الأفكار المشبوهة وتغييب النهضة الحسينية

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون في الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه. وليس كل ذلك الجيش كان راضياً بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم، ولا كرهه، والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هو به مخبراً عن نفسه بذلك، وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم..»75

3. فكرة التأول والتأويل

من جملة ما تمسك به أتباع النهج الأموي موضوع تأول قتلة الحسين، وأنهم ما خرجوا إليه إلا بتأويل، ومعنى ذلك الصريح؛ أنهم خرجوا لقتله بحجة شرعية في رأيهم وبدليل بين أيديهم يهتدون به.. لا أنهم قتلوه بدوافع دنيوية أو مادية أو لأجل السلطة! وهذا كما يشمل القادة كيزيد وابن زياد، يشمل عامة المقاتلين كما يظهر من كلماتهم بأنه ما خرج الناس لقتاله إلا بتأويل وتأول! وقد صرح بذلك ابن العربي كما تقدم ذكره وأشار إليه بخجل ومواربة ابن كثير!

وهنا نقول إنه لا مجال لهذا اللّت والعَجْن!! فإن الحسين﵇ صارحهم بل حاكمهم بالقول:

أيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين باللّه والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أوليس جعفر الطيار عمي، أو لم يبلغكم قول رسول اللّه لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق واللّه ما تعمدت الكذب منذ علمت أن اللّه يمقت عليه أهله ويضرّ به من اختلقه وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟!

ثم قال الحسين﵇: فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم؟ فو اللّه ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟! أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة؟! فأخذوا لا يكلِّمونه76.

فبعد كل هذا التوضيح بل المحاكمة، أي معنى باطل يبقى للحديث عن التأول والتأويل؟! أمامهم هو يقول أنا ابن بنت رسول الله وهذا نسبي حتى لا يحتج أحد بعدم معرفة الشخص! ويقول هؤلاء يقتلونني ظلماً من غير جرم حتى لا يأتي متمحل مخذول فيما بعد ليقول أنت شققت عصا الأمة وفرقتها فنقتلك بسيف جدك!

من يقول هذا الهراء؟! يقال له: تأوّل قاتلوه عليه فقتلوه! ثم تأوّلوا فقطعوا رأسه! ثم تأولوا أيضا فداسوه بحوافر الخيل! ثم تأولوا فسبو نساءه من بنات رسول الله! ثم تأولوا فحملوا رأسه ورؤوس أصحابه إلى الشام ثم تأولوا فقرعوا ثناياه أمام الناس بالخيزران! ثم تأوّلوا فهدموا داره! ماذا بقي لم يتأولوه؟!

4. ومن الأفكار التي يبثها أتباع النهج الأموي في تشويه صورة النهضة الحسينية وبالتالي تغييبها عن ذهن الأمة كمثال أسمى، أنها كانت ذات نتائج ضارة بالأمة ولم يكن فيها نفع!