمع إلى نصح الصحابة، فكان من الطبيعي أن تقاومه الدولة بعد أن حاولوا معه بالرفق فلم يستجب! فكان أن قتله عبيد الله بن زياد أو قتله شيعته من أهل العراق! لكننا نترحم على الحسين فهو ابن بنت رسول الله وهو كذا وكذا لكننا لا نفعل كما يفعل الشيعة والروافض من البدع في إظهار الجزع الذي هو غير جائز.. الى آخر هذه المعزوفة.

ويظهر ذلك بصياغة أوضح في كلام ابن كثير «.. وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأولوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الأمة كلها بكمالها ونتهم على نبيها﵌، فليس الامر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الأئمة قديماً وحديثاً كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم الله، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة.

فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون في الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه. وليس كل ذلك الجيش كان راضياً بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم، ولا كرهه، والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هو به مخبراً عن نفسه بذلك، وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم..»75

3. فكرة التأول والتأويل

من جملة ما تمسك به أتباع النهج الأموي موضوع تأول قتلة الحسين، وأنهم ما خرجوا إليه إلا بتأويل، ومعنى ذلك الصريح؛ أنهم خرجوا لقتله بحجة شرعية في رأيهم وبدليل بين أيديهم يهتدون به.. لا أنهم قتلوه بدوافع دنيوية أو مادية أو لأجل السلطة! وهذا كما يشمل القادة كيزيد وابن زياد، يشمل عامة المقاتلين كما يظهر من كلماتهم بأنه ما خرج الناس لقتاله إلا بتأويل وتأول! وقد صرح بذلك ابن العربي كما تقدم ذكره وأشار إليه بخجل ومواربة ابن كثير!

وهنا نقول إنه لا مجال لهذا اللّت والعَجْن!! فإن الحسين﵇ صارحهم بل حاكمهم بالقول:

أيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين باللّه والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أوليس جعفر الطيار عمي، أو لم يبلغكم قول رسول اللّه لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق واللّه ما تعمدت الكذب منذ علمت أن اللّه يمقت عليه أهله ويضرّ به من اختلقه وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟!

ثم قال الحسين﵇: فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم؟ فو اللّه ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟! أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة؟! فأخذوا لا يكلِّمونه76.

فبعد كل هذا التوضيح بل المحاكمة، أي معنى باطل يبقى للحديث عن التأول والتأويل؟! أمامهم هو يقول أنا ابن بنت رسول الله وهذا نسبي حتى لا يحتج أحد بعدم معرفة الشخص! ويقول هؤلاء يقتلونني ظلماً من غير جرم حتى لا يأتي متمحل مخذول فيما بعد ليقول أنت شققت عصا الأمة وفرقتها فنقتلك بسيف جدك!

من يقول هذا الهراء؟! يقال له: تأوّل قاتلوه عليه فقتلوه! ثم تأوّلوا فقطعوا رأسه! ثم تأولوا أيضا فداسوه بحوافر الخيل! ثم تأولوا فسبو نساءه من بنات رسول الله! ثم تأولوا فحملوا رأسه ورؤوس أصحابه إلى الشام ثم تأولوا فقرعوا ثناياه أمام الناس بالخيزران! ثم تأوّلوا فهدموا داره! ماذا بقي لم يتأولوه؟!

4. ومن الأفكار التي يبثها أتباع النهج الأموي في تشويه صورة النهضة الحسينية وبالتالي تغييبها عن ذهن الأمة كمثال أسمى، أنها كانت ذات نتائج ضارة بالأمة ولم يكن فيها نفع!

وهذه الفكرة يتم التعبير عنها بأساليب مختلفة إذ لما كانت من السوء في دركات، كان كل درَك يحتاج لتعبير خاص به:

فعندما يأتي ابن تيمية ليتحدث عن هذه الفكرة (تخطئة الامام الحسين وحركته!!) يقول:

«.. ولَمْ يَكُنْ فِي الخُرُوجِ لا مَصْلَحَةُ دِينٍ ولا مَصْلَحَةُ دُنْيا، بَلْ تَمَكَّنَ أُولَئِكَ الظَّلَمَةُ الطُّغاةُ مِن سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ﵌ حَتّى قَتَلُوهُ مَظْلُومًا شَهِيدًا، وكانَ فِي خُرُوجِهِ وقَتْلِهِ مِنَ الفَسادِ ما لَمْ يَكُنْ حَصَلَ لَوْ قَعَدَ فِي بَلَدِهِ، فَإنَّ ما قَصَدَهُ مِن تَحْصِيلِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ شَيْءٌ، بَلْ زادَ الشَّرُّ بِخُرُوجِهِ وقَتْلِهِ، ونَقَصَ الخَيْرُ بِذَلِكَ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشَرٍّ عَظِيمٍ»77.

