هذا بالرغم من وجود عناصر كثيرة كان من الطبيعي أن تُساهم في إضعاف بنية الخِطاب (مضموناً أو أسلوباً وشكلاً) ذلك أن خطاب العقيلة زينب﵍ كان ارتجالياً والخطاب الارتجالي أقرب إلى الضعف من الخطاب المحبر والمعد سلفاً. فإنها ﵍ بمجرد أن رأت يزيد بن معاوية ينكت ثنايا أبي عبد الله الحسين متمثلاً بالأبيات المعروفة عنه قامت السيدة زينب﵍ وخطبت وكان يفترض أن يكون هذا الارتجال عُنصراً سلبياً يُضعف الخطاب، لكننا لم نجد لهذا أثراً.
2. كذلك فإن مما كان يحتمل فيه التأثير السلبي للخطاب الزينبي (مضموناً أو أسلوباً) هو البيئة التي تم القاء الخطاب فيه فإن من الطبيعي أنه عندما تخطب امرأة وسط النساء ستكون أكثر انطلاقاً وقدرة بعكس ما إذا كانت في وسط رِجال ويصنفون على أنهم أعداء شامتون، لكننا أيضا لم نلاحظ تأثيراً سلبياً مباشراً في هذا الخطاب لهذه الجهة.
3. يضاف إليه وضع السيدة زينب﵍ النفسي والروحي بل والبدني، فإنها لتوها قد قطعت سفراً شاقاً استغرق أكثر من أسبوعين ويضاف إليه قرابة أسبوع قبل ذلك في الكوفة، في جهد يضعف بلا ريب امرأة تخطت الثالثة والخمسين من العمر، وقد فقدت إخوتها وأبناءها وأبناء أخيها، وكلفت رعاية هذا الجمع من النساء والأطفال، إن كل ذلك كان من الممكن أن يؤثر تأثيراً سلبياً للغاية ينكسر فيه الخطاب ويتعثر، لكننا مع كل ما سبق نجد خطاباً في أشد درجات التماسك والقوة والاقتدار والاحكام.
4. سوف نلاحظ أن الخطبة وهي كما قلنا لا تعد من الخطب الطويلة فهي بحدود الثلاثين سطراً، إلا أنها احتوت على عدد كبير من المفاهيم الدينية والمعرفية والتاريخية، واستشراف المستقبل، وتحليل الحدث الحسيني والكربلائي، ولا تزال كلماتها إلى يومنا هذا وكأنها قيلت للحظتها.
5. نلاحظ أن العقيلة زينب﵍ قد انتخبت آية قرآنية خاصة في مقدمة خُطبتها، ولم يكن ذلك على سبيل التبرك بآي القرآن كما يفعل بعض المتكلمين، وإنما اختارت بدقة آية تنطبق على المقام، وبيان ذلك أنها: بعد البسملة وحمد الله عزّ وجلّ والصلاة على محمد وآل محمد ذكرت الآية المباركة بقولها: صدق الله حيث يقول ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾.401
وهذا أفضل توصيف لحالة يزيد بن معاوية، فإن العاصي الفاسق يتدرج في المعصية من درجة فاسق فاجر، مع بقائه على أصوله الاعتقادية، إلى أن يصل إلى درجة المكذب بآيات الله، وغير المعتقد بها، والذي لا (يؤمن) بيوم المعاد، فإذا كان في البداية يشرب الخمر وهو فاسق كما عرف عن يزيد، إلا أنه سينتهي فيما بعد إلى التكذيب بمواعيد الله، وآياته فيقول:
ما قال ربُك ويلٌ للألى شربوا
بل قال ربك ويلٌ للمصلينا
وإذا كان يُمارس الزنا والمنكرات وهي كُلها من فساد الجوارح، إلا أنه وصل إلى درجة التمثل بكلام أحد كفار قريش في قوله:
لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحيٌ نزل
ويعد هذا التشخيص في الحقيقة لشخصية يزيد في غاية الدقة.