ثم مرة أخرى بعد أن عجز خالد ابنه، قال يزيد: هذا (يقصد الحسين) كان يفتخر عليّ ويقول: أبي خير من أب يزيد، وأمي خير من أمه، وجدي خير من جد يزيد، وأنا خير من يزيد! فهذا الذي قتله!!فأما قوله: إن أبي خير من أب يزيد، فقد حاج أبي أباه فقضى الله لأبي على أبيه! وأما قوله: إن أمي خير من أم يزيد، فلعمري أنه صدق أن فاطمة بنت رسول الله﵌ خير من أمي، وأما قوله بأن جدي خير من جد يزيد، فليس أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يقول: إنه خير من محمد﵌، وأما قوله: خير مني، فلعله لم يقرأ هذه الآية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.398
2. مواقف بعد ضرب الرأس الشريف
في خطوة تصعيدية، قام يزيد بأخذ عود خيزران وظل يقرع ثنايا وأسنان رأس أبي عبد الله الحسين﵇، الأمر الذي كان مفاجئاً للجميع من الحاضرين، وفيهم من كان يحسب من أصحاب رسول الله أو تابعيهم بالإضافة إلى الأسرة الكريمة للنبي﵌.
وهو ينشد متمثلا لعبد الله بن الزبعرى399، ومضيفا إليها من عنده:
ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحا
ثم قالوا يا يزيد لا تشل
لست من خندف إن لم أنتقم
من بني أحمد ما كان فعل
وربما نقل أيضا عنه تمثله بشعر آخر:
يفلقن هاما من رجال أعزة علينا
وهم كانوا أعق وأظلما
وبطبيعة الحال فإن هذه الفعلة التي كانت خارج كل المقاييس الاخلاقية والطبيعية، ولدت ردود فعل معارضة بعضها كان في مستوى الاستهجان والبعض الآخر في مستوى الاحتجاج وثالثها في مستوى المعارضة الصاخبة.
فمن ذلك ما قيل من أن أبا برزة الأسلمي400كان موجوداً في المجلس فلما رأى ذلك، اعترض قائلا: ارفع عصاك عن ثغر طالما رأيت رسول الله يقبله، وبكى وخرج محتجاً ونقل عن غيره أيضا.
وأما رد الفعل القوي، فقد كان من العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين﵉، حيث أشعل فيها هذا الاعتداء الأثيم جمرة الاحتجاج وخطبت خطبتها القوية في معناها الشديدة في أسلوبها والبليغة في ألفاظها وهي تحتاج إلى شرح خاص قد نعرض إليه فيما بعد لوجود عمق معنوي وأدبي متميز فيها.
ونحن نحتمل أن نهاية خطبة العقيلة زينب وفيها من التحدي ما عجز يزيد عن الرد عليه إلا بكلمات مبهمة، مثل قوله: يا صيحة تحمد من صوائح ما أهون الموت على النوائح
بينما كانت الخطبة في أفق غير هذا الأفق حيث أنهت الخطبة بقولها: فكد كيدك واسْعَ سعيك وناصب جهدك فو الله لا يذهب عنك عارها وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد يوم ينادي المنادي الا لعنة الله على الظالمين.
وبهذا تقريباً كان المجلس الأول والرئيس قد انتهى، وبهذه الصورة التي فرضتها العقيلة زينب﵍.
خطبة السيدة زينب﵍ في مجلس يزيد
بالرغم من أنه لم تكن طريقتنا في البحث في الصفحات الماضية على الشرح المسترسل والمفصل للخطب بما في ذلك حتى خطب العقيلة زينب﵍، إلا أننا بالنسبة لهذا الخطاب سنتوقف بشكل أكبر تركيزاً والتفاتاً للتأمل فيه لنلاحظ الأمور التالية:
1. اعجاز الخطاب ومرارة الظروف المحيطة: يرقى خطاب العقيلة زينب إلى مستوى معجز بالقياس إلى غيره بحيث يتضمن كل هذه المعاني الكبيرة بالأساليب البلاغية المتفوقة في مقطوعة لا تعتبر طويلة.