وهذا نحو من التعبير يستعمل فيه التلبيس والمواربة حتى لا يقال هو يهاجم الامام الحسين، فلقد اعتبر هؤلاء بما حصل لابن العربي حينما عبر بنحو يستفاد منه أن الحسين قتل بسيف جده فصارت صدمة لمن يقرأ ذلك الكلام فاضطر بعض هؤلاء لأن يعبروا عن آرائهم بنحو لا يكون مباشرًا، وهنا هذا الذي حصل فالقارئ ينتهي إلى هذه المجموعة من الآراء: خروج الحسين لا مصلحة دنيوية ولا دينية فيه (يعني هو خروج عبثي لا يترتب عليه فائدة ولا أجر) وكان ينبغي عليه أن يقعد في بلده إذ لو قعد هناك لما حصل قتله! بل إن هذا الخروج زاد في الفساد الموجود حينئذ ونقص من الخير وصار سببا لشر عظيم!! ماذا تفهم عزيزي القارئ من هذا الكلام؟ ثم لا بأس لتغطية هذه السوءات أن يقال: فقتلوه مظلوما شهيدا!!

وهناك دَرَك أسوأ من هذا وقع فيه الشيخ محمد الخضري78 « حين قال: وعلى الجملة فإنّ الحسين أخطأ خطأً عظيمًا في خروجه هذا، الذي جرّ على الأمّة وبال الفرقة والاختلاف، وزعزع عماد ألفتها إلى يومنا هذا، وقد أكثر الناس من الكتابة في هذه الحادثة لا يريدون بذلك إلّا أن تشتعل النيران في القلوب، فيشتدّ تباعدها. غاية ما في الأمر أنّ الرجل طلب أمرا لم يهيّأ له، ولم يعدّ له عدّته، فحيل بينه وبين ما يشتهي وقتل دونه، وقبل ذلك قتل أبوه، فلم يجد من أقلام الكاتبين ومن يبشّع أمر قتله ويزيد به نار العداوة تأجيجاً، وقد ذهب الجميع إلى ربّهم يحاسبهم على ما فعلوا، والتاريخ يأخذ من ذلك عبرة وهي: أنّه لا ينبغي لمن يريد عظائم الأمور أن يسير إليها بغير عدّتها الطبيعيّة، فلا يرفع سيفه إلّا إذا كان معه من القوّة ما يكفل النجاح أو يقرب من ذلك، كما أنّه لا بدّ أن تكون هناك أسباب حقيقيّة لمصلحة الأمّة، بأن يكون جور ظاهر لا يحتمل، وعسف شديد ينوء الناس بحمله، أمّا الحسين فإنّه خالف يزيد وقد بايعه الناس، ولم يظهر منه ذلك الجور ولا العسف عند إظهار هذا الخلاف»79

ونحن هنا لا نقول شيئا كثيراً ولكن نعتقد أن من يخطّئ الإمام الحسين﵇ «خطأً عظيمًا» لا ريب أنه لا يلتقي معه في نهج واحد ولا في نتيجة واحدة فإذا كان الحسين سيد شباب أهل الجنة فماذا يكون مكان من يخطئه خطأ عظيماً ويرى الحسين قد جر على الأمة وبال الفرقة والاختلاف إلى يومنا هذا؟! ولا غرابة في ذلك فيمن تكون النزعة الأموية عنده طاغية إلى حد لا يستطيع فيه أن يجامل كما صنع من سبقه ممن نقلنا كلماتهم، فإذا كان بعض أولئك يترضون أو يترحمون فلا مجال عند هذا الرجل لمثل ذلك 80

في رأي هذا «الخضري»: الحسين أخطأ خطأ عظيمًا، بينما يزيد لم يظهر منه ذلك الجور والعسف، الحسين ومن كتب عنه هم الذين زعزعوا ألفة الأمة وسببوا لها الاختلاف! بينما بنو أمية وأتباعهم هم الذين حفظوا وحدتها، الذي يريد الحق والإصلاح لا ينبغي له أن ينهض فيه! إنما من يملك القوة من الظلمة والغَشَمة وأصحاب القوة هم الذين ينبغي أن يتحركوا!

أرأيت عزيزي القارئ كيف يحشر المرء في ركاب بني أمية حتى وهم بعيدون عنه بأكثر من ثلاثة عشر قرناً؟ ويحاسب بذنوبهم لحبه لهم ويشترك في أعمالهم وجرائمهم وإن لم يعاصرهم؟ إن هذا الرجل هو من مصاديق حديث رسول الله كما رواه عنه جابر (من أحب قوما حشر معهم ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم)81.

وإن جئت إلى كلمات محب الدين الخطيب في تعليقاته على كتاب العواصم من القواصم لابن العربي والذي أعاد طباعته ونشره وتوزيعه (وكان ينبغي أن يظل كلام ابن عربي مطمورًا فما يساء إلى الإسلام بنشره في أيام تُوضع فيها الشرائع لقمع الحكام وإلزامهم حدود الأدب، ولكن الإسلام المتعب من كيد أعدائه، يقوم فريق من بنيه بنشر هذه السخافات دعاية له) كما قال المرحوم الشيخ محمد الغزالي في تعليقه على قيام الخطيب بإعادة طباعته ونشره!

ولقد كانت إساءات الخطيب إلى حركة الإمام الحسين﵇ في تعليقاته أسوأ من الأصل وأقل أدباً مع الإمام﵇ من ابن العربي وأدنى إدراكا لفهم أهداف النهضة الحسينية من إدراك صاحبه ابن العربي.

ويكفي لفهم نزعته الأموية أن نرى أنه بعث من العدم هذا الكتاب الذي كان ينبغي طمره تحت التراب.

ولولا أننا رأينا القرآن الكريم أحيانا ينقل ضلالات أعداء الأنبياء والشرائع لبيان كيف يَسِف الإنسان إلى أدنى المستويات أو يؤمن بما ينبغي أن يخجل من نسبته إليه، لا لتلويث صفحات القرآن وإنما للرد عليهم والتحذير منهم ومن هذا المستوى، لولا ذلك لنزهنا هذه الصفحات عن ذكر تلك الأسماء وما نفثته نزعاتهم الأموية.

هنا لا بد أن نشير إلى أهمية الزيارات وكونها تعيد تعريف الإمام وما قام به، وذلك عندما يقول الزائر (أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله ورسوله حتى أتاك اليقين..) وحتى يتبين الموقف من أمثال هؤلاء فإن الزيارات تجعلهم في صف القتلة المجرمين (فلعن الله أمة قتلتك -أي هذه قد مضى زمانها- ولعن الله أمة ظلمتك -وهذه كانت ولا تزال فإن من يصف الحسين بما سبق ذكره- لا ريب ظالم له، -ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به- وهؤلاء حتى لو لم يقولوا شيئاً كما قال من ذكرناهم ولكن رضوا بما حصل ولم ينكروه فإنهم داخلون في هذا اللعن).

5. تبرئة يزيد من قتل الحسين﵇:

تكاد كلمة أصحاب الاتجاه الأموي تتفق على تبرئة يزيد من قتل الحسين، لماذا؟ ثم من قتله إذن؟

أما لماذا فقد أشار غير واحد من الباحثين إلى أن إثبات قتل يزيد للحسين﵇ وما تلا ذلك من قطع الرؤوس وسبي النساء، سيرتقي بالسؤال عن المجرم الحقيقي إلى من ولاه وسلطه على رؤوس المسلمين وفي هذا من نقض نظرية مدرسة الخلفاء ما لا قبل لهم به، وقد صرح بهذا بعضهم عندما منع من لعن يزيد حتى وإن ثبت قتله للحسين﵇ خوفا من ترقي اللعن إلى معاوية! وهو كما قالوا (سدُّ الصحابة!!) وأظرف من ذلك ما قاله العلامة الميلاني «إنّه ليس تحامياً عن أنْ يُرتقى إلى الأعلى فالأعلى فقط، بل لئلاّ ينزل إلى الأسفل والأسفل، إنّهم بتحاميهم عن يزيد ومعاوية يريدون الإبقاء على حكومات الجور في أزمنتهم أيضاً؛ ولذا رووا أنّه لما سأل الخليفةُ الناصر عبـدَ المغيث الحنبلي عن سـبب منعه من لعن يزيد، أجابه بأنّـه: لو فتحنا هذا الباب لزم لعن خليفتنا - يعني الناصر - وعَـزْله عن الخـلافة»82

فيزيد بن معاوية لم يقتل الحسين﵇ في رأيهم! من الذي قتله؟ هنا تُشتت الأجوبة والكلمات فتارة يقال: الذين قتلوه هم شيعته، وأخرى إن الذين قتلوه هم أهل الكوفة أو أهل العراق، حتى لقد صارت هذه الحكاية التي قد تكون مختلقة من الأساس وكأنها آية قرآنية محكمة.

