الأفكار المشبوهة وتغييب النهضة الحسينية

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

ومن خلال كلامه فهم غير واحد من العلماء والمؤرخين أنه ينتهي إلى القول بأن الحسين إنما قتل بسيف جده رسول الله، فقالوا إنه قال ذلك73، وهو وإن لم يقل هذا بالنص والحرف لكن هذا المعنى واضح في كلامه، قال -عامله الله بما يستحق- في حق الإمام الحسين﵇ «ما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر من الدخول في الفتن. وأقواله في ذلك كثيرة: منها قوله﵌ «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان». فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله. ولو أن عظيمها وابن عظيمها وشريفها وابن شريفها الحسين وسعه بيته أو ضيعته أو إبله -ولو جاء الخلق يطلبونه ليقوم بالحق، وفي جملتهم ابن عباس وابن عمر- لم يلتفت إليهم، وحضره ما أنذر به النبي﵌ وما قال في أخيه ورأى أنها خرجت عن أخيه ومعه جيوش الأرض وكبار الخلق يطلبونه، فكيف ترجع إليه بأوباش الكوفة، وكبار الصحابة ينهونه وينأون عنه؟

قادة هذا الاتجاه الأموي هم على قسمين؛ من يعلن الأمر بالصراحة؛ تخطئة الحسين بوضوح واعلان أن الإمام الشرعي هو يزيد بن معاوية74، وخروج الحسين عليه خروج بغي وفتنة والموقف الطبيعي هو أن يقتل الخارج الباغي الممزق للأمة، وهذا هو توجيه النبي وهو معنى أن الحسين قتل بسيف جده كما قال ابن العربي المالكي.

والقسم الثاني يرى هذه المقالة فجة، وهي أوقح من أن تُقبَل بهذه الصيغة، فيتم تخفيفها بالنحو التالي: يزيد بايعه الناس بعد تولية أبيه إياه فهو إمام شرعي، وانفرد الحسين وخمسة نفر بعدم البيعة، فهم مخطئون في ذلك، ثم خُدع الحسين بشيعته وأهل الكوفة، ولم يستمع إلى نصح الصحابة، فكان من الطبيعي أن تقاومه الدولة بعد أن حاولوا معه بالرفق فلم يستجب! فكان أن قتله عبيد الله بن زياد أو قتله شيعته من أهل العراق! لكننا نترحم على الحسين فهو ابن بنت رسول الله وهو كذا وكذا لكننا لا نفعل كما يفعل الشيعة والروافض من البدع في إظهار الجزع الذي هو غير جائز.. الى آخر هذه المعزوفة.

ويظهر ذلك بصياغة أوضح في كلام ابن كثير «.. وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأولوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الأمة كلها بكمالها ونتهم على نبيها﵌، فليس الامر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الأئمة قديماً وحديثاً كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم الله، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة.