إن أتباع الاتجاه الأموي يعلمون أثر قراءة المقتل الحسيني واستقطابه سائر المسلمين إلى منهاج الحسين﵇، واستهجانهم ما فعل بنو أمية في ذلك، بل ترقيهم بعد ذلك إلى الأعلى مما يهدم أسس المدرسة الأموية فلذلك حرموا وقبحوا كل شيء يرتبط بالحزن وذكر المصيبة حتى لقد دخلوا في النيات فهذا ابن كثير وغيره يقول إنه «لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء»94 فبينما يقول سلفه الغزّالي إنه لا يمكن العلم بأن يزيد قتل الحسين مع أنها حادثة تاريخية تثبت بالروايات والقرائن فمثل هذه القضية التاريخية يشكك في إمكان معرفتها الغزالي وهذا ابن كثير يدخل في نيات الشيعة فيرى أن أكثر ما يظهرونه من الحزن هو تصنع ورياء مع أن موضوع الرياء هو من أفعال القلوب التي لا يعلم بها إلا خالقها.
ومن عجب احتجاجهم للمنع من قراءة مقتل الحسين بأن من هو أفضل منه لا يتخذ من قبل الشيعة مأتمًا، فلا رسول الله يتخذ يوم وفاته مأتما ولا أبوه وهو أفضل منه اتخذ يوم مقتله مأتماً الى آخر ما قال95. وهذا الكلام لا يرد على شيعة أهل البيت وإنما على غيرهم الواقعين في التقصير بشأن النبي﵌ ووصيه، ولا يرد على الشيعة فإنهم يتخذون يوم وفاة النبي في الثامن والعشرين من صفر في كل سنة يوم عزاء وحزن ومأتم ويتخذون يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان يوم شهادة أمير المؤمنين علي يوم مأتم وحزن وعزاء، فإما أن يكون ابن كثير لا يعلم بذلك فهو يدل على عدم تتبعه لقضية لا تحتاج لكثير عناء لاكتشافها وإن كان يعلم ويكتم الحق فما هي منه ببعيد.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
الهوامش
- 69. المصدر 353.
- 70. سورة يوسف :آية 105
- 71. أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي توفى سنة 279 هـ أخذ عن المدائني وابن سعد البغدادي، وعمل في بلاط الخلفاء العباسيين؛ المتوكل والمستعين والمعتز، وصفه بعض الباحثين بأنه ممثل للتطور الجديد ممن «كان عملهم انتقاء المادة بعد النقد واستفادتهم من المصادر المختلفة ككتب الإخباريين، وكتب الأنساب وغيرها “وبالرغم من اتصاله بالخلفاء العباسيين إلا أن هذا لم يؤثر بشكل واضح في كتابته. يعتقد أنه تجاوز المناطق المحرمة التي تُتَجنب من قبل مؤرخي مدرسة الخلفاء: كما يلحظ الناظر في نقله لخبر السقيفة والخلافة وما جرى فيه بل لقد نقل خبرا يفيد اغتيال عمر بن الخطاب لسعد بن عبادة، ونقل حادثة اعتدائه على فاطمة الزهراء وأكثر من رواية شديدة في معاوية منها أنه يموت على غير ملة النبي!. وربما يكون لهذا السبب وأمثاله فإنهم وإن مدح في كلمات الرجاليين بحسن التصنيف وسعة العلم، إلا أنه لم يتم توثيقه بشكل صريح. بل ربما طعن فيه لمحتوى ما نقل في كتبه من أحاديث كما قال ابن عدي: حدث بأحاديث في الفضائل لم يوافقه عليها أحد، ومثالب لغيرهم مناكير، ونسبوه إلى التشيع. نعم وثقه الدارقطني لكن لا مطلقا فقال: ثقة، لكنه يخطئ على معمر في أحاديث.
- 72. إلا أن الشريف المرتضى من أعلام الإمامية قد وصفه بالوثاقة والضبط في كتابه الشافي عند احتجاجه على القاضي عبد الجبار بقوله: « أما كون أبي بكر في جملة جيش أسامة فظاهر، قد ذكره أصحاب السير والتواريخ، وقد روى البلاذري في تاريخه وهو معروف بالثقة والضبط وبرئ من ممالأة الشيعة ومقاربتها..” يعتبر كتاباه: أنساب الأشراف، ومعجم البلدان من الكتب المهمة في موضوعهما.
- 73. البلاذري، أحمد بن يحيى: أنساب الأشراف ٣/١٧٣ وقد علق عليه محقق الكتاب الشيخ المحمودي بأن الحديث ضعيف السند غير جامع لشرائط الحجية، فما تفرد به ساقط، ولو لم يكن فيه إلا سعدويه سعد بن سعد الجرجاني لكان كافيا لسقوطه عن درجة الاعتبار والحجية، قال البخاري: لا يصح حديثه.
- 74. نفس المصدر ٣/١٨٢.
- 75. نفس المصدر ٢١٥.
- 76. يوسف: 111.
- 77. أشرنا أكثر من مرة إلى أننا عندما نتحدث عن الاتجاه الأموي لا نقصد الدولة الأموية فقط وإنما الخط الممتد منها وإلى أيامنا ممن يحمل فكرها وسياستها.
- 78. الوافي 15/179.
- 79. محمد بن عبد الله بن محمد المعافري، المشهور بالقاضي أبو بكر بن العربي المالكي توفي سنة 543 هـ في المغرب. وتفقه على أبي حامد الغزالي. وهو غير محيي الدين بن عربي المشهور بالتصوف الذي توفي في دمشق سنة 638هـ أي بعد نحو قرن من وفاة سابقه. بالإضافة إلى اختلافات بينهما كثيرة. أشهر كتبه كتاب العواصم من القواصم والذي نصب فيه نفسه محاميا عن الدولة الأموية وتنزيه خلفائها بما لم يدعه نفس أولئك وأجهد نفسه لإنكار حقائق التاريخ الثابتة عند المؤرخين لأجل «تبرئة» أولئك الحكام من مفاسدهم. كما حاول أن ينزه الصحابة «فيما شجر بينهم»! ولتجاوزه حقائق التاريخ فقد تعرض لهجوم من كثير من العلماء ممن نقدوا كتابه ومنهجه.
- 80. قال عبد الرؤوف المناوي في فتح القدير شرح الجامع الصغير 5/246 «.. من مجازفات ابن العربي أنه أفتى بقتل رجل عاب لبس الأحمر لأنه عاب لبسة لبسها رسول الله﵌ وقتل بفتياه كما ذكر ه في المطامح وهذا تهور غريب وإقدام على سفك دماء المسلمين عجيب وسيخاصمه هذا القتيل غدا ويبوء بالخزي من اعتدى وليس ذلك بأول عجرفة لهذا المفتي وجرأته وإقدامه فقد ألف كتابا في شأن مولانا الحسين رضي الله عنه وكرم وجهه وأخزى شانئه زعم فيه أن يزيد قتله بحق بسيف جده نعوذ بالله من الخذلان..» ولأن المعنى الذي ذكره ابن العربي هو ما استفاده الكثير من كلامه، ومنهم ابن خلدون حيث قال في مقدمته: «وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في هذا فقال في كتابه الذي سمّاه (العواصم من القواصم)، ما معناه أنّ الحسـين قُـتل بشرع جدّه، وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل! ومَن أعدل من الحسـين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء؟! ولذلك لا نرى معنى واضحا لقول ابن حجر إن شيخه أبا الحسن الهيثمي كان يغض من ابن خلدون لأنه نسب لابن العربي قوله عن الحسين إنه قتل بسيف جده.. فهو وإن لم يقل ذلك بالحرف والنص فقد قاله بالمعنى والمؤدى، وهذا ما يفهم من كلامه!
- 81. (ويكفي في الرد على هذه المقالة ما قاله قال ابن الجوزي في كتابه «السر المصون»: من الاعتقادات العامية، التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنة، أن يقولوا أن يزيدًا كان على الصواب، وأن الحُسين أخطأ في الخروج عليه، ولو نظروا في السِير لعلموا كيف عُقدت له البيعة، وألُزِمَ النّاسُ بها، ولقد فعل في ذلك كل قبيح، ثمَّ لو قدَّرنا صحة خلافته، فقد بدت منه بواد كلها توجب فسخ العقد، من رَمْي المدينةِ، ورمي الكعبة بالمجانيق، وقتل الحسين وأهل بيته، وضربه على ثنيته بالقضيب، حمله الرأس على خشبة، وإنما يميل جاهل بالسيرة، عامي المذهب، يظن أنّه يغيظ بذلك الرافضة...
- 82. ابن كثير: البداية والنهاية ٨/٢٢١
- 83. المقرم، عبد الرزاق: مقتل الحسين﵇ ٢٣٨
- 84. الحراني: أحمد بن تيمية: منهاج السنة 4/531.
- 85. محمد بن عفيفي الباجوري، المعروف بالشيخ محمد الخضري بك. توفي 1345هـ، تخرج من كلية دار العلوم من جامعة القاهرة وعين مدرسا للتاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية، وفيها القى محاضراته حول الدولة الاموية والعباسية والتي ستصبح كتابا فيما بعد، له كتب منها (أصول الفقه) و (تاريخ التشريع الإسلامي) وغيرها..
- 86. الخضري، محمد، الدولة الأموية ص322 .
- 87. قال الباحث الإسلامي الشيخ زكي الميلاد في مقال له في مجلة الكلمة العدد (101) السنة الخامسة والعشرون، خريف 2018م/1440هـ: «.. خصّص الخضري المحاضرة الرابعة والثلاثين للحديث عن عهد يزيد بن معاوية، معرّفًا به، ومتطرّقًا للحوادث التي حصلت في عهده إلى وفاته، مبتدئًا من حادثة الحسين ومقتله. وقد تتبّعت في هذه المحاضرة عدد المرّات التي تكرّر فيها اسم الحسين، فوجدت أنها وصلت إلى اثنتين وثلاثين مرة، وفي جميع هذه المرّات لم يترحّم عليه أبدًا، ولم يسلّم عليه أو يترضّى عنه، وظلَّ يكرّر الاسم مجردًا عن أية صفة، لا صفة الإمام ولا صفة الشهيد، ولا صفة السبط، فتارة يذكره باسم الحسين، وتارة باسم الحسين بن علي..»
- 88. السيوطي، جلال الدين: الجامع الكبير ٨/٤٠٢ «مَن أحَبَّ عَمَل قَوْمٍ -شرًّا كانَ أوْ خَيرًا- فَهُوَ كَمَن عَمِلَه. وفي الجامع الصغير ٢/٥٥٣: من أحب قوما حشره الله في زمرتهم. وفي مستدرك الحاكم 3/18 مثله، وفي مصادر الإمامية كثير أحدها: السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة ١٣/٤٣٤ ما عن عطية العوفي قال خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائرين قبر حسين بن علي بن أبي طالب ﵉ (إلى أن قال) يا عطية سمعت حبيبي رسول الله﵌ يقول: من أحب قوما حشر معهم ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم.
- 89. الميلاني، السيد علي: من هم قتلة الحسين؟ نسخة الكترونية.
- 90. http: //www.al-milani.com/library/lib-sec.php?secid=1
- 91. ابن تيمية، مجموع الفتاوى 3/410-413.
- 92. يوسف بن قزأوغلي بن عبد الله سبط أبي الفرج بن الجوزي ولد ببغداد واستوطن دمشق وتوفي فيها سنة 654 هـ. و” قِزْأُوغْلِي، بكسر القاف وسكون الزاي، ثم همزة مضمومة وغين ساكنة ولام مكسورة وياء: لفظ تركي، ترجمته «ابن البنت» أي «السبط». عرف بالوعظ والأدب. وله الكثير من الكتب أهمها، تذكرة خواص الأمة بذكر خصائص الأئمة - ط» في ذكر الأئمة الاثني عشر. ولم يكن هذا ميزته إنما كانت ميزته أنه كان مع تسننه -مذهبا- محبا لعلي بن أبي طالب وأهل بيته بريئا من الاتجاه الأموي، وهذا الذي جعل أعيان ذلك الاتجاه يرفضون توثيقه لأنهم لو فعلوا ذلك سيتورطون فيما ينقل من الروايات، فالأفضل أن يقال بعدم وثاقته بل بأنه رافضي!! كما فعل الذهبي في ميزان الاعتدال حيث قال «وما أظنه بثقة فيما ينقله، بل يجنف ويجازف، ثم إنه ترفض»! أما ابن تيمية فقد قال في منهاج السنة عنه، إنه يصنف بحسب ما يستلم من المال!! قال « ويحتج في أغراضه بأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة وكان يصنف بحسب مقاصد الناس يصنف للشيعة ما يناسبهم ليعوضوه بذلك”!!.
- 93. وكأنهم استكثروا على عالم حنبلي أو حنفي المذهب أن يروي فضائل ومناقب آل محمد وأن يتبرأ من بني أمية مع أنه إنما أخذ هذا الاتجاه من جده لأمه أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي صاحب المنتظم (توفي سنة 597 هـ) الذي كان لا يخفي محبته لأهل البيت﵈ وبراءته من بني أمية وبالذات يزيد وقد صنف كتابًا مهمًّا أسماه: الرد على المتعصب العنيد المانع عن لعن يزيد. رد فيه على عبد المغيث بن زهير الحنبلي الذي دافع عن يزيد وبرأه من جرائمه.ونقل عنه سبطه في التذكرة فقال: سمعت جدي ينشده في مجالس وعظه ببغداد سنة 596:أهوى عليًّا وإيماني محبته * كم مشرك دمه من سيفه وكفا (تقاطر)إن كنت ويحك لم تسمع فضائله * فاسمع مناقبه من هل أتى وكفى
- 94. سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص ٢٦٠.
- 95. المصدر ص ٢٦١.