أن أحدهم سأل شخصاً تارة يقال هو ابن عباس وأخرى ابن عمر، وما دام الأمر مختلقاً من الأساس فلا يهم من يكون المسؤول، سأله عن دم البعوضة أطاهر أو نجس، فسأله ابن عباس أو ابن عمر أو غيرهما (ممن صنع القصة) من أي مكان هو فإذا به ومن باب الصدفة يكون من أهل العراق! فقال له: متعجباً يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين بن علي!!

فالذي قتل الحسين ليس يزيد ولا ابن زياد ولا عمر بن سعد الزهري القرشي ولا حرملة بن كاهل الأسدي ولا ولا، وإنما هم أهل العراق! مع ملاحظة أن أهل العراق في تلك الأزمنة كانوا معروفين بتشيعهم لأهل البيت بخلاف أهل الشام الذين هم شيعة بني أمية!

بدل أن يقول هؤلاء بما قاله الحسين لأعدائه ومقاتليه (يا شيعة آل أبي سفيان)، فإذا بهذا العنوان يختفي ليكون القتلة هم أهل العراق وأهل الكوفة! وشيعة الإمام الحسين على وجه الخصوص!

ومن الأمثلة على نفي أي مسؤولية ليزيد في موضوع قتل الإمام الحسين يقول ابن تيمية: «وجَرَت في إمارتِهِ أمورٌ عظيمة؛ أحدُهَا: مقتلُ الحُسين -رضي الله عنه-، وهو لم يأمر -يعني يزيدَ- لم يأمر بقتلِ الحُسين، ولا أظهرَ الفَرَحَ بقتلِهِ، ولا نكتَ بالقضيبِ على ثناياهُ -رضي الله عنه-، ولا حَمَلَ رأسَ الحُسين -رضي الله عنه - إلى الشام، لكِنْ أَمَرَ بمَنْعِ الحُسين -رضي اللهُ عنه- وبدَفْعِهِ عن الأمرِ ولو كان بقتالِهِ؛ فزادَ النُّوابُ على أَمْرِهِ83..»

ويكفي في الجواب على هذا الكلام ما قاله سبط ابن الجوزي84، وبعضه منقول عن جده صاحب المنتظم: «وقال جدي: ليس العجب من قتال ابن زياد الحسين وتسليطه عمر بن سعد والشمر على قتله وحمل الرؤوس اليه، وإنما العجب من خذلان يزيد وضربه بالقضيب ثناياه وحمل آل رسول اللّه سبايا على أقتاب الجمال وعزمه على أن يدفع فاطمة بنت الحسين إلى الرجل الذي طلبها وإنشاده أبيات ابن الزبعرى: (ليت أشياخي ببدر شهدوا) ورده الرأس إلى المدينة وقد ظنّ أنه تغيرت ريحه وما كان مقصوده إلا الفضيحة واظهار رائحة الرأس، أفيجوز أن يفعل هذا بالخوارج؟ أليس بإجماع المسلمين أنّ الخوارج والبغاة يكفنون ويصلى عليهم ويدفنون؟ وكذا قول يزيد:لي أن أسبيكم لما طلب الرجل فاطمة بنت الحسين قولاً يقنع لقائله وفاعله باللعنة، ولو لم يكن في قلبه احقاد جاهلية وأضغان بدرية لاحترم الرأس لما وصل اليه ولم يضربه بالقضيب وكفنه ودفنه وأحسن إلى آل رسول اللّه.

قلت والذي يدل على هذا انه استدعى ابن زياد إليه وأعطاه أموالاً كثيرة وتحفاً عظيمة وقرب مجلسه ورفع منزلته وأدخله على نسائه وجعله نديمه وسكر ليلة وقال للمغني غن ثم قال يزيد بديهياً:

اسقني شربة تروي فؤادي

ثم مل فاسق مثلها ابن زياد

صاحب السر والأمانة عندي

ولتسديد مغنمي وجهادي

قاتل الخارجي أعني حسينا

ومبيد الأعداء والحساد

وقال ابن عقيل: ومما يدل على كفره وزندقته فضلاً عن سبه ولعنه أشعاره التي أفصح بها بالإلحاد وأبان عن خبث الضمائر وسوء الاعتقاد. فمنها قوله في قصيدته التي أولها:

علية هاتي واعلني وترنمي

بذلك أني لا أحب التناجيا

حديث أبي سفيان قدما سمى بها

إلى أحد حتى أقام البواكيا85

ثم مر في ذكر أشعاره التي تعرب عن عدم اعتقاده بالرسالة والقيامة، وقال بعدها: قلت: ولما لعنه جدي أبو الفرج على المنبر ببغداد بحضرة الإمام الناصر وأكابر العلماء قام جماعة من الجفاة من مجلسه فذهبوا فقال جدي (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود). وحكى لي بعض أشياخنا عن ذلك اليوم: أنّ جماعة سألوا جدي عن يزيد فقال: ما تقولون في رجل ولّي ثلاث سنين في السنة الأولى قتل الحسين في الثانية أخاف المدينة وأباحها وفي الثالثة رمى الكعبة بالمجانيق وهدمها، فقالوا: نلعنه، فقال: فالعنوه.

وقال جدي في كتاب (الرد على المتعصب العنيد) قد جاء في الحديث: لعن من فعل ما لا يقارب عشر معشار فعل يزيد، وذكر الأحاديث التي ذكرها البخاري86

ومن ذلك الدفاع المستميت عن يزيد بن معاوية ما قاله أبو حامد الغزّالي87 كما نقله عنه ابن كثير وغيره، فإنه في نفس الوقت الذي حرم فيه لعن يزيد ورأى أن من يلعنه فهو ملعون، رأى أن الترحم عليه مستحب! نسأل الله أن يحشره يوم القيامة مقرونا إلى يزيد بن معاوية! ولا ريب أن هذا هو الذي يحصل فإن (المرء مع من أحب) والذي يرى لعنه حراماً ولاعنه ملعوناً ويرى الترحم عليه مستحباً هو محب له. فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد: هل يحكم بفسقه أم هل يكون ذلك مرخصًا فيه وهل كان مريدًا قتل الحسين رضي الله عنه، أم كان قصده الدفع وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت عنه أفضل؟ يُنعم (أي الغزالي المفتي) بإزالة الاشتباه مثابًا، فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلًا، ومن لعن مسلمًا فهو الملعون» وفي تتمة تلك الفتوى أضاف: «وأمّا التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ فَجائِزٌ؛ بَلْ مُسْتَحَبٌّ؛ بَلْ نَحْنُ نَتَرَحَّمُ88عَلَيْهِ فِي جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ والمُؤْمِنِينَ عُمُومًا فِي الصَّلَواتِ»89

6. إنه لا ينبغي فعل ما يفعله الشيعة (والروافض) من قراءة مقتل الحسين﵇ فإنه «يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين و حكايته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فإنه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم أعلام الدين، وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة، ولعل ذلك لخطأ في الاجتهاد لا لطلب الرياسة والدنيا كما لا يخفى90» كما نقلوا هذا التحريم عن الغزّالي.

الطريف في الأمر أنّ هؤلاء يحرمون لعن يزيد باسمه، ويقولون إذا أردت أن تلعن فالعن من قتل الحسين من غير تسمية ومن أباح المدينة ومن قصف الكعبة وهكذا، لماذا؟ لما سبق أن ذكرناه في النقطة السابقة.

ولا ريب أن هذا التحريم ما دام هكذا «يحرم على الواعظ وغيره «سيشمل النبي91﵌ وعلي بن أبي طالب92 فقد قرآ -ولو باختصار- مقتل الامام الحسين ﵇، وبالتالي ففي رأي الغزالي ومن هلل وطبل لرأيه ناقلاً إياه مستعينا به، في رأي هؤلاء يكون النبي﵌ وعلي﵇ -حاشا قدسهما- قد ارتكبا الحرام.

وأعجب ما ذكر من «كراهية القهستاني: لو أراد ذكر مقتل الحسين ينبغي أن يذكر أولاً مقتل سائر الصحابة لئلا يشابه الروافض»93 فهل نذكر مثلاً كيفية قتل معاوية بن أبي سفيان الصحابي سعد بن أبي وقاص الزهري كما نقل مؤرخون؟ أو قتله عبدَ الرحمن بن أبي بكر في طريق مكة؟ (بالجنود من العسل)؟ أو قتله الامام الحسن بن علي﵉؟

وماذا نصنع إذا لم يكن لبعض الصحابة مقتل حيث أن هؤلاء ماتوا على فرشهم «كما يموت البعير»؟.

إن أتباع الاتجاه الأموي يعلمون أثر قراءة المقتل الحسيني واستقطابه سائر المسلمين إلى منهاج الحسين﵇، واستهجانهم ما فعل بنو أمية في ذلك، بل ترقيهم بعد ذلك إلى الأعلى مما يهدم أسس المدرسة الأموية فلذلك حرموا وقبحوا كل شيء يرتبط بالحزن وذكر المصيبة حتى لقد دخلوا في النيات فهذا ابن كثير وغيره يقول إنه «لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء»94 فبينما يقول سلفه الغزّالي إنه لا يمكن العلم بأن يزيد قتل الحسين مع أنها حادثة تاريخية تثبت بالروايات والقرائن فمثل هذه القضية التاريخية يشكك في إمكان معرفتها الغزالي وهذا ابن كثير يدخل في نيات الشيعة فيرى أن أكثر ما يظهرونه من الحزن هو تصنع ورياء مع أن موضوع الرياء هو من أفعال القلوب التي لا يعلم بها إلا خالقها.

ومن عجب احتجاجهم للمنع من قراءة مقتل الحسين بأن من هو أفضل منه لا يتخذ من قبل الشيعة مأتمًا، فلا رسول الله يتخذ يوم وفاته مأتما ولا أبوه وهو أفضل منه اتخذ يوم مقتله مأتماً الى آخر ما قال95. وهذا الكلام لا يرد على شيعة أهل البيت وإنما على غيرهم الواقعين في التقصير بشأن النبي﵌ ووصيه، ولا يرد على الشيعة فإنهم يتخذون يوم وفاة النبي في الثامن والعشرين من صفر في كل سنة يوم عزاء وحزن ومأتم ويتخذون يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان يوم شهادة أمير المؤمنين علي يوم مأتم وحزن وعزاء، فإما أن يكون ابن كثير لا يعلم بذلك فهو يدل على عدم تتبعه لقضية لا تحتاج لكثير عناء لاكتشافها وإن كان يعلم ويكتم الحق فما هي منه ببعيد.

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة

وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

الهوامش

  1. 69. المصدر 353.
  2. 70. سورة يوسف :آية 105
  3. 71. أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي توفى سنة 279 هـ أخذ عن المدائني وابن سعد البغدادي، وعمل في بلاط الخلفاء العباسيين؛ المتوكل والمستعين والمعتز، وصفه بعض الباحثين بأنه ممثل للتطور الجديد ممن «كان عملهم انتقاء المادة بعد النقد واستفادتهم من المصادر المختلفة ككتب الإخباريين، وكتب الأنساب وغيرها “وبالرغم من اتصاله بالخلفاء العباسيين إلا أن هذا لم يؤثر بشكل واضح في كتابته. يعتقد أنه تجاوز المناطق المحرمة التي تُتَجنب من قبل مؤرخي مدرسة الخلفاء: كما يلحظ الناظر في نقله لخبر السقيفة والخلافة وما جرى فيه بل لقد نقل خبرا يفيد اغتيال عمر بن الخطاب لسعد بن عبادة، ونقل حادثة اعتدائه على فاطمة الزهراء وأكثر من رواية شديدة في معاوية منها أنه يموت على غير ملة النبي!. وربما يكون لهذا السبب وأمثاله فإنهم وإن مدح في كلمات الرجاليين بحسن التصنيف وسعة العلم، إلا أنه لم يتم توثيقه بشكل صريح. بل ربما طعن فيه لمحتوى ما نقل في كتبه من أحاديث كما قال ابن عدي: حدث بأحاديث في الفضائل لم يوافقه عليها أحد، ومثالب لغيرهم مناكير، ونسبوه إلى التشيع. نعم وثقه الدارقطني لكن لا مطلقا فقال: ثقة، لكنه يخطئ على معمر في أحاديث.
  4. 72. إلا أن الشريف المرتضى من أعلام الإمامية قد وصفه بالوثاقة والضبط في كتابه الشافي عند احتجاجه على القاضي عبد الجبار بقوله: « أما كون أبي بكر في جملة جيش أسامة فظاهر، قد ذكره أصحاب السير والتواريخ، وقد روى البلاذري في تاريخه وهو معروف بالثقة والضبط وبرئ من ممالأة الشيعة ومقاربتها..” يعتبر كتاباه: أنساب الأشراف، ومعجم البلدان من الكتب المهمة في موضوعهما.
  5. 73. البلاذري، أحمد بن يحيى: أنساب الأشراف ٣/١٧٣ وقد علق عليه محقق الكتاب الشيخ المحمودي بأن الحديث ضعيف السند غير جامع لشرائط الحجية، فما تفرد به ساقط، ولو لم يكن فيه إلا سعدويه سعد بن سعد الجرجاني لكان كافيا لسقوطه عن درجة الاعتبار والحجية، قال البخاري: لا يصح حديثه.
  6. 74. نفس المصدر ٣/١٨٢.
  7. 75. نفس المصدر ٢١٥.
  8. 76. يوسف: 111.
  9. 77. أشرنا أكثر من مرة إلى أننا عندما نتحدث عن الاتجاه الأموي لا نقصد الدولة الأموية فقط وإنما الخط الممتد منها وإلى أيامنا ممن يحمل فكرها وسياستها.
  10. 78. الوافي 15/179.
  11. 79. محمد بن عبد الله بن محمد المعافري، المشهور بالقاضي أبو بكر بن العربي المالكي توفي سنة 543 هـ في المغرب. وتفقه على أبي حامد الغزالي. وهو غير محيي الدين بن عربي المشهور بالتصوف الذي توفي في دمشق سنة 638هـ أي بعد نحو قرن من وفاة سابقه. بالإضافة إلى اختلافات بينهما كثيرة. أشهر كتبه كتاب العواصم من القواصم والذي نصب فيه نفسه محاميا عن الدولة الأموية وتنزيه خلفائها بما لم يدعه نفس أولئك وأجهد نفسه لإنكار حقائق التاريخ الثابتة عند المؤرخين لأجل «تبرئة» أولئك الحكام من مفاسدهم. كما حاول أن ينزه الصحابة «فيما شجر بينهم»! ولتجاوزه حقائق التاريخ فقد تعرض لهجوم من كثير من العلماء ممن نقدوا كتابه ومنهجه.
  12. 80. قال عبد الرؤوف المناوي في فتح القدير شرح الجامع الصغير 5/246 «.. من مجازفات ابن العربي أنه أفتى بقتل رجل عاب لبس الأحمر لأنه عاب لبسة لبسها رسول الله﵌ وقتل بفتياه كما ذكر ه في المطامح وهذا تهور غريب وإقدام على سفك دماء المسلمين عجيب وسيخاصمه هذا القتيل غدا ويبوء بالخزي من اعتدى وليس ذلك بأول عجرفة لهذا المفتي وجرأته وإقدامه فقد ألف كتابا في شأن مولانا الحسين رضي الله عنه وكرم وجهه وأخزى شانئه زعم فيه أن يزيد قتله بحق بسيف جده نعوذ بالله من الخذلان..» ولأن المعنى الذي ذكره ابن العربي هو ما استفاده الكثير من كلامه، ومنهم ابن خلدون حيث قال في مقدمته: «وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في هذا فقال في كتابه الذي سمّاه (العواصم من القواصم)، ما معناه أنّ الحسـين قُـتل بشرع جدّه، وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل! ومَن أعدل من الحسـين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء؟! ولذلك لا نرى معنى واضحا لقول ابن حجر إن شيخه أبا الحسن الهيثمي كان يغض من ابن خلدون لأنه نسب لابن العربي قوله عن الحسين إنه قتل بسيف جده.. فهو وإن لم يقل ذلك بالحرف والنص فقد قاله بالمعنى والمؤدى، وهذا ما يفهم من كلامه!
  13. 81. (ويكفي في الرد على هذه المقالة ما قاله قال ابن الجوزي في كتابه «السر المصون»: من الاعتقادات العامية، التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنة، أن يقولوا أن يزيدًا كان على الصواب، وأن الحُسين أخطأ في الخروج عليه، ولو نظروا في السِير لعلموا كيف عُقدت له البيعة، وألُزِمَ النّاسُ بها، ولقد فعل في ذلك كل قبيح، ثمَّ لو قدَّرنا صحة خلافته، فقد بدت منه بواد كلها توجب فسخ العقد، من رَمْي المدينةِ، ورمي الكعبة بالمجانيق، وقتل الحسين وأهل بيته، وضربه على ثنيته بالقضيب، حمله الرأس على خشبة، وإنما يميل جاهل بالسيرة، عامي المذهب، يظن أنّه يغيظ بذلك الرافضة...
  14. 82. ابن كثير: البداية والنهاية ٨/٢٢١
  15. 83. المقرم، عبد الرزاق: مقتل الحسين﵇ ٢٣٨
  16. 84. الحراني: أحمد بن تيمية: منهاج السنة 4/531.
  17. 85. محمد بن عفيفي الباجوري، المعروف بالشيخ محمد الخضري بك. توفي 1345هـ، تخرج من كلية دار العلوم من جامعة القاهرة وعين مدرسا للتاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية، وفيها القى محاضراته حول الدولة الاموية والعباسية والتي ستصبح كتابا فيما بعد، له كتب منها (أصول الفقه) و (تاريخ التشريع الإسلامي) وغيرها..
  18. 86. الخضري، محمد، الدولة الأموية ص322 .
  19. 87. قال الباحث الإسلامي الشيخ زكي الميلاد في مقال له في مجلة الكلمة العدد (101) السنة الخامسة والعشرون، خريف 2018م/1440هـ: «.. خصّص الخضري المحاضرة الرابعة والثلاثين للحديث عن عهد يزيد بن معاوية، معرّفًا به، ومتطرّقًا للحوادث التي حصلت في عهده إلى وفاته، مبتدئًا من حادثة الحسين ومقتله. وقد تتبّعت في هذه المحاضرة عدد المرّات التي تكرّر فيها اسم الحسين، فوجدت أنها وصلت إلى اثنتين وثلاثين مرة، وفي جميع هذه المرّات لم يترحّم عليه أبدًا، ولم يسلّم عليه أو يترضّى عنه، وظلَّ يكرّر الاسم مجردًا عن أية صفة، لا صفة الإمام ولا صفة الشهيد، ولا صفة السبط، فتارة يذكره باسم الحسين، وتارة باسم الحسين بن علي..»
  20. 88. السيوطي، جلال الدين: الجامع الكبير ٨/٤٠٢ «مَن أحَبَّ عَمَل قَوْمٍ -شرًّا كانَ أوْ خَيرًا- فَهُوَ كَمَن عَمِلَه. وفي الجامع الصغير ٢/٥٥٣: من أحب قوما حشره الله في زمرتهم. وفي مستدرك الحاكم 3/18 مثله، وفي مصادر الإمامية كثير أحدها: السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة ١٣/٤٣٤ ما عن عطية العوفي قال خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائرين قبر حسين بن علي بن أبي طالب ﵉ (إلى أن قال) يا عطية سمعت حبيبي رسول الله﵌ يقول: من أحب قوما حشر معهم ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم.
  21. 89. الميلاني، السيد علي: من هم قتلة الحسين؟ نسخة الكترونية.
  22. 90. http: //www.al-milani.com/library/lib-sec.php?secid=1
  23. 91. ابن تيمية، مجموع الفتاوى 3/410-413.
  24. 92. يوسف بن قزأوغلي بن عبد الله سبط أبي الفرج بن الجوزي ولد ببغداد واستوطن دمشق وتوفي فيها سنة 654 هـ. و” قِزْأُوغْلِي، بكسر القاف وسكون الزاي، ثم همزة مضمومة وغين ساكنة ولام مكسورة وياء: لفظ تركي، ترجمته «ابن البنت» أي «السبط». عرف بالوعظ والأدب. وله الكثير من الكتب أهمها، تذكرة خواص الأمة بذكر خصائص الأئمة - ط» في ذكر الأئمة الاثني عشر. ولم يكن هذا ميزته إنما كانت ميزته أنه كان مع تسننه -مذهبا- محبا لعلي بن أبي طالب وأهل بيته بريئا من الاتجاه الأموي، وهذا الذي جعل أعيان ذلك الاتجاه يرفضون توثيقه لأنهم لو فعلوا ذلك سيتورطون فيما ينقل من الروايات، فالأفضل أن يقال بعدم وثاقته بل بأنه رافضي!! كما فعل الذهبي في ميزان الاعتدال حيث قال «وما أظنه بثقة فيما ينقله، بل يجنف ويجازف، ثم إنه ترفض»! أما ابن تيمية فقد قال في منهاج السنة عنه، إنه يصنف بحسب ما يستلم من المال!! قال « ويحتج في أغراضه بأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة وكان يصنف بحسب مقاصد الناس يصنف للشيعة ما يناسبهم ليعوضوه بذلك”!!.
  25. 93. وكأنهم استكثروا على عالم حنبلي أو حنفي المذهب أن يروي فضائل ومناقب آل محمد وأن يتبرأ من بني أمية مع أنه إنما أخذ هذا الاتجاه من جده لأمه أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي صاحب المنتظم (توفي سنة 597 هـ) الذي كان لا يخفي محبته لأهل البيت﵈ وبراءته من بني أمية وبالذات يزيد وقد صنف كتابًا مهمًّا أسماه: الرد على المتعصب العنيد المانع عن لعن يزيد. رد فيه على عبد المغيث بن زهير الحنبلي الذي دافع عن يزيد وبرأه من جرائمه.ونقل عنه سبطه في التذكرة فقال: سمعت جدي ينشده في مجالس وعظه ببغداد سنة 596:أهوى عليًّا وإيماني محبته * كم مشرك دمه من سيفه وكفا (تقاطر)إن كنت ويحك لم تسمع فضائله * فاسمع مناقبه من هل أتى وكفى
  26. 94. سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص ٢٦٠.
  27. 95. المصدر ص ٢٦١.